فتحت السيدة آيزاك فمها بتردّد، لكن غريس سبقتها بالكلام.
«اعفِ عن وقاحتي.»
«تطلبين العفو، ومع ذلك تتصرفين وكأنك لم تخطئي في شيء. يا لكِ من واثقة بنفسك.»
«أعتذر. لكنني شعرت أنني، في نهاية المطاف، لم أكن لأتفادى هذه الوقاحة مهما طال الزمن.»
«…ماذا قلتِ؟»
«لو انتظرتُ في غرفة الاستقبال، هل كنتِ ستقبلين مقابلتي؟» م.م: 🔥🔥🔥🔥🔥
ارتعش ما بين حاجبي إليزا. ورغم أن الغضب بدأ يتكاثف في عينيها، لم تخفض غريس بصرها.
حين حاولت إليزا النهوض، أسرعت السيدة آيزاك، التي كانت تقف خلفها بقلق، لمساعدتها. نهضت السيدة الكبرى ببطء وجلسـت.
بين خصلات الشعر الفضيّ المتناثر برزت عظام وجنتين بارزتين من شدة الهزال. لكن ما شدّ النظر حقًا كان العينين السوداوين اللامعتين بين ذلك الشعر الفضي. شفاه مطبقة بإحكام، وظهر وكتفان مستقيمان رغم الوهن.
امرأة قضت أكثر من عشر سنوات تنتظر الموت في قبرٍ حيّ، ومع ذلك كانت هيبتها لا تُقارن بهيبة أولئك الذين تلاعبوا بدور السادة.
حين حاولت السيدة آيزاك ترتيب شعرها المبعثر، صدّتها إليزا ببرود، ثم حدّقت في غريس كأنها تريد اختراقها بنظراتها وقالت:
«نعم، أنتِ تفهمين جيدًا. لم أكن لأنوي مقابلتك.»
«ألا يثير فضولك سبب مجيئي إليكِ؟»
«لا. ما يثير دهشتي فقط أن ابنة أسرة نبيلة، لم تتزوج بعد، تتبع الدوق. أليس لشرف عائلتك أي اعتبار لديكِ؟!»
كان صوت إليزا حادًا وقويًا، لا يُصدَّق أنه صادر عن عجوز واهنة حتى تكاد عظامها تُرى. ومع ذلك، لم ترتجف شعرة واحدة من حاجبي غريس وهي تردّ:
«أهذا حقًا ما تعتقدينه؟»
«……»
«وفق المخطط، كان ينبغي لي أن أكون الآن زوجةً في بيت كونت ساكسن.»
عند ذكر اسم ساكسن، تجعّد جبين إليزا. خفّضت غريس صوتها وتابعت:
«لو أصبحتُ كنّة ساكسن الذي قتل والديّ وعشت مطيعة صامتة، فهل يكون شرف تايلور محفوظًا عندها، سيدتي الكبرى؟» م.م: فخمة بشكل لا يوصف 🔥🔥
«……»
«اسمحي لي بسؤال واحد. من أجل ماذا تكتمين أنفاسكِ وتعيشين هكذا؟»
«احفظي لسانك! كيف تجرؤين على مخاطبة السيدة الكبرى بهذا الشكل…!»
انفجرت السيدة آيزاك غاضبة، لكن غريس لم تتوقف.
«لماذا تجلسين هنا وكأنكِ سلّمتِ ريتشموند كاملة، وتنتظرين فقط اليوم الذي تنتهي فيه حياتكِ؟»
«لا يمكن السكوت على هذا. اخرجي فورًا!!»
في تلك اللحظة
انفجرت إليزا بالضحك فجأة.
ضحكة مظلمة، كأنها دمٌ أسود راكد في أحشاء يابسة تحت جلدٍ متيبّس. ضحكت طويلًا، ضحكة جعلت جيسي، التي كانت تراقب من الخلف، تفرك ذراعها لشدة ما بثّته من قشعريرة. ثم رفعت إليزا يدها اليمنى.
«سيدتي الكبرى…»
«كُفّي عن الثرثرة بشأن الصحة. أحضريه.»
تنهدت السيدة آيزاك بخفة، ثم أخرجت سيجارة من على الطاولة. أشعلتها وقدّمتها إلى أصابع إليزا اليمنى. ظلت إليزا تحرق السيجارة طويلًا.
تحت ضوء الشمس، بدا الدخان الأبيض فاقعًا على نحو لافت. ومن بين ستائر الدخان، ثبّتت إليزا نظرها على العينين الخضراوين المتلألئتين، وتكلمت ببطء:
«تسألينني: من أجل ماذا أكتم أنفاسي؟»
«……»
«يا صغيرتي. لا يهمني أن أعرف ماذا تريدين مني، لكنني سأجيبك عن هذا السؤال.»
«……»
«أنا…»
في تلك اللحظة، انسحبت كل المشاعر التي كانت عالقة في عيني إليزا السوداوين كجَزْرٍ مفاجئ. كما يتلاشى الدخان الأبيض الذي كان يتشكل بوضوح ليختفي بلا أثر، تلاشى حتى الغضب القليل الذي كان فيها، وترك فراغًا تامًا.
«ذلك الـ(شيء)… قد اختفى.»
مع صوتها العتيق، اغرورقت عينا السيدة آيزاك بالدموع، بينما بقيت غريس صامتة. وبعد أن أنهت إليزا سيجارتها، عادت إلى داخل الأغطية.
مسحت السيدة آيزاك دموعها بصمت، رتّبت غطاء إليزا، ثم أخرجت غريس وجيسي من الغرفة. حدّقت بالسيدة غريس كأن لديها الكثير لتقوله، لكنها في النهاية أغلقت الباب دون كلمة.
«ماذا نفعل، سيدتي؟»
سألت جيسي بحذر. كانت غريس تحدّق في الباب المغلق، ثم استدارت وقالت:
«لنعد اليوم، ونأتي مجددًا غدًا.»
وهي تمشي في الممر البارد، على عكس دفء غرفة إليزا، رتّبت غريس أفكارها.
أولًا: كما قال والتر، إليزا تستجيب للغضب بالفعل. لكن اقتحام غرفة النوم وحده غير كافٍ لإجبارها على النهوض.
ثانيًا: السبب الأكبر لعدم نهوضها هو أنها فقدت الهدف.
إذًا، لإيقاظ إليزا، لا بد من غضب أشدّ، وهدف واضح يُوضع أمامها.
وبينما كانت غريس تغادر الملحق واضعة هذين الشرطين في ذهنها
التعليقات لهذا الفصل " 29"