أسرعت فلورا في إنهاء زينتها، ثم توجّهت إلى الغرفة التي تقيم فيها المركيزة. فبعد أن انتُزعت منها غرفة الثريّا لصالح غريس، اضطرت المركيزة إلى الإقامة في غرفة أخرى.
دخلت فلورا مرتدية فستانًا بنفسجيًا فاتحًا، بدت كزهرة وردٍ يانعة أطلت لتوّها مع الصباح؛ جميلة ومحبّبة في آنٍ واحد.
«يا إلهي، فلورا.»
«أمّي!»
كانت والدة فلورا، كونتيسة لُوين، موجودة مع المركيزة.
قالت المركيزة بنبرةٍ مضمرة: «بهذا الجمال، لم يكن نظر الدوق يفارقك. حقًا، أحسنتِ تربية ابنة رائعة.»
«ذلك بفضل عطفكِ عليّ، إذ عاملتِني دائمًا كابنتكِ.»
«يا لكِ من متواضعة. تعالي يا فلورا.»
أغمضت المركيزة عينيها وهي تستمتع بلمسات الخادمة. وبينما كانت الخادمة تدلّك فروة رأسها بخفّة، وضعت إحدى الوصيفات أمام المركيزة علبة مجوهرات غير عادية.
«سأفتحها يا سيدتي.»
«تفضّلي.»
ما إن دارت المفاتيح وانفتح الغطاء، حتى انجذبت أنظار فلورا وكونتيسة لُوين كما ينجذب برادة الحديد إلى المغناطيس.
كانت جواهر مذهلة مصطفّة بعناية على مخملٍ أحمر. حتى بنظرةٍ عابرة، كان واضحًا أن عقدًا واحدًا من الألماس الخشن يعادل ثمن قصرٍ كامل. بل إن تقدير قيمة هذه الجواهر كان أمرًا مثيرًا للسخرية أصلًا.
فهذه كانت «كنوز ريتشموند»؛ مجموعة المجوهرات التي توارثتها دوقات ريتشموند عبر الأجيال.
ولم تكن تلك العلبة الوحيدة، وصاحبة الحق الشرعي فيها كانت الدوقة الكبرى إليزا. غير أن إليزا اعتزلت العالم، ومع إحكام المركيزة سيطرتها على القصر الداخلي، كان أول ما فعلته هو الاستحواذ على مفتاح «الغرفة الزرقاء» المليئة بكنوز ريتشموند.
ومنذ ذلك الحين، صارت ترتدي تلك الجواهر كما تشاء، وتعير بعضها للسيدات النبيلات بحسب القرب والولاء. كانت توزّع المقاعد، بل وحتى ترتيب السير في أروقة القصر، وفق درجات الطاعة. ولم يكن غريبًا أن تتلألأ أعناق وآذان وأصابع أقرب المقرّبين منها بكنوز ريتشموند.
بالنسبة للمركيزة، كانت هذه الكنوز هي مكانتها، بل هي السلطة ذاتها.
قالت كونتيسة لُوين متملّقة: «سيدتي، ما رأيكِ بارتداء عقد الألماس هذا اليوم؟ في كل مرة ترتدينه أشعر…»
ثم همست: «كأنكِ ملكة.»
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي المركيزة المغمضتين، فتابعت الكونتيسة: «صحيح أن الدوقة السابقة كانت ترتديه أحيانًا، لكنني أشعر الآن فقط أن هذا العقد وجد صاحبته الحقيقية.»
«لا تقولي هذا. ماذا لو سمعكِ أحد؟»
«إنه إحساسي فقط.»
ضحكت المركيزة برضى، ثم أشارت إلى الخادمة التي كانت تدلّك كتفيها أن تتراجع، ونهضت من الأريكة، مشيرةً لفلورا أن تقترب.
جلست فلورا إلى جوارها، فدفعت المركيزة علبة المجوهرات بيدها نحوها. جواهر لا تُقدّر بثمن، مصفوفة أمامها كما لو كانت وليمة.
حدّقت فلورا فيها بذهول.
«أيّها يعجبكِ أكثر؟»
رفعت فلورا نظرها.
«اختاري ما يروق لكِ.»
«سيدتي، أن تهدي فلورا شيئًا بهذه القيمة…»
«كنتُ أرغب دائمًا أن أمنح فلورا قطعة.»
«شكرًا جزيلًا لكِ. بل الأفضل أن تختاري أنتِ ما يناسبها. من يضاهي ذوقكِ يا سيدتي؟ أليس كذلك يا فلورا؟»
هزّت فلورا رأسها بسرعة. «اختاري أنتِ، سيدتي.»
ضحكت المركيزة، ثم انتقت طقم ألماس ورديّ اللون. كان هذا الطقم هدية من الإمبراطور آرغون الثالث لابنته حين كانت أميرة، وجلبته معها عند زواجها إلى ريتشموند.
«جرّبيه. كلما رأيتُ هذا الطقم تذكّرتكِ. بل، سأضعه لكِ بنفسي.»
نهضت المركيزة وعلّقت العقد حول عنق فلورا. وسارعت وصيفة ذكية بوضع مرآة أمامها، فيما أغدقت كونتيسة لُوين المديح على ذوق المركيزة.
همست المركيزة: «لا تخشي أن ينزعج الدوق.»
فبعد أكثر من عشر سنوات في الخارج، كيف له أن يعرف تفاصيل مجموعة المجوهرات؟
«أمنحكِ هذا العقد لإعلان وجودكِ بين سيدات القصر الداخلي لريتشموند.»
بل لإفهام الجميع حتى من ستكون دوقة ريتشموند أنها هي من اختارت فلورا.
اختارت فلورا لأنها وأسرتها الأسهل تحكّمًا. طموحٌ صغير، وجهٌ يفضح المشاعر، وحتى لو أصبحت أرملة لاحقًا، فسترضى بابتسامة مقابل بضع جواهر.
التعليقات لهذا الفصل " 27"