في تلك اللحظة، دوّى ضحكٌ من مكانٍ ما. كان ضحكًا خافتًا يأتي من بعيدٍ سحيق، وما لبث أن تلاشى، لكنه أخذ غريس معه إلى لحظةٍ من الماضي.
لحظةٌ كانت فيها تقف وسط حقل قمحٍ شاسع، ممسكةً بيد والدها. لا تدري لماذا، لكنها يومها كانت تضحك بقهقهةٍ عالية.
«يا لهذه الصغيرة، تضحك حتى تكاد سُرّتها تسقط.»
ما زال صدى ضحكتها في ذلك اليوم واضحًا في ذاكرتها. استحضرت غريس ذلك الضحك البريء للحظات، ثم أطفأت شعلة الشمعة المتقدة وتوجّهت إلى السرير. استلقت على جنبها، وسحبت الغطاء حتى رأسها، واحتضنت وسادةً كبيرة وهي تضمّ جسدها إليها. لم يكن النوم يأتيها إلا هكذا، منكمشةً، مغطّاة تمامًا بالوسادة واللحاف.
كانت ترمش ببطء، فانجذبت عيناها نحو الموقد. الحطب الذي تركه هو كان يدفئ الغرفة بلطف.
وبشكلٍ طبيعي، ما إن فكّرت به حتى شعرت وكأن دفئًا يلتف حول ظهرها، وكأن قوةً صلبة تشدّ معها وتر القوس. إحساسٌ شبيه بالسراب، موجود كأنه غير موجود. ومع ذلك، أخذ النعاس يتسلّل إليها ببطء.
ما إن أغمضت عينيها، حتى انبسط أمامها حقل قمحٍ ذهبيّ شاسع.
عندما ينتهي كل شيء… سأعود إلى ذلك الحقل الذي كنتُ أتمشّى فيه مع أبي وأمي. أستنشق رائحة القمح العطرة، وأضحك… تمامًا كما فعلتُ يومها.
* * *
في التوقيت نفسه، كان والتر، المستلقي على سريره مثل غريس، يشعر فجأةً بأنه يُسحب إلى نومٍ عميق. كان حلمًا، ومع ذلك، أدرك أنه يجب أن يستيقظ.
لكن مهما كان هو، لم يكن ذلك سهلًا.
في حلمٍ لزجٍ كالمستنقع، كان طفلًا عاجزًا. الدوق السابق لريتشموند، الذي يشبه والده كثيرًا، كان ينظر إليه مبتسمًا.
يا صاحب السمو، ابتداءً من الآن، عليك أن تعيش باسم والتر. تصرّف كأنك دوق ريتشموند الشاب، وأخفِ نفسك. هكذا فقط ستنجو.
ابتسم بعينين سوداويين منحنِيَتين، لكن الدموع كانت معلّقة عند أطرافهما.
صرخ والتر بكل ما أوتي من قوة.
صرخ أنه مجنون. كيف استطاع أن ينظر إلى ابنه الذي يحترق بدلًا عنه؟ بأي عقلٍ فعل ذلك؟ أحقًا لم يكن هناك طريقٌ آخر غير هذا الطريق اللعين؟!
نظر إليه الدوق السابق بقلقٍ بالغ، ثم قال وكأنه استسلم:
— إن كان إخفاء نفسك صعبًا، فالأفضل أن تقلّل كلامك قدر الإمكان.
— ……
— أرجوك، عشْ، وأنقذ جلالة الإمبراطور، وعد إلى مكانك الأصلي.
بعد تلك الكلمات، تراجع الدوق خطوةً وانحنى له بعمق. ثم استدار. اقترب طفلٌ صغير وامرأة تقف منتصبة الظهر، بوجوهٍ حزينة، وابتعد الثلاثة معًا داخل ظلامٍ كثيف.
نادى والتر عليهم حتى بحّ صوته، لكنهم لم يعودوا أبدًا.
لم يكن قتل الشخصية أمرًا سهلًا. لذلك قلّل كلامه إلى أقصى حد، وتصرف كأنه «والتر» قدر الإمكان، حتى جاء يومٌ بدأ فيه يختلط عليه الأمر.
من أنا؟
وحينما كان يتذكّر بكاء إليزا المرير، كان يشعر وكأنه في قلب جحيم.
لا، بل كان يحترق بالفعل.
وجد نفسه ممدّدًا على أرضٍ سوداء محترقة. دخانٌ خانق يملأ السماء، وسخامٌ أسود يملأ رئتيه.
وفي لحظةٍ تمنى فيها لو يهطل مطرٌ بارد يطفئ كل شيء
— لقد كنتَ منذ زمنٍ بعيد بوصلتي… ومرساتي.
انسكب صوتٌ أنيق كالمطر فوق اللهيب.
— بفضلك، استطعتُ أن أتحمّل.
كذبةً أو معجزة، انطفأت النيران التي كانت تلتف حول والتر. عندها فقط أطلق زفيرًا خشنًا. وظهرت أمامه امرأة تشبه الخُضرة الطازجة.
كانت غريس تنظر إليه بعينين ثابتتين، ثم قالت بهدوء:
— انهض.
مع همستها كنسيم، تلاشت الحرارة والرماد والسخام كأنها لم تكن. وفي اللحظة التالية، انساب من بين شفتيها الورديتين اسمٌ كان قد فقده.
— آريس.
فتح والتر عينيه فجأة.
بين الحلم والواقع، كان يلهث فقط، حين وصل إلى أذنه الصوت ذاته مجددًا.
— آريس.
حدّق في الفراغ بذهول، ثم غطّى عينيه بيده وبدأ يضحك بخفوت. ضحكٌ جافّ، حادّ، كريح شتوية قارسة. ثم، وكأن شيئًا لم يكن، تمالك نفسه، ومسح وجهه بخشونة وتمتم بحدّة:
«يا له من حلمٍ غريب.»
نهض ببطء، واتجهت عيناه إلى الباب الذي تقيم خلفه غريس.
في الظلام الدامس، تراءت له صورتها كطيف. شعرها الذهبي اللامع، جبهتها البيضاء المستديرة، حاجباها الذهبيان، عيناها الكبيرتان بلون الخُضرة، وغمازتها الغائرة في وجنتها النحيلة.
اسودّت نظرة والتر حتى بدت كهاوية.
«قلتِ إنكِ تحمّلتِ لأنني كنتُ موجودًا؟»
هزّته تلك الكلمات بعنف.
«وأنني كنتُ بوصلتك… ومرساتك؟»
نهض واتجه إلى الباب. وعندما وقف أمامه، أسند جبهته إليه.
نعم. الآن فقط فهم لماذا كانت مختلفة.
غريس كانت ترى حقيقته، خلف قناعٍ مثقلٍ بالذنب. القناع الذي اضطر لارتدائه كي ينجو، كان ملوّثًا بالشعور بالذنب. كان عطشانا دائمًا، مختنقًا كمن حُشر في صندوقٍ ضيّق بلا هواء.
في اللحظة التي ارتسمت فيها عيناها بوضوح في ذهنه، بدأ القناع الذي يغلّفه يتصدّع. قطعةً قطعة، حتى انهار أخيرًا. وفي تلك اللحظة، بدأ ضوء الفجر الشاحب يتسرّب من النافذة.
وسط عالمٍ بدأ يستعيد نوره، ابتسم والتر دون أن يشعر.
* * *
في تلك الليلة، لم تنم فلورا جيدًا.
لم يستطع النوم أن يأتيها بسبب والتر. الهيبة التي تشع من جسده العريض، نظرته الثابتة، ملامحه المنحوتة بإتقان، صوته المنخفض الذي يخدش القلب.
كل الرجال الذين تقدموا لخطبتها سابقًا كان ينقصهم شيء. إن كان الشكل حسنًا، فالشخصية خفيفة. وإن كانت الشخصية جيدة، فالنسب أو المظهر لا يرضيها.
أما والتر… فكان كاملًا.
وحين تخيّلت صورته وهو ينظر إليها بعينين مفعمتين بالود، اجتاحها نشوة لم تختبر مثلها من قبل.
ضغطت فلورا على قلبها الخافق وقالت بحزم:
«سأكون دوقةً مثالية.»
دوقة ريتشموند.
فلورا ريتشموند.
كلما نطقت الاسم، ازداد يقينها أنه قدرها.
هي الابنة الوحيدة لعائلة لُوين، أقرب العائلات إلى مركيز لينكو. والمركيز وزوجته يعاملانها كابنتهما. عائلة لُوين تقيم في قلعة ريتشموند منذ خمس سنوات. بالنسبة لفلورا، القلعة كانت بيتها. سيدات وشبان الشمال الغربي، الذين سيقودون المجتمع لاحقًا، يجلّونها تبجيلًا.
لذلك، فإن السيطرة على القصر الداخلي لريتشموند لن تكون صعبة عليها.
نهضت فلورا قبل بزوغ الفجر، واستدعت الخادمات. كانت وجوههن شاحبة على غير العادة، لكنها لم تُعر الأمر اهتمامًا.
«اذهبن وأحضرن كتاب قواعد دوقية ريتشموند.»
كان الكتاب سميكًا لدرجة تبعث على التنهد. قلّبت فلورا صفحاته الأولى بفتور، ثم سألت وهي تعبث بالأوراق:
«وما حال تلك المرأة؟ هل تعرف أصلًا كيف تتعامل مع أدوات المائدة؟»
كان طبقٌ رئيسي واحد مع أدوات مائدة كاملة فكرة فلورا نفسها.
ابتسمت الخادمات ابتسامةً متصلّبة، وهنّ يرتجفن قليلًا، ثم أجبن:
«هي… تعرفها على أي حال.»
«لكنها بدت متكلّفة.»
زمّت فلورا شفتيها بعدم رضا.
«لابد أنها تعلّمتها على عجل. مضحك حقًا.»
«آه… نعم، فعلًا…»
«هل كانت ترتدي مجوهرات أو فساتين فاخرة؟»
«لم يكن لديها حُليّ تُذكر، والفستان كان عاديًا…»
ارتسمت ابتسامةٌ أخرى على شفتي فلورا.
«أحضِرن الفساتين والمجوهرات التي اشتريتها هذه المرة.»
«نعم، آنستي.»
وبينما كانت فلورا منهمكة في التزيّن، وصلها نداء غير متوقّع.
كانت المركيزة تطلب حضورها.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 26"