ما إن فتح الباب، حتى شعر كأنه دخل غابةً نديّة. اندفعت نحوه رائحة منعشة كالماء المتدفق، فبدت كأنها تمحو، ولو لوهلة، رائحة الدم الكثيف والعفن العالق به.
أغلق الباب، وتوقّف واقفًا بلا حراك. عندها التفتت غريس إليه. كانت تقف أمام ضوء الموقد المحمّر كأن وهج النار يشكّل لها هالة، وعيناها الخضراوان الشفافتان، وقد غمرهما دفء الضوء، تحدّقان فيه بهدوء.
«يا صاحب السمو.»
نداءٌ لطيف إلى حدّ جعل أطراف أصابعه تشعر بالحكّة.
اتكأ والتر بظهره إلى الباب، وأطلق ضحكة أشبه بزفرة.
لماذا كلّ شيء يحاول زعزعتي هكذا؟
مرّر يده بخشونة على وجهه. صورة إليزا، التي بدت كأنها شظية من مملكةٍ ساقطة، نبشت ذكريات الماضي وانتزعت عنه قناعه. والقناع، متى سقط، لم يكن سهلًا أن يعود.
كان الجنود الذين رابطوا عند جدار الموت يلقّبون والتر سرًا بـ«الدوق الحديدي الدم». هالة قتلٍ عارمة تنفلت منه بلا قيود، يقابلها وجه جامد بلا إحساس. حيثما مرّ، تراكمت جثث الوحوش كالجبال، وسال دمها كالأنهار.
وحين يفرغ ما في داخله من جنون، كان الدوق ينزوي في غرفته أيامًا متتالية. وبعد ذلك فقط، يعود مرتديًا قناع العقل، بملامح نظيفة وهادئة.
كان والتر يكره أن يقترب منه أحد إلى أن يستعيد توازنه تمامًا. لذلك، حتى الآن، كان ينوي ألا يسمح بدخول أحد، حتى جوزيف، إلى ما لا يقل عن صباح الغد.
«جئتُ لأن لديّ ما أود قوله.»
شرحت غريس سبب مجيئها بهدوء. أطلق والتر زفرة بالكاد تُسمع، ثم فتح الباب فجأة.
«يا، يا صاحب السمو!»
كان المتجسّس الذي أمسك جوزيف بقفاه قبل لحظات يناديه بوجه يائس. بدا له أن الدوق أقل رعبًا من جوزيف ليكستن الخشن. لكن ذلك الأمل الساذج تحطّم إلى شظايا في اللحظة التي اندفع فيها وجهٌ شيطاني إلى أمامه.
أمسك والتر بقفا المتجسّس ببطء وقال بصوت منخفض:
«لا تفتح فمك. اسمع فقط.»
«……»
«ثلاثة في الرواق الأيمن، واثنان في الأيسر، وأنتَ. ستةٌ بالمجموع.»
«!!»
«إن وقعتَ في عيني مرة أخرى، فسأعلّقك من عنقك.»
«يا صا…»
«قلتُ لا تفتح فمك.»
«كـ… كح.»
كان والتر يضغط على عنقه بقوة، ثم شعر بالضوء خلفه، فخفّف قبضته. تراجع المتجسّس مترنحًا بوجه شاحب، لكن جوزيف سدّ طريقه بساقه.
«سأكمل إسكات فمه مرة أخرى.»
لم يجب والتر. عاد إلى الغرفة وأغلق الباب.
كانت غريس تقف باستقامة، تنظر إليه بصمت. على عكسه، الذي تحوّل إلى وحشٍ كي ينجو، بدت هي هادئة إلى حدّ يثير الاستغراب، حتى بعد أن رأت ذلك المشهد.
عيناها، بلون العنب الأخضر، صافيتان. ذلك الصفاء الغريب لمس شيئًا ما في داخله. سألها بصوتٍ مشوّه:
«كيف… كيف تستطيعين أن تكوني هادئة إلى هذا الحد؟»
فكّ زرّ قميصه الذي كان يخنق عنقه، وتقدّم نحوها باندفاع مخيف. ومع ذلك، لم تتراجع غريس خطوة واحدة. كان مختلفًا تمامًا عن صورته العاقلة التي اعتادتها، لكن وجهها لم يحمل ذرة اضطراب.
توقّف على بُعد خطوة واحدة، وحدّق فيها بنظرةٍ كأنه سيلتهمها.
«قولي لي يا غريس. كيف لكِ أن تكوني هادئة هكذا؟»
«هل أبدو هادئة؟»
«……»
«أم أنك تسأل كيف استطعتُ أن أتحمّل دون أن أجنّ حتى الآن؟»
حين صمت والتر، فتحت غريس عينيها على اتساعهما وحدّقت فيه كأنها تتحدّاه، وهمست:
«لأنك كنتَ حيًّا.»
حبس والتر أنفاسه دون وعي.
«كانت هناك لحظات أردتُ فيها أن أنهار. ولحظات أخرى أردتُ فيها أن أُضرم النار في أسِرّة أولئك الذين يدمّرون تايلور. حتى في ذلك الوقت… حين وقفتُ في المصلى إلى جانب ابن أخت الإمبراطورة، قاتلة والديّ. حين علّقتُ على عنقي القلادة التي أرسلوها كهدية.»
لا، منذ أن بدأوا يذكرون جاك ساكسن بوصفه شريك زواج، كان الغضب يغلي كأنه يذيب أحشائي.
«حتى في تلك اللحظات، كنتُ أتمسّك بتلك الكلمات.»
«……»
«أنتَ حيّ.»
رجل لم ترَ وجهه بوضوح قط، ولم تتبادل معه كلمة واحدة.
ومع ذلك، كانت تشعر بوجوده دائمًا. مجرد معرفتها أن شخصًا ما، يخفي نفسه ويكافح لهدفٍ واحد معها، كان عزاءً كافيًا.
يوم تلتقيه، كان عليها أن تكون شخصًا يُعتمد عليه في هذه المعركة. لم يكن مسموحًا لها أن تبقى مجرد كائن مثير للشفقة لا نفع له.
«كنتَ منذ زمنٍ طويل بوصلتي… ومرساتي.»
«……»
«بفضلك، استطعتُ أن أتحمّل.»
تراقص لهب في عيني غريس. لو عرف كم من المشاعر احتضنتها طوال تلك السنوات وهي تنتظره، لما سألها هذا السؤال.
«لذلك… تحمّل أنتَ أيضًا.»
حين أفرغت كلماتها المكبوتة، بدا أن هياجه بدأ يخمد. خفّضت غريس صوتها أكثر:
«ما أريده ليس مجرد قتل الأعداء. أريد تايلور، ركيزة الإمبراطورية وحقولها الذهبية. أريد استعادة الاسم، ومواصلة مجد أسلافي. ولكي يتحقق ذلك، يجب أن تكون أنتَ، يا صاحب السمو، حاكمًا يستحق ولائي.»
فهم والتر ما تعنيه.
«وثقتُ بك وتحملتُ حتى الآن. فلا تخذلني.»
تلاقت النظرات في عمقٍ سحيق.
أدركت غريس ببطء أن السواد يمكن أن يكون أعمق وأكثر تنوّعًا مما ظنّت. العيون التي كانت تتّقد كالنار هدأت تدريجيًا، حتى صارت سوداء صلبة كالأوبسيديان.
ولسببٍ لا تعرفه أو لعلّه مجرد عادة انفلتت منها ضحكة خفيفة كهواءٍ يتسرّب. حدّق بها بدهشة، ثم ضحك هو أيضًا بالطريقة نفسها.
«هَه.»
خرج من بين شفتيه صوت أقرب إلى زفرة.
وبما أن الأجواء انفرجت قليلًا، شدّت غريس الشال حول كتفيها وتطرّقت إلى سبب مجيئها.
«أظن أن الزوجين المركيزيين سيلتقطان الطُعم قريبًا… أنا.»
تقدّم والتر نحو الموقد الذي كاد يخبو، وألقى فيه حطبًا.
قصّت غريس عليه ما فعلته الخادمتان، وكيف أمرت جيسي بتتبّعهما. عندها، طُرق الباب طرقًا خفيفًا، وارتفع صوت جيسي من الخارج.
«آنستي، جيسي.»
التفتت غريس إلى والتر طالبة الإذن.
«هل تسمح بأن تدخل؟»
بدل أن يجيبها، قال والتر باتجاه الباب:
«ادخلي.»
دخلت جيسي بعد قليل، وعلى وجهها انزعاج غامض. نظرت إلى غريس ثم إلى والتر، وقالت:
«تمكنتُ بالكاد من اللحاق بهما، لكن كان هناك من يراقب الخادمتين سرًا غيري.»
«وماذا حدث؟»
«حين مرّتا في ممر خالٍ من الناس، ظهر أولئك من الخلف وسحبوهن إلى إحدى الغرف.»
تضيّقت عينا غريس ووالتر في آنٍ واحد.
«سُحبن إلى غرفة؟»
«كان هناك من يراقب بالخارج، فلم أستطع الاقتراب. لستُ متأكدة، لكن…»
ترددت جيسي، ثم أسرعت تضيف حين رأت نظرة والتر الحادّة:
«ربما تعرّضن للضرب… سمعتُ صرخة خافتة للحظة.»
سقط صمتٌ ثقيل فوق رؤوس الثلاثة.
* * *
كانت أحيانًا تتخيّل ذلك.
لو أمكنها رؤية المستقبل، أو العودة إلى الماضي.
لكنها كانت مجرد تخيّلات. ما تملكه حقًا هو تحديد الهدف، جمع المعلومات، التنبؤ… ثم التحرك.
عادت غريس إلى غرفة الثريّا، وجلست إلى مكتبها كما اعتادت.
«الخادمتان اللتان أعدّتا لي العشاء تعرّضتا للاحتجاز والضرب داخل القصر…»
كان واضحًا أن زوجي لينكو يحيكان أمرًا ما. لكن بهذه المعطيات وحدها، لم يكن من السهل التنبؤ.
غاصت غريس في التفكير أعمق. راجعت الخطة الكبرى، أعادت ترتيب الخطوات، وقدّرت التوقيت. ثم رفعت رأسها فجأة، فرأت انعكاسها في المرآة الموضوعة عند طرف المكتب. وبينما كانت تحدّق فيها، تذكّرت كلماته.
«قلتُ إنني أبدو هادئة…؟»
مرّرت يدها ببطء على وجهها، ثم حاولت أن تبتسم. ارتسمت تلقائيًا تلك الابتسامة الأنيقة الغامضة التي لا تكشف ما في الداخل. رمشت قليلًا، ثم حاولت أن تصنع تعبيرًا حزينًا.
«……»
لكنها لم تستطع. حاولت أن تعبس، ففشلت أيضًا. حدّقت طويلًا في المرآة، تحاول وجوهًا مختلفة، بلا جدوى.
عندها فقط أدركت أنها نسيت كل التعابير، ولم يبقَ لها سوى ذلك الوجه الهادئ الوديع.
هزّت رأسها بخفة وتمتمت:
«بل هذا أفضل.»
اضطراب المشاعر نقطة ضعف قاتلة. أن تهزّ قلوب الآخرين بوجهٍ هادئ ومتماسك لا سلاح أقوى من ذلك. ومع ذلك، ضايقها انعكاس وجهها الخالي من الإحساس كدمية، فأدارت المرآة إلى الجانب.
التعليقات لهذا الفصل " 25"