كانت على وجوه الخادمتين اللتين جلبتا الطعام سخريةٌ فجة لا تخطئها العين.
«تتصنّعين أنكِ من كبار النبلاء؟»
ارتفع طرف فم جيسي قليلًا، وفيما كانت تنظر خلف الخادمتين راحت تفكّ مفاصل أصابعها بهدوء.
الخادمتان، اللتان لم تلحظا حركة جيسي، تبادلتا نظرات ذات مغزى فيما بينهما.
قبل قليل، كانت فلورا قد استدعتهما وقالت:
«عليكما أن تخدما تلك المرأة في عشاءها.» «نحن؟ وماذا عن خدمة عشاء الآنسة…؟» «اذهبا واستقصيا أمر تلك المرأة. على فكرة، المرأة التي جاء بها الدوق ليست نبيلة. عاميّة بلا لقب. ومع ذلك تتصنّع النبالة.» «إذًا المرأة التي جاءت معها كخادمة…؟» «لا بد أنه لطف من الدوق. إنه رجل عطوف.»
المرأة التي استولت على غرفة الثريّا دون أن تعرف قدرها لم تكلّف نفسها حتى بنظرة حين وصلوا. يبدو أنها تظن نفسها نبيلة عظيمة الشأن.
اشتدّ بريق العداء في عيون الخادمتين.
لكي تصبح إحداهن خادمة في قصر الدوق، لا يكفي أن تكون عاميّة، بل يجب أن يكون أصلها واضحًا. من البديهي ألّا يكون في عائلتها المباشرة مجرم، كما ينبغي أن تكون أسرتها ميسورة الحال إلى حدّ ما.
خدمة نبلاء من الطبقة الدنيا أمرٌ محتمل، وإن لم يكن مُرضيًا تمامًا، لكنهم نبلاء في النهاية. أما خدمة عاميّة مثلهم، بل عاميّة مشكوك في أصلها، فكان أمرًا مهينًا لا يُحتمل.
في الغرفة كانت هناك مائدة مخصّصة للطعام، لكن الخادمتين دفعتا العربة حتى طاولة العمل.
كان من قواعد الإتيكيت عدم تناول الطعام على طاولة العمل. فباستثناء الشاي الخفيف، لا توضع حتى المأكولات الصغيرة هناك. كان يُدرَّب الخدم على إعداد الطعام بهدوء على مائدة الطعام ثم الانسحاب إذا كان المخدوم منشغلًا. لكن الخادمتين فتحتا أغطية الأطباق أمام طاولة العمل وهما تبتسمان.
«لا بد أنكِ جائعة؟ سنحضّر لكِ الطعام.»
«عادةً ما يتناول النبلاء طعامهم وحدهم. ما لم يكن هناك أمر خاص، فهم يأكلون في غرفهم.»
ثم بدأتا بالترتيب قبل أن يصدر أي إذن من غريس.
لم تنظّفا الطاولة، ولم تضعا مفرشًا. وضعن أمام غريس طبقًا ضخمًا أكثر من اللازم، وفي وسطه قطعة لحم واحدة بحجم كفّ طفل. كان اللحم محترقًا حتى السواد ويبدو قاسيًا.
ثم رتّبن أدوات المائدة على الطاولة التي لم تُمسح أصلًا، كما لو كانت عرضًا. وعلى عكس اللحم الذي يفتقر لأي عناية، انتشرت خمس سكاكين وخمس شوكات وملعقتان حول الطبق الكبير.
وأخيرًا، وضعن كأس شمبانيا وسكبن فيه ماءً.
بعد هذا الترتيب العبثي، ابتسمت الخادمتان وحدّقتا في غريس.
مهما تظاهرت بالأناقة، لا بد أنها تجهل آداب المائدة. ستشرب الماء كما لو كان شمبانيا، وستستخدم شوكة وسكينًا لا تناسبان اللحم، ثم تُكثر من الملح والفلفل. إن بصقت اللقمة كان المشهد مضحكًا، وإن ابتلعتها كان أضحك.
كانتا تنويان مراقبة ذلك جيدًا، ثم إخبار فلورا بكل شيء.
لكن غريس، التي كانت جالسة باستقامة تنظر إلى الطاولة، رفعت عينيها ونظرت إليهما.
«……»
حين استقرت النظرة الخضراء عليهما، شعرتا بإحساس غريب. اختفت الابتسامة من وجهيهما في لحظة.
ثم فتحت غريس فمها أخيرًا.
«من أمركما أن تفعلا هذا؟»
«…ماذا؟»
سألت إحداهما بتأخر وقد فوجئت.
لكن غريس لم تُعد السؤال. اتكأت إلى ظهر الكرسي وقالت بهدوء:
«سأمنحكما فرصة أخرى.»
«……؟»
«أصلِحا الخطأ الآن. ومن الأفضل أن تنظرَا إلى الغرفة كاملة وتُصلحا كل ما هو خاطئ.»
«……»
بدأ صوت أنفاس الخادمتين يعلو تدريجيًا.
حدسهما كان يصرخ بألّا تتحدّيا هذه المرأة، لكن صورة فلورا ومركيزة لينكو الواثقتين حضرت بقوة في أذهانهما.
«تلك المرأة ستُطرد حتمًا. نظرة الدوق إليّ لم تكن عادية.»
مع صوت فلورا، تبدّد الخوف الغامض الذي انتابهما قبل قليل. أعادت إحدى الخادمتين رسم ابتسامة لطيفة وقالت بنبرة ناعمة:
«هذه غرفة الثريّا، حيث أقامت زوجات الدوق عبر الأجيال. فما الذي لا يروق لكِ؟»
«أو هل اللحم صغير برأيكِ؟ عادةً السيدات النبيلات يتركن حتى هذا القدر. فالرغبة في الأكل كثيرًا تُعدّ… تصرّفًا وضيعًا. أعني، من عادات الفقراء؟»
في محاولتهما تحقيرها بأي وسيلة، تداخلت صورة دوق ودوقة تايلر في ذهن غريس. شعرت بالاشمئزاز والملل حتى العظم.
لم ترغب في مجادلتهما، ولم تكن بحاجة إلى ذلك.
رفعت غريس السكين والشوكة الرئيسيتين بدقة. وبينما تردّدتا، قطعت اللحم. كانت طريقة إمساكها بالأدوات، حتى أطراف أصابعها، مثالية. قطعت اللحم إلى نصفين تمامًا، ثم وضعت السكين والشوكة وقالت بأمرٍ صريح:
«ارفعيه.»
«……»
ولما لم تتحرّكا، حدّقت فيهما غريس بصمت. في النهاية، لم تجد الخادمتان خيارًا سوى رفع الطبق، دون أن تنجحا في إطعامها ذلك اللحم المغمّس بالملح والفلفل.
وكان واضحًا استياؤهما، فقد كان رفع الأطباق مصحوبًا بحركات صاخبة، وغادرتا دون تحية.
«هؤلاء الوقحات…!»
تمتمت جيسي وهي تطحن أسنانها، لكن غريس كانت قد بدأت بترتيب أفكارها بهدوء.
«هاتان الخادمتان… أليستا نفس من رافقاني مع الدوق إلى غرفة الثريّا؟»
«نعم، هما.»
خادمتان، لا وصيفتان، تتجرآن على إهانة عشيقة الدوق التي تقيم في غرفة الثريّا—أمر لا يمكن أن يحدث دون سند قوي ومعلومات واثقة.
«راقبيهما سرًّا.»
«فقط المراقبة؟»
«إلى أين تذهبان، ومن تقابلان.»
«مفهوم.»
* * *
حين خرجت الخادمتان إلى الرواق، فزعتا قليلًا عند رؤية جوزيف مستندًا إلى الجدار. كما يتأثر الأطفال بآبائهم، يتأثر الخدم أيضًا بسادتهم.
في ظل الاحتقار المستمر لعائلات الفرسان، لم تُلقِ الخادمتان حتى تحية لائقة على جوزيف. اكتفيتا بإيماءة بالكاد تُرى، ثم ابتعدتا وهما تنظران إلى الباب بنفور.
بعد قليل، خرجت جيسي من الغرفة، فتمتم لها جوزيف بهدوء:
«ذهبتا من ذلك الاتجاه.»
«شكرًا.»
ابتسامة جيسي اتسعت عند سماع كلماته.
«يبدو أنكَ أيضًا منزعج، أيها الفارس؟»
«كانتا وقحتين.»
وقف جوزيف بهدوء، ثم نظر من النافذة.
الظلام كان قد طرد الشفق، وصبغ العالم بالسواد. وفي ذلك السواد، كان هناك رجل يشق طريقه.
حتى دون أن يراه، كان واضحًا كم كانت هالة والتر وهو يقترب من المبنى الرئيسي كثيفة ومظلمة. أحيانًا نادرة، كان والتر ينزع قناعه. وفي تلك اللحظات، كان القشعريرة تسري حتى في ظهر جوزيف، الذي يزعم أنه خبر كل تقلبات الحياة. فمجرد كونه قادرًا على إخفاء تلك الهالة العنيفة والمتوحشة كان بحد ذاته أشبه بالجنون.
لكن أمرًا واحدًا كان مؤكدًا: لولا هذا القدر من الجنون، لكان والتر قد ذُبح على يد الوحوش منذ زمن. بل ولم يكن ليعود ومعه كل الفرسان سالمين.
فرسان ريتشموند كانوا مستعدين لاقتحام القصر الإمبراطوري فورًا إن أمرهم. يطيعونه دون تردّد. طوال عشر سنوات، لم يُخيب والتر ظنهم مرة واحدة.
ومع ذلك، كان جوزيف يقلق عليه أحيانًا. ذلك الجنون المكبوت… كيف سيتحرّر؟ وهل يمكن أن يتحرّر أصلًا؟
تنفّس جوزيف بعمق، ثم طرد خادمًا كان يحاول التلصص قرب غرفة الثريّا.
«إن عدتَ لتُلصق أذنك هنا مرة أخرى، سأجعلك تعيش بأذن واحدة مدى الحياة. مفهوم؟»
«آه… نـ نعم!»
* * *
الظلام الذي هبط كضباب مائي لم يكن عائقًا لوالتر.
كما تقول الحكمة القديمة: ما لم يقتلك، يجعلك أقوى. لقد ازداد قوة وهو يلتهم الألم.
بمواجهة ما لا يُرى، تعلّم قراءة أدقّ الحركات، وصار قادرًا على الحفاظ على وعيه أيامًا دون نوم. أولئك الذين يتشبّثون بثروتهم ومكانتهم داخل هذا القصر المريح لا يعرفون ذلك. ولهذا أرسلوا أولئك المراقبين التافهين ليتجسسوا عليه.
كان والتر يعلم أن عدد من يراقبونه هو ستة بالضبط.
برزت عروق يده. راوده اندفاع عنيف ليجذبهم من أعناقهم ويمزقهم إربًا، كما فعل مع الوحوش عند جدار الموت. أراد أن يفرغ الجنون المتراكم دفعة واحدة.
حبس أنفاسه، وخاطب نفسه:
اصبر. الآن وقت الصبر.
شعر وكأنه يبتلع نارًا عظيمة.
لا يدري كيف وصل إلى داخل القصر، لكنه وجد نفسه يصعد الدرج. وحين رأى انعكاس صورته في النافذة الكبيرة عند الاستراحة، تذكّر الوحش.
عروق زرقاء نافرة عند عنقه، ولهيب يتراقص في عينيه السوداوين. كمن حاول صيد وحش فانقلب وحشًا، كان الوحش في داخله قد استيقظ، مستعدًا للانقضاض في أي لحظة.
عند باب غرفة نومه، انزلق بصره إلى غرفة الثريّا المجاورة. وقف هناك لحظة، ثم ترك لجوزيف أمر التصرّف، وفتح باب غرفة نومه بهدوء.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 24"