اعتدل المركيز في جلسته وأومأ برأسه مشيرًا لها أن تتابع.
«إن ثبت أن تلك المرأة من (اللامرئيّين)، فبإمكانك حينها وضع حكم الدوق موضع تشكيك. كيف لمن سلّم غرفة زوجة الدوق لعدو قتل والديه أن يحكم ريتشموند؟»
«لكننا لا نعرف هويتها الحقيقية على وجه الدقة.»
«حين زرنا الدوق قبل قليل، تعمّدتُ استفزازه، ولم يذكر لقبها. برأيك لماذا؟»
«لأنها ممن يصعب ذكر ألقابهم؟»
«وفي إمبراطورية ديكان، أين يتجمع من يصعب عليهم ذكر ألقابهم؟ أليست قرى الهاربين قرب جدار الموت؟»
راح المركيز يمسّد ذقنه ببطء.
«همم… كنت أتساءل أين التقى الدوق بها، لكن إن كان هناك… فالأمر منطقي فعلًا. ولكن ماذا لو أثبتت هويتها بوضوح؟»
«علينا أن نمنع ذلك، بوضع شبكة أمان مسبقًا.»
«وكيف؟»
مالت المركيزة نحوه وهمست:
«أولًا، أرسل صقرًا إلى جلالة الإمبراطورة. علينا أن نلمّح بأن (اللامرئيّين) سيظهرون في ريتشموند لفترة قصيرة ثم يختفون. وبعدها، جهّز مسبقًا الأشخاص الذين سأذكرهم.»
«حسنًا، مفهوم. لكن كيف سنُلصق التهمة بتلك المرأة؟ يجب أن يتم الأمر بإحكام.»
ابتسمت المركيزة ابتسامة قاسية.
«الداخلية في بيت ريتشموند تحت كفّي.»
لمع بريق عينيها بوحشية.
«خادمتان تكفيان. وقد اخترتُ بالفعل اثنتين مناسبتين تمامًا.»
* * *
في تلك الأثناء، كانت غريس تقرأ المستندات التي أحضرها إريك.
«هل أنتِ راضية؟»
رفعت غريس نظرها إليه بدهشة وهي تعيد تدقيق نسب الأرباح.
«إريك، لا ينبغي أن تسأل إن كنتُ راضية. بهذه الأرباح، عليك أن تطلب مكافأة.»
«وإن طلبتُ، هل ستمنحينني أي شيء؟»
«بالطبع. هذا نتاج عملك.»
«بل تنفيذًا لأوامركِ.»
ابتسمت غريس بخفّة وأعادت نظرها إلى الأوراق.
المال الأعمى، ملك لمن يمدّ يده أولًا.
الإمبراطورة، ومعها عدد لا يُحصى من نبلاء العاصمة، كانوا يتعاملون مع أموال بيت تايلور كمالٍ أعمى. وكان ذلك طبيعيًا، فالدوق الحالي لتايلور نفسه كان يتعامل مع ثروة العائلة على هذا النحو. كان يتمسّك بخاتم ختم تايلور كما لو كان حياته، لكنه يتصرّف في أموال العائلة وكأن عليه إنفاقها بأسرع ما يمكن، وكأن الطرد يتهدّده في أي لحظة.
«غريس! وقّعي كل هذه الأوراق وأرسليها.» «دعني أراجعها أولًا…» «أنا من قرّر كل ذلك! كيف تجرؤين على المراجعة؟! إلى أي حدّ تحتقرينني؟!» «……» «كفّي عن الثرثرة ووقّعي فورًا! مفهوم؟!»
الثقة، والسمعة، والثروة التي راكمها دوقات تايلور عبر أجيال، اهتزّت والتوت كما لو أصابها زلزال.
لم يكن مسموحًا لها أن تموت مختنقة تحت أنقاض كارثة مفاجئة. عندها قرّرت غريس استخدام المال الأعمى لتايلور ضدهم.
وكان أحد تلك الأساليب أن تسحب المال بنفسها. فالدوق الحالي لا يعرف أصلًا شكل الوثائق، ولا يهتم. عهدت غريس بجزء من تلك الأموال إلى إريك، فقام بتوسيع القافلة التجارية بها.
أعادت إليه المستندات وقالت:
«أحسنت. نصف صافي الربح هذه المرّة لك، تصرّف به كما تشاء.»
تعتمق بريق عيني إريك عند سماعها.
في ذلك الوقت الذي لقي فيه خدم بيت تايلور نهايات غامضة، قُتل أيضًا والده الفيكونت نايبير السابق. وبينما كان تائهًا بعد فقدانه المفاجئ، ظهرت أمامه تلك الطفلة، وأمرته وكأنها سيّدة:
«كفّ عن البكاء وانهض. انتقم أولًا ممن قتل أباك وأبي، ثم ابكِ كما تشاء.»
أمرتْه بتأسيس قافلة تجارية وتكثير المال.
لم يكونا يلتقيان كثيرًا. وحتى هذه المرّة، كان لقاؤهما الأول منذ قرابة عام.
السيدة الصغيرة كانت تكبر كلما رآها. ذقنها صار أدقّ، ونظرتها أعمق. وكما تعمّق بريق عينيها، تعمّق قلبه هو أيضًا.
كانت غريس تمنحه مكافآت كلما حقق أرباحًا، لكن المكافأة الحقيقية بالنسبة له لم تكن المال.
«إريك؟»
لمّا لم يُجب، مالت غريس برأسها وعيناها تتسعان باستغراب.
ابتسم إريك بأجمل ما يستطيع. انحنت عيناه الطويلتان، وظهر جزء من أسنانه البيضاء بين شفتيه الملتويتين تلك الابتسامة التي كانت سيدات النبل يتوقن لرؤيتها بأي ثمن.
عادةً، كانت تلك الابتسامة كفيلة بإحمرار الوجوه أو سلب العقول. لكن سيّدته وحدها، التي امتلكته حقًا، ظلّ وجهها هادئًا إلى حدّ القسوة.
«غير كافٍ؟»
سألها إريك، وقد شعر ببرودة تزحف إلى صدره.
«لماذا تصرّين دائمًا على إعطائي نسبة ثابتة من المال؟»
«لأنه مال جُمع برأسمالي وجهدك. من الطبيعي أن نقتسمه.»
«أنا رجلُكِ، يا سيدتي.»
أي إن جهدي لكِ أيضًا.
ثقة مطلقة. أحيانًا، كان يتخيّل لو أن كل من يحيط بغريس اختفى، ولم يبقَ سواه. حتى لو كان ذلك بالطريقة، أراد أن يكون عالمها كلّه.
«أنا أثق بك. كل ما أريده هو تقدير جهدك.»
تلاشت أفكاره الوحشية كغبار. دفء يشبه السراب انتشر فوق صدره الذي كان قد برد، وفجأة سُمِع صوت جيسي:
«يبدو أنكِ يجب أن تذهبي الآن!»
أومأت غريس بخفّة، فأعاد إريك ترتيب أوراقه ثم أخبرها بما لم يسعفه الوقت لقوله:
«وصيفة المركيزة طلبت معلومات عن هويتك.»
في تلك اللحظة، شعرت غريس بصاعقة تسري على طول عمودها الفقري.
«كانوا يشكّون أنكِ عاميّة لا تستطيعين ذكر لقبك. أخبرتهم أن معرفة التفاصيل ستستغرق ثلاثة أشهر، ولمّحتُ إلى احتمال أنكِ من قرى الهاربين قرب جدار الموت.»
ارتسمت ابتسامة على شفتي غريس.
«أحسنت. عملٌ جيّد.»
«سأبلغك فور وصول أي أخبار أخرى.»
انحنت عينا إريك الحمراوان كقمرٍ مائل. استدار ليغادر، ثم توقّف لحظة وسأل السؤال الذي ظلّ يدور في ذهنه:
«علاقتكِ بدوق ريتشموند… تنتهي حين تستعيدين تايلر، أليس كذلك؟»
«بالطبع.»
جاءه الجواب خفيفًا وفوريًا. لم يتردّد بعدها، وغادر الغرفة. وعلى عكس ما ظنّ والتر، لم يكن إريك قد أخطأ في التعرّف عليه. لقد رأى المشهد حين دخلت غريس القصر بين ذراعيه.
«اذهب بسلام. سنلتقي قريبًا.»
«نعم. اعتني بها جيدًا.»
«قلقك في غير محلّه.»
بعد تحية مقتضبة لجيسي، رفض إريك عرض جوزيف بمرافقته، ثم اختفى بخفّة وسرعة جعلت جوزيف نفسه يُعجب.
هزّ جوزيف كتفيه متذمّرًا.
«أي نوع من التدريب تلقيتموه أنتم؟»
أجابت جيسي بلا مبالاة وهي تراقب الرواق:
«تدريب الصيّادين.»
«صيّادين؟»
ابتسمت جيسي بخبث.
«نظلّ صامتين… ثم نعضّ فجأة.»
«……»
بينما كان جوزيف يعبس، ظهرت خادمتان في الرواق نفس الخادمتين اللتين رافقتا غريس إلى غرفة الثريّا.
كانتا تدفعان عربة عليها أطباق مغطّاة بقباب معدنية. رائحة الطعام تنبعث منها يبدو أنه العشاء.
التعليقات لهذا الفصل " 23"