انخفضت زاوية فم الرجل الحمراء، التي كانت مائلة إلى أعلى، ببطء. وبينما كان يضيّق عينيه ويفتح فمه ليتكلم
انفتح الباب المؤدي إلى الرواق برفق، فشقّ حدّة الهواء المتوتر داخل الغرفة.
استدار والتر والرجل في آنٍ واحد.
«……»
اتسعت العينان المستديرتان، الطريّتان كعناقيد العنب الطازج، قليلًا، ثم سرعان ما عادتا إلى هدوئهما. ذلك التغيّر الطفيف وحده كان كافيًا لأن يتيقّن والتر أن الرجل الذي أمامه هو من استدعته غريس.
انتقلت نظرة غريس إلى الرجل. ومن جوارها، سُمِع ضحك خافت من جيسي.
استدار الرجل الذي كان يواجه والتر نحو غريس، ثم اقترب منها بخطوات سريعة. وكلما اقترب، تغيّرت ملامح غريس.
«إريك.»
نادته بصوت ممزوج بابتسامة، فتوقّف إريك على بعد خطوة منها، وابتسم ابتسامة واسعة.
«آنستي.»
عند ذلك النداء الحلو كالعسل، ارتفع حاجبا جوزيف فجأة.
ما هذا؟ لماذا كل هؤلاء يبدّلون مواقفهم كقلب الكف؟
أشارت غريس إلى إريك إشارة خفيفة، ثم تقدّمت نحو والتر.
«كان ينبغي أن أخبرك مسبقًا، أعتذر. هذا هو إريك نايبير، فيكون. أحد تابعي بيت تايلور، ويُدير حاليًا قافلة تجارية متخفيًا.»
مع تقديمها، انحنى إريك بأدب شديد، كأن ما سبق لم يكن.
«تشرفت بلقائك. أنا إريك نايبير. أرجو أن تعذرني على وقاحتي قبل قليل.»
بالطبع، لم يكن والتر يظن أن إريك لم يكن على علم بوجوده.
«وأنا أيضًا ارتكبت وقاحة، فاعذرني. كان حضورًا غير متوقّع.»
«وقاحة؟ لا، أبدًا.»
ومع ذلك، كنتَ تنظر إليّ وكأنك ستُمزّقني، أليس كذلك؟
أطلق والتر ضحكة قصيرة، ثم همّ أن يستدير، لكنه توقّف وسأل غريس:
«كيف كان الأمر؟»
كانت الجملة مبتورة، لكن غريس فهمت المقصود وأجابت فورًا:
«التقيتُ بالسيدة آيزاك، وقد وافقت على المساعدة. السيدة الكبرى ستنهض قريبًا.»
كاد والتر أن يسأل المزيد، ثم عدل عن ذلك. الآن هو الوقت المناسب ليفسح المجال. وغريس أيضًا لم تناده حين عبر الباب.
وحين دخل والتر غرفته واستدار خلفه، رأى من خلال الباب الذي كان يُغلق، إريك وهو ينحني ليقبّل ظاهر يد غريس.
كانت غريس تبتسم ابتسامة مشرقة. ومع تلك الابتسامة، ظهرت غمّازة صغير في الجانب الأيمن من فمها.
أُغلق الباب، فنقر والتر لسانه بخفوت. وقف لحظة يتأمّل الغرفة، ثم، من دون أن يجلس، خرج مباشرة إلى الرواق. لحق به جوزيف على عجل، فقال والتر:
«ابقَ متأهبًا، وساعده على الخروج من دون أن يلحظه أحد.»
«آه… نعم!»
ترك والتر جوزيف خلفه، ومضى بخطوات واسعة.
كان النهار قد تمدّد، والشمس توشك على الاستلقاء.
كان والتر يكره هذا الوقت. اختلاط الألوان الصارخة في طبقات الهواء كان يخنقه.
زاد من طول خطوته. وبعد أن سار طويلًا وهو يواجه ضوء الشمس الأحمر المتوهّج، ظهر أمامه مبنى وحيد، كأنه بقايا دولة ساقطة.
المكان الذي اختبأ فيه ثلاث سنوات بعد تلك الحادثة. كان بالنسبة لوتر سجنًا لا لأنه كان محبوسًا، بل لأنه كان مذنبًا هنا.
مذنب لأنه عاش بدل وريث ريتشموند.
ومذنب لأنه سُلب حتى اسمه.
* * *
كلما رأى الشفق، انقبض صدره؛ لأن الألوان الكثيفة الخانقة تعيد إليه ذكريات خانقة بقدرها.
الضوء الأحمر المتسلل من نوافذ الرواق بدا كثيفًا، لزجًا، كطلاء داكن.
أسرعت السيدة آيزاك، وقد جاءت على عجل، فانحنت باحترام أمام والتر.
«وصلتَ.»
«…مرّ وقت طويل.»
تواجه الاثنان.
خلال فراغ عشر سنوات، تغيّر مستوى النظر بينهما. وبعد لحظة، تجاوزها والتر، فاستدارت آيزاك سريعًا.
لم تكن هناك حاجة للإرشاد.
مع كل درجة يصعدها، كان يشعر كأنه يخطو خطوة أعمق في بحرٍ غائر.
والتر… كم كان ذلك حارًّا، كم كان… والتر…
في اليوم الذي سمع فيه بكاء إليزا المكتوم، أدرك أن البقاء حيًّا قد يكون جريمة.
صاحب السمو وليّ العهد، يجب أن تنجو. عليك أن تنقذ جلالة الإمبراطور وتعود إلى مكانك الأصلي.
لام الدوق السابق الذي أنقذه وتركه خلفه.
توقّف والتر أمام بابٍ ضخمٍ عتيق، كجذع شجرة هرِمة.
وحين فُتح الباب، اندفع هواء بارد تفوح منه رائحة الموت. كان أثاث الغرفة كما هو منذ عشر سنوات حتى مواضعه.
وفي وسط الغرفة، على السرير الضخم، كان جسدٌ هزيل، كأنه كومة ستتلاشى قريبًا. وما إن رآه حتى شعر وكأن الدم في عروقه صار زيتًا يغلي.
أسرعت آيزاك إلى السرير.
«سيدتي الكبرى.»
«……»
«سيدتي، سموّ الدوق قد وصل.»
«……»
«سيدت..»
«يكفي.»
بإشارة من والتر، ترددت آيزاك ثم تراجعت.
اقترب والتر من إليزا. شعر كأن مستنقعًا عميقًا يجذب قدميه، ثم أسند جسده الثقيل إلى الأريكة عند رأس السرير. أرجع رأسه إلى الخلف ونظر إلى السقف وهي هيئة تختلف كثيرًا عن وقفته المتزنة الدائمة، حتى في ساحة القتال.
جلس مترهلًا إلى حدّ يوحي بالاسترخاء، وسقط عنه القناع المنقوش بالهدوء والابتسامة.
«!»
في اللحظة التي سقط فيها القناع، تراجعت آيزاك خطوة دون وعي.
بين فرسان ريتشموند المفعمين بالوحشية، بدا والتر وحده هادئًا لأنه كان يخفي نفسه تمامًا. وحين زال القناع، انكشفت هالة كثيفة وخشنة لا تُقارن بهالة الفرسان.
ارتجفت شفتا آيزاك. زوجها وأبناؤها الثلاثة فرسان، وهي تعرف هالة من نجا.
هل هو شرّ؟ هل هو عطش للقتل؟
لا.
هذا… جنون متراكم، طبقة فوق طبقة، عبر زمنٍ طويل.
«عدتُ.»
«……»
«لماذا أنتِ على هذه الحال؟ بينما أنتِ هكذا، يعجّ قصر ريتشموند بالجرذان.»
ضحك بحدة وهو يتمتم بكسل، فتسلّل العرق البارد على ظهر آيزاك.
«كنتُ أنوي التنظيف فور وصولي. كما فعلوا هم قطع الرأس أولًا.»
لو لم يلتقِ بغريس، لفعل ذلك حقًا. لكانت رائحة الدم الآن تملأ قصر ريتشموند.
حين لم تنهض إليزا، استولى مركيز لينكو على كل شيء. وبرج السلطة المتحجّر لم يكن ليسقط بسهولة، لذا خطّط لتحطيمه كاملًا.
سيتلطّخ ريتشموند بالدم، لكنه لم يرَ خيارًا آخر.
أي رقبة تُقطع أولًا؟ وكيف؟
ربما لكثرة تفكيره في ذلك، أدرك أن الجنون داخله كان يتضخّم بلا كبح. وحتى الآن، حين يرى تلك الجرذان المتقمّصة دور السادة، يثور فيه القتل.
أغمض والتر عينيه، قبض يده ثم بسطها.
حينها، اخترق صوتهـا الناعم ذهنه المضطرب كنسمة:
لا يجوز أن يُغرق ريتشموند بالدم. عندها فقط يمكن استخدام تلك القوة.
فتح والتر عينيه ببطء، واعتدل من اتكائه. بين الأغطية، تناثرت خصلات شعر أبيض فضي. بدا أن السواد قد زال كله. شعر كأن يدًا تعتصر عنقه.
«انهضي.»
«……»
«يجب أن تنهضي، حتى لا تُغرق أرض ريتشموند بالدم. ومعاقبة تابعي ريتشموند ينبغي أن تكون بيدك أنتِ، لا بيدي.»
«……»
لم تُجب إليزا.
فبالنسبة لها، لعلّ الشخص الذي تريد معاقبته أكثر من آل لينكو… هو نفسها.
نهض والتر.
إذ شعر أنه إن بقي هنا أكثر، سيختنق حتى الموت.
* * *
في هذه الأثناء، كانت مركيزة لينكو قد ملت شاي العصر، وأخذت تعيد وتكرّر ما استخرجته من حديثها مع الدوق.
«عامية بلا لقب…»
لم يكن من الحكمة الثقة العمياء، فأرسلت طلبًا سريًا إلى تجّار المعلومات. لكن الردّ كان مخيّبًا.
«قالت القمر الأحمر إن الحصول على معلومات دقيقة عن تلك المرأة سيستغرق ثلاثة أشهر.»
«ثلاثة أشهر؟ طويل جدًّا.»
لا يمكنها الانتظار مكتوفة الأيدي ثلاثة أشهر. حدسها كان يصرخ بأن الوقت الآن هو الأنسب للسيطرة.
«نعم. لكنه أضاف أن حتى العامّة لهم ألقاب، وأن عدم استخدام لقب يرجّح أن والديها مجرمان.»
«والدان مجرمان… قيل إن قرب جدار الموت قرى للهاربين، أليس كذلك؟»
«بلى.»
لقاء بين دوق يخدم قرب جدار الموت، وامرأة من قرى الهاربين.
«همم. كل شيء بات منطقيًا.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 22"