ذلك لأن الشراسة والقتل المتراكمَين في جسد من عاش يواجه الموت يومًا بعد يوم كانا يفيضـان من جوزيف فيغمران المكان. مجرّد تلاقٍ عابر للأعين كان كافيًا ليُقعِد الركب خوفًا.
«أتنوون منعي من أخذ الوثائق التي أمر بها سموّه؟»
تمهّل جوزيف في نطقه، وكأنه يمضغ الكلمات، ثم استدار ببطء.
«هاه؟ أليس كذلك يا مركيز لينكو؟»
«……»
كانت عيناه، المتوحشتان كعيني حيوان مفترس، خاليتين تمامًا من أي ذرة لياقة. حدّق في المركيز لحظة، ثم فجأة انفرجت شفتاه عن ابتسامة مائلة، واختفى بهدوء.
وما إن غاب حتى بدا المكان وكأن إعصارًا مرّ به. ومع أول تنهيدة انطلقت شكاوى الموظفين، وراحوا يلمّون الأوراق المبعثرة وهم يتذمّرون.
«هذا لا يبدو بحثًا عن وثائق!»
«لقد قلبوا المكان عمدًا، لإذلالنا!»
«أيّ مجنون هذا؟!»
وعلى وقع هذا المشهد غير المتوقع، لم يجد المركيز سوى صرير أسنانه من الغيظ. عندها هزّت زوجته رأسها بخفة.
«يبدو أن الدوق أجّل المواجهة معك.»
«حيلٌ سطحية تعلّمها من لا شيء!»
«لا بأس. سأتدخل بنفسي وأستطلع أمر الدوق.»
«أنتِ؟ وماذا ستفعلين؟»
ربتت المركيزة على ذراع زوجها كأنها تطمئنه، ثم استدارت بأناقة، وما إن خرجت من المكتب حتى أصدرت أمرها لإحدى الوصيفات:
«اذهبي وأحضري فلورا.»
* * *
حين وصل جوزيف إلى جناح الدوق، كان والتر جالسًا على الأريكة يقرأ كتابًا.
لم يكن يرتدي درعه الملطّخ بالدم، ولا يحمل سيفًا مضرّجًا، بل كان في ثياب رسمية أنيقة. ومع ذلك، ظلّت هالة السيّد، ووقار المالك الحقيقي، تحيط به.
وقد خطر لجوزيف، وهو يتذكر المركيز الذي لم يفعل سوى الصراخ، كم سيكون رائعًا لو رآه على هذه الحال. ثم قال بانضباط:
«أحضرتُ الوثائق التي أمرتم بها، يا سموّ الدوق.»
وضع والتر الكتاب جانبًا ومدّ يده. سلّمه جوزيف الأوراق فورًا، فاعتدل والتر عن الأريكة وراح يتصفّحها بسرعة.
ألقى جوزيف نظرة على الكتاب الذي كان يقرأه. كان مهترئ الحواف من كثرة الاستعمال، بلا عنوان. لطالما كان الدوق يقرأ كتبًا بلا عناوين.
خلافًا لتوقّعات المركيز الذي ظنّ أن والتر لن يفهم وثيقة واحدة، أنهى الدوق قراءتها في غمضة عين، وارتسم على وجهه برود قاسٍ.
«أحسنتَ، جوزيف.»
رمش جوزيف ببطء، ثم سأل بحذر:
«ألم يكن من المقرّر أن تتحركوا فور وصولكم؟»
«……»
«ضربهم قبل أن يستعدّوا كان سيكون…»
«جوزيف.»
«نعم، سموّك.»
تأمّله والتر لحظة ثم سأله بهدوء:
«أتشعر بعدم الثقة إن استعدّوا؟»
ضحك جوزيف بلا وعي، ثم استقام وأجاب بصوت منخفض:
«كلا.»
بدا أن الجواب أعجب والتر، فاسترخى مجددًا على الأريكة وقال:
«طوال عشر سنوات، ظنّوا أنني أضيّع الوقت. لكن في تلك السنوات، كسبتكم.»
«نعم.»
«انتظر قليلًا. من انتظر عشر سنوات، أتعجزه أيّام؟»
«مفهوم.»
تراجع جوزيف بضع خطوات، ثم راح يتفحّص المكان بغريزته. لكنه لم يشعر بأي أثر لغريس. تردّد لحظة، ثم سأل عرضًا:
«هل الآنسة… تتحرك؟»
لم يأتِ جواب، لكن جوزيف لمح زاوية فم والتر ترتفع لحظة ثم تهبط.
تظاهر جوزيف بأنه لم يرَ شيئًا، وكتم ابتسامة. رغم أنه لم يمضِ وقت طويل على معرفته بغريس، إلا أن مجرد التفكير بأنها تتحرك الآن منحه طمأنينة غريبة.
وفي تلك اللحظة
طرقت وصيفة الباب وأعلنت عن ضيف غير متوقّع، وغير مرحّب به:
«سموّ الدوق، المركيزة لينكو والآنسة فلورا من بيت الكونت لوين تطلبان مقابلتكم.»
* * *
وردة وردية ضخمة.
كان هذا انطباع جوزيف عن فلورا. ففستانها كان مزدانًا بزهيرات بارزة كأنها براعم متفتحة.
جلست فلورا ويداها مطويتان بخجل، تسرق النظر إلى والتر بين الحين والآخر. ومن قرب، بدا أكثر روعة. كان أول رجل تشعر أن مجرد النظر إليه مباشرة أمر مرهق.
قالوا إن ملامح الفرسان لا تختلف عن ملامح العامة، لكن والتر بدا كمنحوتة متقنة صنعها أمهر نحات. خط فكّ حاد، أنف كأنما صُقِل بمبضع مئات المرات، عينان عميقتان، حاجبان كثيفان تمثال كامل لمثال الجمال.
ومع ذلك، كان في تلك المثالية شيء متوحش لا يوصف. شيء لا يمكن أن تجده في رجال يتظاهرون بالقوة بتجهم مصطنع.
خفق قلبها بقوة.
أطبقت فلورا شفتيها برفق ورفعت عينيها، متمنية أن تلتقي نظراتهما وقد حدث.
شعرت وكأن بينهما خيطًا مشتركًا. ولم يكن هذا الإحساس لها وحدها، بالتأكيد. وبينما احمرّ وجهها، قالت المركيزة:
«سموّ الدوق، هذه فلورا، الابنة الكبرى لبيت الكونت لوين، أحد أوفى خدام ريتشموند. أعتبرها كابنتي. طبيعتها نبيلة بقدر جمالها، وقد صقلت ثقافتها في التطريز والموسيقى والرسم دون تقصير.»
«…تخجلينني، سيدتي.»
قالت فلورا بخفوت، فضحكت المركيزة بخفة.
«لطالما كنتِ متواضعة يا فلورا.»
ثم التفتت المركيزة إلى والتر المتكئ على الأريكة. في تلك اللحظة، تجمّد شيء في ابتسامتها.
كانت تتوقع منه بساطة رجل نشأ بين الفرسان، لكنه… كان مختلفًا.
جلسته لا عيب فيها، لكنه لم يبتسم مجاملة، ولم يبادر بالتحية. اكتفى بالمراقبة الصامتة.
شعرت بديجا فو غريبة، ثم تكلّم أخيرًا:
«إذن، لأيّ سبب جئتم إليّ؟»
عند صوته الخفيض، ابتلعت المركيزة ريقها دون وعي. وبعد تردّد، اختارت المواجهة المباشرة:
«سموّك، هناك حديث يدور بين خدم القصر الداخلي… بشأن من تستخدم غرفة الثريّا.»
صمت والتر، دافعًا إياها للاستمرار.
«من تكون تلك السيدة؟»
رفعت فلورا رأسها بسرعة. حدّقت في شفتيه، فجاء الجواب بطيئًا:
«غريس. حبيبتي.»
«……»
«……»
رمشت المركيزة وفلورا ببطء، ثم تبادلتا نظرة خفيفة.
غريس.
هذا كل شيء.
كادت فلورا تضحك سخريةً، فعضّت شفتيها. أما المركيزة، وقد ضبطت ملامحها، فقالت:
«…معذرةً، لكن لا يجوز فتح غرفة الثريّا بدافع شخصي. ومن يكون إلى جانب سموّك يجب أن يُدقَّق فيه بدقة.»
رفع والتر عينيه بتمهّل.
تسلّل بردٌ كثيف، كضباب ماء، وارتعشت القشعريرة على الوجوه. عندها أدركت المركيزة ما الذي يشبهه هذا الموقف.
«يا سيدتي المركيزة، ما اسمي؟»
«…ماذا؟»
«أجيبي من أول مرة. ما اسمي؟»
«سموّ الدوق والتر ريتشموند.»
«وما اسم هذا القصر العريق الذي تقدّسينه؟»
«قصر دوق ريتشموند.»
مرّر والتر إصبعه على ذقنه بتراخٍ وسأل:
«في هذا القصر، هل ثمة غرفة أحتاج إذنًا لفتحها؟»
في تلك اللحظة فهمت.
«وكل من أُبقِيهم إلى جانبي هم من اختياري. فمن يجرؤ على إعادة التحقق ممن تحقّقتُ أنا منهم؟ أنتِ؟»
كان… أشبه بأمير دمٍ ملكي.
«لا… لا يمكن!»
قبضت المركيزة على يدها بقوة.
«لا تتراجعي. الدوق يتباهى فحسب.»
شدّت نظراتها وقالت:
«إن كنتُ قد أسأتُ، فأعتذر. لكن لقب الدوقة ليس أمرًا هيّنًا. إن أراد سموّك احترام الأتباع، فعلى زوجته أن تنال احترام سيدات القصر وخدمه.»
«……»
«وإن لم تسيطر الدوقة على القصر الداخلي، تضرّرت سمعة سموّك. والمرأة الأنسب لريتشْموند… هي فلورا.»
عندها، ابتسم والتر فجأة، ثم أدار رأسه نحو فلورا التي كانت تسرق النظر إليه.
علقت فلورا في نظرته، شاردةً. وطال تأمّله لها حتى هتفت المركيزة في سرّها بالنصر.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 20"