أستغفر الله العظيم واتوب اليه
⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
كانت أسرة آل زاكسن، الممثِّل الأول لقوة “النبلاء الجدد”، في الأصل عائلة إقطاعية تافهة من الأقاليم، لا مكان لها بين نخب العاصمة. في عهد الدوق الراحل من آل تايلور، حتى ولو كان جاك زاكسن يحمل لقب “الكونت الصغير”، لما جاز له حتى أن يذكر اسم غريس تايلور في حديث.
لكن اليوم، وقد استندت عائلة زاكسن إلى نفوذ الإمبراطورة – التي تنتمي إليهم بالدم – أصبحوا قوة تهوي على كل من يعارضها، حتى قيل إنهم قادرون على “إسقاط الطير الطائر من السماء”.
في أروع غرف ضيافة قصر تايلور، كانت أرضية الرخام تغصُّ بزجاجات الخمر المكسّرة وكؤوس متناثرة. عند منتصف الغرفة، كانت الخادمة جيسي ممددة أرضًا، بينما جاك زاكسن يجلس القرفصاء أمامها ضاحكًا في سُكْرٍ فاضح.
قال متلعثمًا وقد التصقت الرائحة الثقيلة بأنفاسه:
“ما الصعب في أن تجلسي بقربي قليلاً؟”
كانت كلماته تتخبط، وجسده المتمايل بالكاد يحافظ على اتزانه. خدمُ بيت زاكسن انسحبوا بهدوء، ووريث آل تايلور الشاب، الذي كان يعاقر الخمر معه، حُمِل إلى سريره غائب الوعي. أما الدوق والدوقة الجديدان، وكذلك زوجا آل زاكسن، فقد آثروا الابتعاد حتى لا يروا هذا المنظر المعيب.
لم يبقَ سوى خدم تايلور البسطاء، يتجمّدون بلا حول ولا قوة.
انحنى خادمٌ مسنٌّ إلى الأرض قرب جيسي وتوسل بصوت مرتجف:
“سيدي الصغير، نرجوك، اهدأ قليلاً…”
لم تكتمل كلماته حتى صفَعَه جاك بقسوة. لم تكفه الضربة الأولى، فعاجله بأخرى وهو يصرخ غاضبًا:
“حقيرٌ مثلك يكلّمني دون إذن؟!”
أخفضَ الخادم رأسه فورًا، لكن نوبة غضب الكونت الصغير لم تهدأ. التقط كأسا من فوق المائدة وسكب ما تبقّى فيها على رأس الخادم المنحني. تسلّل النبيذ الذهبي على شعره وعنقه كخيوطٍ مهينة من العار.
قبض بعض الحاضرين أيديهم غيظًا، وشيح آخرون بوجوههم. أما جيسي، فوقفت قبضتاها ترتجفان وهي تحدق في الأرض. سمعَت صوته الساخر يعلو فوقها:
“أنتم أمثالُكُم لستم إلا كؤوسًا تُملأ وتُفرغ. لا تفكروا، لا تتكلموا إلا بأمر السيد.”
ثم قبض على مؤخرة عنقها بعنف وجرّها رافعًا رأسها.
“فهمتِ؟!”
لكن فجأةً دوّى صوت فتح الباب المصمت بعنف. التفتَ جاك نحو المصدر، وقد أوقف حركته وهو يجرّ جيسي. عند الباب وقفت شابة بفستانٍ أخضر باهت.
كانت غريس، تتنفس بسرعة، عينيها تمسحان المشهد بدقة البرق.
انبثقت على وجوه خدم تايلور لمحة أملٍ سريع سرعان ما انطفأت. ألقى أحد الخدم نظرة لوم على الخادمة التي جاءت بها إلى هذا المكان:
كيف تجرؤين أن تجلبي الآنسة إلى هنا!
اقتربت غريس بخطوات واثقة، حدّقت بجيسي المنطرحة ثم رفعت بصرها إلى جاك زاكسن.
“سيدي الكونت الصغير زاكسن.”
كان صوتها منخفضًا، لكن فيه سطوة النبلاء. شعر جاك بأن الخمر يتبخر من رأسه دفعةً واحدة.
جالت عيناه المترنحتان على ملامحها الدقيقة، فأدرك في لحظةٍ أن من تقف أمامه ليست امرأة عادية، بل جمالٌ نادر. أرخى قبضته عن جيسي دون وعي، وتعلق نظره فقط بها.
كانت تختلف عن نساء العاصمة اللواتي يغرقن أنفسهن بالمساحيق والحليّ؛ شعرها الذهبي لامع كالخيوط المسبوكة من الذهب الخالص، وعيناها الخضراوان كضوءٍ صافٍ في نهرٍ صيفي، وبشرتها بيضاء كالثلج.
تمتم مذهولاً:
“حقًا… تساوي كل مالها.”
عضّت جيسي شفتها حتى سال الدم، واشتدت وجوه الحاضرين جمودًا، لكن غريس وحدها ظلت هادئة لا تتحرك.
قالت بصوتٍ رزين:
“الليل تقدم، حان وقت راحتكم يا لورد زاكسن.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة. أعجبته نبرة صوتها أيضًا. لقد كان غاضبًا منها لكونها ترفض مقابلته رغم أنه خطيبها، لكنها الآن أمامه جميلة هادئة، فاشتدت شهوته ونسي امتعاضه مباشرة.
قال مبتسمًا:
“ربما لو ملأتِ لي كأسًا بيدك، لأوقفتُ كل هذا فورًا.”
صمتت غريس لحظة، ثم تنهدت ونظرت حولها سريعًا قبل أن تأمر الجميع بصوتٍ حازم هادئ:
“اخرجوا جميعًا.”
اتسعت ابتسامة جاك، فيما اتسعت عيون الخدم رعبًا.
“مولاتي!”
همست جيسي متوسّلة، لكن غريس لم تتراجع؛ وقفت منتصبة اليدين، نظراتها لا تلين.
صرخ جاك بغلظة:
“ماذا تنتظرون؟! لم تسمعوا قولها؟ اخرجوا!”
غادروا ببطءٍ مذعور، وأُغلق الباب خلفهم.
ما إن خلا المكان حتى تقدم جاك بخطوةٍ بهيمية، كذئبٍ يزحف نحو فريسته. مدّ يده يعبث بخصلات شعرها الذهبية ويتمتم:
“حتى آل تايلور يبدون أحيانًا جديرين بثمنهم.”
في الواقع، لم يكن هذا الزواج يرضيه. فهو، ابن أخت الإمبراطورة، اعتاد أن ينال ما يشاء من النساء. وغريس؟ فتاة مقيمة في الريف لم تُرَ قط في صالونات العاصمة. كان يتخيلها ريفية باهتة المنظر، لكن جمالها حطّم كل توقعاته فغمره شعورٌ بالظفر. مدّ يده ليلامس شعرها، لكن صوتها أوقفه كحدّ السيف:
“وأنت أيضًا… يبدو أنك تساوي ما دفع فيك.”
“ماذا؟!”
ظن أنه سمع خطأً. انكمش حاجباه وهو يحدق فيها. عندها سحبت شعرها من بين أصابعه بخفةٍ أنيقة وتراجعت خطوة. كان في كل حركةٍ منها اتزانُ امرأةٍ أرستقراطية وُلدت للسيادة.
ابتسمت ابتسامة دقيقة وقالت بوضوحٍ سمهري:
“ابن أخت الإمبراطورة نفسه، ومع ذلك… كم من الفجور ارتكبتَ حتى اضطر آل زاكسن إلى إلغاء المهر والتكفل بسداد ديون آل تايلور بالكامل؟ ظننت أنني سمعت خطأ، لكنك فعلاً تستحق السمعة التي تلاحقك.”
تحجّر وجه جاك من الغيظ.
“تجرؤين… أيتها المجنونة؟!”
رفع يده ليمسكها من شعرها مجددًا، لكن غريس كانت أسرع؛ تراجعت، بينما تمايل جسده المخمور واهتزَّ توازنه، فسقط متعثرًا. في تلك اللحظة التقطت من على الطاولة زجاجةَ النبيذ الأضخم.
رفع رأسه متلعثمًا، فرأى ظلًا يعلوه، فابتلع ريقه وقد اقشعرّ بدنه.
“ماذا… ماذا تفعلين؟!”
كانت غريس تايلور واقفة أمامه، جسدها معتدل كالسيف، تمسك بالزجاجة بيدٍ ثابتة، والضياء الأحمر يتلألأ على سطحها.
“لا تقولي إنك…”
ارتعش صوته، فقد بدت عيناها باردتين حد الموت، وشفاهها منطبقة على نيةٍ لا ريب فيها.
“سمعتُ أنك لا تتذكر شيئًا بعد أن تسكر…”
ارتعد جسده: “لا… لا! أتذكر كل شيء!”
ابتسمت بخفة وقالت بنغمةٍ رخيمة:
“إن صرختَ، فسأضربك مرتين.”
رفعت الزجاجة عاليًا. ورغم رعبه، لم يستطع إلا أن يلاحظ كم بدا هذا المشهد نبيلًا غريبًا-امرأة تحمل تهديدها برشاقة ملكية.
ثم سمع همسها البارد الأخير:
“عضّ أسنانك جيدًا… وإلا قطعتَ لسانك.”
م.م: بطلتنا قوية وباردة 🔥🔥🔥
●●●●
في الخارج، كان الخدم والخادمات يتقلبون قلقًا في الرواق.
“كيف سمحتِ لنفسك بإحضارها إلى هناك!”
“لكن لم يوجد أحد غيرها… !”
“غدًا ستتزوج ذلك الوحش… يا إلهي، ما الذي سيحل بسيدتنا؟”
وقبل أن يجيب أحد، انفتح الباب فجأة. التفتت كل الوجوه نحو الخارج، فرأوا غريس تايلور واقفة هناك. ابتسمت لهم بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.
“مولاتي!”
أغلقت الباب خلفها بهدوء وقالت للخادم الأكبر سنًا ذاك الذي تلقّى الصفعة قبل قليل:
“الكونت الصغير نائم الآن. استدعِ خدم آل زاكسن لينظفوا الغرفة.”
“نائم؟! فجأةً؟”
“نعم، انهار فجأة وغفا في مكانه.”
“…آه… نعم، يا سيدتي.”
بدَت الحيرة على وجهه، لكن غريس تابعت السير بهدوء، وانحنى الجميع جانبًا ليفسحوا لها الطريق. توهجت المشاعل على الجدران فانعكست على ظلها الطويل المهيب.
ناداها صوتٌ خافت من الخلف:
“مولاتي…”
التفتت.
“هل أنتم بخير؟”
كانت العيون المحيطة بها مشبعة بالقلق والمودة. ومنذ الليلة المشؤومة التي فقدت فيها والديها، كان هذا القلق نفسه هو الذي ربّاها وحماها. رغم قسوة الدوق والدوقة الجديدين، لم يتركها خدم القصر دون دفء أو طعام أو حنان. كانوا جميعًا عائلتها الحقيقية.
ابتسمت لهم من قلب الظلام وقالت:
“شكراً لكم… جميعاً.”
“مولاتي…”
“اصبروا قليلاً فقط.”
لم يفهموا تمامًا ما تعنيه كلماتها الأخيرة، لكن غريس كانت قد أدارت ظهرها، تمضي بخطى ثابتة نحو ظلامٍ بدا وكأنه لا ينتهي، تخفي بين شفتيها تتمة الجملة:
“إلى أن أعود.”
Sel
للدعم :
https://ko-fi.com/sel08
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الانتقام يُفعَل هكذا
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 2"