كان الشعر الورديّ والعينان بلونه النادر الذي لا يظهر إلا مرة كل مئات السنين جذّابين حتى في نظرها هي. وحين تطبق أسنانها السفلى على العلوية، تمتلئ وجنتاها النحيلتان قليلًا. فإذا فتحت عينيها على اتساعهما ورفعت نظرها إلى من أمامها، احمرّت الوجوه عشرةً من عشرة، ولم يجدوا سوى السعال المصطنع مخرجًا.
داعبت فلورا شعرها برفق وتمتمت:
«إلى جوار دوق ريتشموند، يجب أن يقف شخص يليق بتلك السمعة.»
أليس ذلك خيرًا للجميع؟
كان وجه فلورا المنعكس في المرآة مفعمًا بالثقة. لم تعرف الهزيمة في مثل هذه الأمور قط. حتى خطّاب الفتيات النبيلات اللواتي تفاخرن بحبّهم، لم تحتج سوى أن ترمش لهم بضع مرات وتبتسم بدافع الفضول عمّا إن كان ذلك الحب حقيقيًا حتى صاروا جميعًا من أتباعها. كان الأمر سهلًا عليها إلى حدّ تبديل الملابس. وبصراحة… كان ممتعًا.
أمالت فلورا عينيها بتكاسل.
«تلك المرأة… عليها ألّا تتعلّق بهذا القصر أكثر من اللازم. أخشى عليها.»
لأنها، قريبًا، ستُطرَد بلا سند.
وفي يوم طردها، ستودّعها بالدموع. كملاك.
* * *
بعد خروج والتر، أخذت غريس تتجوّل ببطء في الغرفة الفخمة المهيبة.
كانت السجادة العريضة المفروشة حديثة بلا شك. سجادة إستوستان منسوجة بخيوط ذهبية بسخاء؛ فرشها بهذه المساحة وحده كان يتطلّب آلافًا مؤلّفة من الذهب. وليس هذا فحسب ففي كل زاوية خزف فاخر، وصناديق مطعّمة بالصدف من الشرق، وساعات من ذهب… حتى بدا المكان بأسره متجرًا راقيًا لا غرفة نوم.
«حتى غرفة نوم الإمبراطور لا تضاهي هذه.»
ارتسمت على الوجه الأبيض الأنيق كزهرة زنبق سخرية مالحة.
«لا غرفة تضاهيها إلا غرفة دوقة تايلر.»
تذكّرت إيما تايلر، التي نقلت كل ما استخدمته أمّها إلى المخازن، ثم زيّنت الغرفة بأقصى ما يمكن من بذخ.
«لا بد أنها كانت في غاية السعادة، وهي تزيّن هذه الغرفة وتعيش فيها.»
«لذلك بدت غاضبة إلى هذا الحد، على ما يبدو.»
تمتمت جيسي وهي تستحضر وجه زوجة المركيز لينكو، فضحكت غريس بخفّة. كم بدا وصف “الغضب” مضحكًا. أن تطمع في ما ليس لك أصلًا، ثم تغضب لأنك فقدته!
«أودّ أن أذهب وأخبرها.»
«ماذا؟»
«أن هذه هي البداية فقط.»
نعم. إنها البداية.
لن تتوقّف حتى تستعيد ما سُلب منها واحدًا واحدًا، وحتى تعود الأشياء إلى مواضعها.
شدّت غريس كتفيها واستقامت، ثم أزاحت خصلة شعر انسدلت على جبينها. وفي اللحظة نفسها، أعادت ارتداء القناع الأنيق الذي خلعتْه قليلًا القناع الذي خدعت به دوق ودوقة تايلور خداعًا تامًا. وما إن ارتدته حتى بدت غريس كنبيلة وديعة ساذجة، كزهرة دفيئة لا تعرف غير اللين.
«جيسي، لنذهب إلى الدوقة الكبرى.»
* * *
كان الملحق الذي تقيم فيه الدوقة الكبرى إليزا يقع خلف القصر الرئيسي. بينهما حديقة شاسعة، تتباهى أشجارها المصبوغة بألوان الخريف بجمالٍ متنوّع.
سارت غريس بهدوء في الممرّ بين الأشجار وسألت:
«هل هناك من يتبعنا؟»
«…لا أدري إن كان يُسمّى تتبّعًا، آنسة… أقصد، سيدتي.»
ألقت جيسي نظرة خلفها بابتسامة ازدراء.
«إمّا أن يتبعوا بوضوح، أو يختبئوا بإتقان.»
«إذًا ليسوا محترفين؟»
«لو كان هذا احترافًا، لاعتزلوا المهنة.»
ابتسمت غريس.
«يبدو أنهم لا يرون ضرورة لإرسال محترف خلفي.»
امرأة جلبها والتر فجأة بعد عشر سنوات من الانقطاع عن المجتمع الأرستقراطي.
من أدنى خادمة حتى زوجَي المركيز لينكو، سيجمعون على أن مكانتها لا تتعدّى نبيلةً ساقطة أو عامّية تتقمّص دور النبيلات.
ألا يقولون إن اجتماع ثلاثة على قول واحد يصنع بلدًا من عدم؟ قريبًا، مهما أتقنت غريس قواعد الإتيكيت، سيقولون: «عامّية حاولت إغواء الدوق.»
ولذلك، حتى لو زارت الدوقة الكبرى مرارًا، فلن يكلّفوا أنفسهم الاهتمام. سيعدّونها امرأةً ستُطرَد قريبًا مع عجوزٍ منسيّة في الجناح الخلفي. وهذا بالضبط ما كانت غريس تحتاجه الآن: هذا القدر من التجاهل.
«عجوز الجناح الخلفي…»
توقّفت غريس عند دخول حديقة الملحق.
كان العشب مقصوصًا قصيرًا تفوح منه رائحة خضراء قوية، لكن إذا أمعنت النظر في جدران المبنى، بدا واضحًا غياب العناية.
«يبدو أنهم نظّفوا المكان على عجل.»
«نعم. ليس هذا حاله عادةً.»
شدّت غريس يد جيسي الممسكة بها.
في تلك اللحظة، فُتح الباب وخرجت امرأة في منتصف العمر، كأنها شعرت بقدومهما.
شعر رمادي داكن، وعينان باللون نفسه، وطول يفوق متوسط النساء. خادمة الملكة التي بقيت أطول زمن إلى جوار «ملكة ريتشموند» التي كان الجميع يرتعد منها يومًا.
لم يكن في نظرتها إلى غريس ذرة دفء. ومع ذلك قالت غريس بنبرة ودودة:
«تشرفتُ بلقائكِ، السيدة إسحاق. جئتُ لأقابل الدوقة الكبرى.»
تأمّلتها السيدة إسحاق بوجهٍ لا يُقرأ، ثم استدارت.
«تفضّلي.»
كان داخل الملحق إن أحسنتَ الوصف كالدير، وإن أسأت كالقبر.
قادتهما السيدة إسحاق إلى صالون صغير. بدا أنه لا توجد خادمة واحدة تقوم على الخدمة؛ فقد قدّمت بنفسها كوب شاي دافئ، وطلبت الانتظار ثم اختفت.
وعندما فرغت غريس من شايها، عادت وحدها.
«الدوقة الكبرى ترفض اللقاء. عودوا من حيث أتيتم.»
«لا بد أنك قلتِ لها: المرأة التي جاء بها الدوق ترغب في لقائك.»
وضعت غريس فنجانها بهدوء دون صوت، وحدّقت في السيدة إسحاق.
«اذهبي وأعيدي البلاغ.»
ارتفعت حاجبا السيدة إسحاق لا إراديًا أمام نبرة الأمر. لكن ما قيل بعدها جَمّدها في مكانها.
«قولي لها: غريس من بيت دوق تايلور ترغب في اللقاء.»
* * *
الاسم الذي جمّد السيدة إسحاق، أيقظ كذلك الدوقة الكبرى إليزا التي كانت غارقة في النوم طوال اليوم.
«…ماذا قلتِ؟»
«المرأة التي جاء بها الدوق تُعرّف نفسها بأنها غريس من بيت دوق تايلور.»
رمشت إليزا وهي مستلقية، ولم تتكلّم إلا بعد زمن.
«تايلور؟»
«نعم، سيدتي.»
ببطء شديد، رفعت إليزا جسدها الثقيل ثقيلًا كأثقل شيء في الدنيا. كفى هذا التحرك البسيط ليخفق قلب السيدة إسحاق؛ إذ إن إليزا لم تفعل شيئًا سوى الاستلقاء طوال اليوم.
«…اسمها غريس؟»
«نعم.»
تأمّلت إليزا قليلًا ثم سألت:
«هل كانت… شقراء؟»
«نعم، شقراء بعينين خضراوين فاتحتين.»
«إذًا فهي من دم الدوق الراحل.»
«…أتودّين لقاءها؟»
كانت السيدة إسحاق تتمنى أن تلتقي إليزا بغريس. أيّ شرارة اهتمام من أي شخص كانت لتكفي.
بعد صمت طويل، سألت إليزا بصوت مبحوح:
«قلتِ إن الدوق هو من جاء بها؟»
«نعم. أترغبين بلقائها؟»
لكن إليزا عادت واستلقت على السرير. كان جسدها أثقل من أن يُحتمل.
«قولي لها… أن تعود.»
«…سيدتي.»
«أروين.»
«نعم.»
«كفى ما قدّمتِ. أبناؤك عادوا. اتركي خدمتي وارجعي إلى عائلتك.»
احمرّت عينا السيدة إسحاق. ابتلعت دموعها بعناد، وتظاهرت بأنها لم تسمع شيئًا، ثم رتّبت سرير الدوقة وقالت بصوتٍ مشرق:
«ارتاحي. سأبلّغها.»
توجّهت مباشرةً إلى الصالون القريب.
كانت غريس قد نهضت تتجوّل فيه ببطء.
«أعتذر، الدوقة الكبرى لا ترغب في اللقاء. عودي.»
رغم الرفض الثاني، لم تُبدِ غريس أي اضطراب. بل إنها لم تغادر، بل تعمّدت التمادي في النظر حولها ثم قالت:
«لماذا تبدو إقامة الدوقة الكبرى على هذا الحال؟»
«……»
لمحت في وجه السيدة إسحاق شرخًا طفيفًا. واصلت غريس بنبرة لينة تضغط أكثر:
«لماذا أنتِ الخادمة الوحيدة؟ أين باقي الخدم؟ لقد قُصّ العشب اليوم للتو، وتفوح رائحته. فكيف كان الحال عادةً؟»
برزت عروق في عنق السيدة إسحاق. اقتربت غريس خطوة أخرى، وقبل أن تتراجع إسحاق، سبقتها الهمسة:
«كيف استطعتِ الوقوف متفرّجة، وصاحبتك تُعامَل بهذا الشكل؟»
«هذا لأن…!»
تشوّه وجه السيدة إسحاق. نظرت غريس إلى ذلك الوجه المتجمّد وقالت بنبرة مهدِّئة:
«أعلم. أعلم كيف يتصرّف من استولى على مكان السيد.»
«……»
«أنا أيضًا… صمدتُ ثلاثة عشر عامًا في تايلور كجثةٍ حيّة. لكنني كنت أستعدّ دائمًا، في الخفاء. والدوق كذلك، أليس كذلك؟»
«……»
«انظري إليّ. هل أبدو لكِ امرأةً جاءت لأن الحب أعمى بصيرتها؟»
تلألأ الضوء في عينيها الخضراوين كوميض سيف. وبينما كانت السيدة إسحاق عاجزة عن الكلام أمام هذه الهيبة الغامرة، همست غريس كشيطان:
«يا سيدة إسحاق… حان وقت إعادة ريتشموند إلى صاحبها الشرعي.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 18"