تدلّلت امرأة ترتدي فستانًا ورديًّا لطيفًا، بصوتٍ لا يقلّ لطفًا. تنفّس الرجل الذي كان يقودها نحو بوابة القصر الصعداء، ثم استدار إليها بملامح صارمة متصنّعة.
«فلورا.»
مالت برأسها، وعيناها مستديرتان دامعتان.
«سمعتُ أن الدوق يقتل الوحوش كشيطان. حتى الوحوش، لها أرواح ثمينة، أليس كذلك؟ أنا… قلبي لا يحتمل حتى قتل بعوضة. أنت تعرف هذا.»
«…فلورا.»
«كيف أتزوّج رجلًا مخيفًا إلى هذا الحد؟ آه… أنا خائفة جدًا.»
اهتزّ شعرها الوردي الناعم مع حركة رأسها الصغيرة.
فلورا، الابنة الكبرى لكونت لووين، أحد أتباع بيت ريتشموند، كانت أميرة مجتمع الشمال الغربي. لم يكن هناك شاب نبيل لا يعشقها، وكانت الفتيات يقلّدنها في كل شيء. حتى فستانها المفرط في اللطف بدا وكأنه صُنع خصيصًا لها.
في تلك اللحظة، شدّت خادمةٌ كانت ترتّب زينة شعرها خصلةً عن غير قصد.
«آه!»
«آسفة يا آنسة!»
انحنت الخادمة بسرعة، لكن الضيق ارتسم فورًا على وجه فلورا. لمست شعرها، ثم نظرت إلى مؤخرة رأس الخادمة بازدراء.
«حقًا… أمثالك لا يُتقنّ شيئًا.»
«أنا آسفة…»
«حتى تصفيف الشعر صعب عليكِ؟ لا تأتي غدًا. أخي، أرسلها إلى الإسطبل.»
«يا آنسة…!»
بكت الخادمة، لكن فلورا مضت دون اكتراث.
«حسنًا، كفى. أصلحي تعبيرك. يبدو أن الدوق وصل إلى الجسر. أسرعي.»
«حقًا… آه…»
«لا داعي للخوف. الدوق سيقع في حبك. أليس في ريتشموند رجل لا يعشقك؟»
فلورا، الأكثر حبًّا في ريتشموند ذلك كان فخرها. حتى خطيب إحدى صديقاتها سُحر بها يومًا، لكنه لم يكن خطأها؛ فالذنب دائمًا ذنب الرجال. اللطف كان سلاحها.
مسحت عينيها بمنديلها، وتبعت أخاها. ومع صوت الأبواق، شقّ الناس لهما الطريق.
وعندما وصلا إلى البوابة تحت نظرات الإعجاب، هبّت ريح من خارج القصر، محمّلة برائحة الخيل. انعقد حاجبا فلورا تلقائيًا.
منذ أن اشتدّ نفوذ الإمبراطورة هِتبي، لم تعد مكانة الفرسان كما كانت. وفي دوقية ريتشموند تحديدًا، كان احتقارهم أمرًا شائعًا.
فلورا أيضًا لم تكن تحب الفرسان. ففي نظرها، الفارس الذي يعيش بقوة جسده لا يختلف عن عامّيّ يعمل بيديه، فضلًا عن وحشيته وسفكه للدماء.
لذلك، مهما كان الدوق، فقد بدا لها غير مستساغ. قائد فرسان، يجوب «جدار الموت»… لا بد أنه غليظ، مخيف، بدائي.
«……!»
لكن ما إن وقعت عينا فلورا على دوق ريتشموند، حتى تجمّدت في مكانها.
● ● ●
حتى البوابة الأمامية المهيبة لقصر الدوق بدت فاقدة للحضور أمام ذلك الرجل. كان من أولئك الذين يحوّلون كل ما حولهم إلى مجرد خلفية.
«ذاك هو…»
تمتمت فلورا شاردة، وفي تلك اللحظة ظهرت امرأة كانت مستترة داخل صدر الدوق العريض. الفستان الكريمي الذي ترتديه، متباينًا مع عباءته السوداء، بدا أبيضَ على نحوٍ لافت، كأنه فستان زفاف. ومع ذلك، لم تفقد تلك المرأة حضورها وهي إلى جانبه.
ضاقت عينا فلورا.
«ما… هذا؟»
● ● ●
ما إن دخل والتر إلى حديقة القصر الداخلي حتى ألقى نظرة جانبية إلى اليسار. رفعت غريس، التي كانت تمشي إلى جانبه بخطوات خفيفة، رأسها لتنظر إليه. رمشت مرة، ثم ثانية، ثم ابتسمت بخفة وقالت بحركة شفتيها:
«ابتسم.»
في تلك اللحظة، لم يستطع والتر إلا أن يضحك من شدة الدهشة. وعلى الفور، شدّت اليد الصغيرة التي كانت ممسكة بيده قبضتها بقوة.
لا تضحك بسخرية!
كأنه سمع صوت توبيخٍ يهمس في أذنه، فسارع إلى ضبط ملامحه.
هذه هي المرة التاسعة. عدّها في داخله. وحين دخلا مبنى القصر، عاد لينظر إلى غريس. نظرت إليه خلسةً وقد بدا عليها شيء من الخجل، ثم تمتمت:
«…سيدي.»
نبرة نطق بالغة الأناقة، لكنها جعلت أطراف أصابعه تحكّ لا إراديًا. ولم يكن وحده من شعر بذلك؛ فحتى أولئك الذين تبعوهم كالسحاب من “لصوص” ريتشموند بدؤوا يتهامسون.
وهكذا اكتملت العاشرة.
على صهوة الجواد، كانت غريس تسند رأسها إلى صدره وكأن الأمر لا يعنيها، وقالت:
«سيدي، أرجوك أجّل تقديمي قدر الإمكان. وقل للفرسان أيضًا ألا ينادوني الآنسة في الوقت الراهن.»
«هل تريدين تأخير وصول الخبر إلى تايلور؟»
«هذا أيضًا. والأهم… أن أبدو الآن شخصًا يسهل الاستهانة به.»
«…وهل هذا مفيد؟»
«طبعًا. بالمناسبة، هل وضعتَ خطة لكيف ستعاملني بلطف؟»
«……»
كان يستطيع، مغمض العينين، أن يشرح كيف يُباد وحش أو كيف تُنفّذ انتقام، لكن كيف يُعامل امرأة يحبها بلطف؟ لم يكن لديه ما يقوله.
حتى فكرة ركوب الخيل معًا كانت، في نظره، إنجازًا يستحق الثناء. فماذا بعد…؟
وحين طال صمته، زفرت غريس زفرة قصيرة ثم أصدرت أمرًا بنبرة قائد:
«أمسك بيدي أولًا. ومن لحظة عبور البوابة حتى دخول القصر الداخلي عشر مرات بالضبط التفت إليّ. عندها، لن يحتاج أحد إلى مقدّمات مطوّلة. الجميع سيفهم… وسيخمّن كما يشاء.»
تساءل إن كان ذلك يكفي… وقد كفى. الفضل كله كان لخبرة غريس.
لم تكن تمثّل تمثيلًا صارخًا. في كل مرة يلتفت إليها، كانت تمنحه ردّة فعل مختلفة: في البداية تتظاهر بعدم الانتباه، ثم مع تكرار النظرات كانت أحيانًا تعضّ شفتها، وأحيانًا تنظر إليه بصمت، وأحيانًا تبتسم ابتسامة بالكاد تُرى. حتى والتر، وهو يعلم أن هذا تمثيل، وجد نفسه يلتفت بدافع الفضول ليرى ما ستكون ردّتها التالية.
ومن ردود الفعل خلفهما، بدا واضحًا أن لا أحد فشل في إدراك أنها حبيبته. غير أن الجميع كانوا يتساءلون بلهفة: ما موقعها القادم داخل قصر ريتشموند؟ لا بد أنهم كانوا قد اختاروا بالفعل “دوقة مناسبة” على مقاس أهوائهم.
وكما لو تأكيدًا لذلك، شعر بحركة عن يمينه، فظهرت المركيزة بابتسامة مصطنعة.
«سيدي…»
ما إن توقّف والتر حتى توقّف الجميع. نظرت المركيزة بحذر إلى غريس ثم قالت:
«سنقود السيدة المرافقة إلى صالون الاستقبال مؤقتًا. لم نتلقَّ إشعارًا مسبقًا بوصول ضيفة، فإعداد غرفة الضيوف قد لا يكون كافيًا…»
«لا داعي لذلك، يا زوجة المركيز لينكو.»
قاطعها صوت منخفض شديد البرودة. حدّق والتر في عينيها بهدوء، ثم أدار رأسه نحو غريس. في عينيها الصافيتين تساؤل بريء.
كم تتقن التظاهر بالجهل وهي تعرف كل شيء.
شدّ والتر قبضته على يدها وقال بهدوء:
«ستقيم هنا، في غرفة الثريّا.»
«ماذا؟ غـ… غرفة الثريّا؟»
في اللحظة نفسها، انطلقت شهقات مكتومة من كل الجهات. اتّسعت عينا المركيزة كأنهما ستقفزان، وفتح المركيز فمه على مصراعيه. حتى فلورا، التي كانت تراقب بحدة، غطّت فمها بكلتا يديها.
غرفة الثريّا غرفة النوم التي استخدمتها دوقات ريتشموند عبر الأجيال.
«سـ… سيدي! تلك الغرفة…!»
«ولِمَ الدهشة؟ هل أحتاج إلى إذن؟»
«…لا.»
وقف الدوق، الذي صدم الجميع، حاجبًا غريس بجسده، ثم التفت إلى الخلف. عيناه، الحادّتان أصلًا، ازدادت قسوةً مع شدّ ذقنه. الابتسامة التي كانت موجّهة لغريس قبل قليل تبخّرت كندى الصباح. حتى جوزيف، الذي كان يراقب من بعيد، شعر بشيء من الخيبة.
حدّق والتر في الزوجين والأرستقراطيين بنظرة خالية من أي إنسانية، ثم قال بنبرة كسولة:
«يكفي هذا الترحيب. انصرفوا جميعًا.»
ثم صعد الدرج بهدوء مع غريس، تاركًا خلفه وجوهًا مصعوقة لا تقوى على الكلام.
لم يبقَ في قاعة القصر سوى النبلاء. المكان الذي غادره الدوق بدا كأنه ضربه إعصار.
«ما… ما الذي يحدث؟»
سأل أحدهم بذهول.
ولم يكن غريبًا؛ فهم لم يسمعوا حتى اسم المرأة التي جاءت معه. لم يكن والتر قد أهمل تقديمها، بل تجاهلهم هم. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض. أليس من الطبيعي أن يدخل صاحب الدار ضيفًا إلى بيته دون أن يشرح كل شيء؟
عضّ المركيز على شفتيه وقال بصوت منخفض:
«يبدو أن الدوق يدبّر حيلة ما، لكنها لن تسير كما يتمنّى. فلا تقلقوا.»
قد يظن والتر ريتشموند أن هذا القصر بيته، لكنه لن يكون كذلك أبدًا.
أضاءت عينا المركيز فجأة وقال:
«إلى قاعة الاجتماعات جميعًا. علينا أن نعقد اجتماعًا.»
«نعم!»
تبعه النبلاء الذين يحملون شارات خدمة بيت ريتشموند. سار المركيز في الممر بثقة صاحب القصر، وارتدّت أصوات كعوب الأحذية في هواء القاعة البارد.
● ● ●
كانت جيسي تسير خلف غريس، ترمق بنظرات ثابتة خادمتين كانتا تتظاهران بالإرشاد بينما تختلسان النظر إلى غريس باستمرار. في كل مرة تلتفتان، تمسحانها من رأسها حتى قدميها. ضيّقت جيسي عينيها، تحفظ ملامحهما.
«الأولى: شعر بني، عينان بنيتان. الثانية: شعر رمادي، عينان زرقاوان.»
في تلك اللحظة
«التزموا بواجبكم.»
لم تكن جيسي وحدها من انزعج؛ فقد أطلق والتر تحذيرًا منخفضًا. انتفضت الخادمتان وانحنتا بسرعة.
«نعم، سيدي.»
بعد التحذير، لم تعودا تنظران إلى غريس. لكن ما إن دخل والتر وغريس غرفة الثريّا حتى تغيّرت وجوههما، وألصقتا آذانهما بالباب وهمستا:
«هل هي نبيلة؟»
«يبدو ذلك… لكنها لم تحضر إلا بخادمة واحدة. لعلها من نبلاء سقطوا؟ لكن حتى النبيلة المفلسة… هل يُعقل أن تتعلّق برجل هكذا قبل الزواج؟»
«حتى العامّيات لا يفعلن ذلك! هكذا يُغلق طريق الزواج تمامًا!»
«ألا تظنين أنها من جوار جدار الموت؟ الدوق قضى هناك سنوات… قالوا إن الهاربين يسكنون تلك الأنحاء.»
«يا إلهي. على أي حال، هل يليق بغرفة الثريّا امرأة مجهولة النسب؟»
«لا تقلقي. حين يرى الدوق آنستنا فلورا، سيتغيّر رأيه.»
كانت جيسي في الممر، لكنهما لم تباليا. بل رمقتاها من أعلى إلى أسفل، واصطدمتا بكتفها عمدًا وهما تمرّان.
«آه.»
«ماذا؟ يؤلمك؟ ألا تنظرين أمامك؟ تحرّكي جانبًا بنفسك.»
«ومضحك… حتى إنها جاءت بما يشبه الخادمة.»
«يا سلام على الكلمات المهذبة. خادمة؟ لا، لا ترقى حتى لذلك. اسمعي، لا تلفتي الانتباه. ستُطرَدين قريبًا، فلا تتعلّقي بالمكان. مفهوم؟»
هل جنّتا؟
اشتعل غضب جيسي ببطء، وحدّقت في ظهريهما بنظرة حادّة وهما تبتعدان.
● ● ●
لم تكن الخادمتان وحدهما من تغيّر سلوكهما مع إغلاق الباب. في اللحظة التي أُغلق فيها، استقامت غريس مبتعدةً قليلًا عن والتر، وحرّرت يدها من يده، ثم ألصقت أذنها بالباب تصغي لما في الخارج.
نظر والتر دون وعي إلى يده، فتحها وأغلقها، ثم رفع رأسه. كانت غريس قد استدارت نحوه. اختفى الخجل الذي أبدته أمام الناس، ولم يبقَ سوى عقل حادّ مصقول. ارتفع بصرها إلى السقف.
هناك، كانت تتدلّى ثريّا جميلة تليق باسم الغرفة، مئات البلّورات تتلألأ كقطرات المطر، تنثر ضوء الشمس الداخل من النافذة في كل اتجاه. أسفلها طاولة دائرية، وفوقها باقة زنابق بيضاء نقية، لا شك أنها وُضعت اليوم.
تحرّكت غريس ببطء، تتأمّل المكان.
في الموقد المزخرف، كانت الحطب مكدّسة، والفراش على السرير الضخم يبدو حديث التبديل، ناعمًا ومنتفخًا. لا بد أن أحدهم كان يعتزم النوم هنا هذه الليلة.
أطلقت غريس ضحكة خفيفة أقرب إلى تنحنح.
«يبدو أنني… استوليتُ على الغرفة دون قصد.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 16"