ومع ذلك، لم يكن بوسعه إلا الاعتراف. ففي غضون أيام قليلة فقط، نجحت غريس في كسب ودّ الفرسان، أولئك الذين لم ينل والتر رضاهم إلا بعد سنواتٍ من التقدّم في الصفوف الأولى وهو يلوّح بسيفه. صحيح أن الأمر لم يصل إلى حدّ قسم الولاء، لكنه كان إنجازًا لا يُنكر.
ولعلّ الحادثة التي أنقذت فيها أندرو حتى آخر لحظة، رغم أن حياتها نفسها كانت في خطر، كانت الشرارة الأكبر.
لكن ذلك لم يكن كل شيء.
كانت تعرف متى تبتسم، ومتى تشكر، وقد حفظت أسماء كل من تبادلت معهم التحية عن ظهر قلب. لم تكن تلك رقة مصطنعة لفتاة نبيلة اعتادت أن تُحمل على الأكفّ، بل ودًّا صادقًا وبساطة لا تشبه من نشأ مدللًا في القصور.
وعلى خلاف فستانها الأزرق الداكن الذي اعتادت ارتداءه، كانت الآن ترتدي فستانًا كريميّ اللون، بسيطًا وهادئًا. شعرها المضفور والمرفوع بعناية لا بد أن جيسي هي من صفّفته بدا منظمًا كعروس خرجت تَوًّا من مراسمها. امرأة تجمع جوهر الوقار والآداب التي يقدّسها النبلاء، ومع ذلك تبدو رقيقة وهشّة إلى هذا الحد… من ذا الذي يستطيع أن يحذرها؟
سيفٌ مخبّأ في غمدٍ بالغ الجمال.
كان هذا وصف والتر لغريس. والمشكلة أن حتى هو نفسه كان ينسى، مرارًا، أنها شخص بحدّ السيف.
«سيدي.»
نداء ناعم، كأنها تخاطب حبيبًا. لسببٍ ما، شعر بحكّة خفيفة في عنقه.
في تلك الأثناء، كانت غريس قد اقتربت ونظرت إلى أسفل الجبل الذي كان يحدّق فيه. تبعها والتر بنظره. هناك، كان يقف قصر دوق ريتشموند، عريقًا وجميلًا. وعلى قمّته، كان شعار النسر يرفرف واضحًا على الراية. في اللحظة نفسها، بردت ملامح الاثنين.
سألت غريس، بعد أن حدّقت في القصر برهة:
«هل تشعر بالخوف؟»
«ها!»
ضحك والتر بحدّة، فضحكت هي أيضًا.
«وأنتِ؟ أتشعرين بالخوف؟»
كان صوته منخفضًا، ذا رنينٍ خاص؛ صوتًا تشعر أنك ستتعرّف إليه حتى لو سمعته من بعيد وعيناك مغمضتان. وبابتسامة مشرقة، أجابت غريس:
«مستحيل. لكن… أظن أن الوقت حان لنتحدّث بوضوح.»
استدار والتر إليها ببطء، لكنها ظلّت تنظر إلى أسفل الجبل.
خرج اسمه من شفتيها عذبًا كعينيها بلون العنب الأخضر، حلوًا إلى حدٍّ غير معقول.
منذ أن وعى الوجود، كان يعيش في صراعٍ دائم من أجل البقاء. لحظة غفلة واحدة كفيلة بأن تدفعه إلى الهاوية. اللطف؟ الحب؟ أشياء بعيدة إلى درجة أنه لم يجرؤ يومًا على مدّ يده نحوها. فلماذا يبدو الأمر سهلًا إلى هذا الحد بالنسبة لهذه المرأة؟
عقدت غريس حاجبيها في ضيقٍ خفيف.
«إن قلت إن هذا صعب أيضًا، فسيكون الأمر محرجًا.»
هزّت رأسها قليلًا، ونظرتها المائلة كانت أشبه بنظرة تشكّك في شخص غير موثوق. بالنسبة لوالتر، الذي اعتاد أن ينجز كل شيء بإتقانٍ قاتل، بدا الأمر وكأن كفاءته نفسها موضع شك.
«على الأقل، حاول إلى أن نضع ريتشموند في أيدينا. وأنا أيضًا لا أنوي أن أتعامل مع أي شيء باستخفاف.»
كان صوتها الهادئ يخترق أذنه بوضوح. وبعد أن قالت ما تريد، استدارت نحو العربة. تبعها نظره دون وعي.
على مدى الأيام العشرة الماضية، كان يراقب غريس بلا انقطاع.
«يكفي أن تحبّني.»
ظنّ أن ذلك ليس بالأمر الصعب. لكن كلما اقتربوا من ريتشموند، ازداد غموضًا.
كيف أبدو كمن يحبك؟ ولو أحببتك حقًا، كيف سأعاملك؟
ومع تداخل فكرة الحب بغريس، عادت إلى ذاكرته حرارة الشفاه، وملمس الذراعين الرفيعتين الملتفّتين حول عنقه. غاصت نظراته في عمقٍ مظلم.
وأخيرًا، كأنه اتخذ قرارًا، لحق بها. بخطواتٍ واسعة، أمسك معصمها قبل أن تصعد إلى العربة.
«؟!»
شدّها برفق وهي تلتفت بدهشة، ثم أخذ يدها وتقدّم بها. وقبل أن تفهم ما يفعل، ظهر أمامها جوادٌ حربيّ ضخم. اتّسعت عيناها دهشةً، فضحك والتر دون أن يشعر.
سألته غريس، وهي تحدّق فيه بذهول:
«هل تقصد أن أدخل القصر بين ذراعيك؟»
«ألم تطلبي مني أن أحبّك أمام الجميع؟»
«……»
«أم أن هذا… صعب أيضًا؟»
كانت نفس الكلمات التي قالتها له قبل قليل. وحين اتّخذت غريس تعبيرها الهادئ المعتاد، أمال رأسه وقال:
«إذًا، اسمحي لي لحظة.»
رغم كلماته المهذبة، كان فعله حاسمًا؛ رفعها من خصرها بسهولة مذهلة. وفي لمح البصر، وجدت نفسها جالسة على جواده، ثم صعد هو خلفها، محيطًا بها بجسده. أحسّت بقشعريرة تسري في ظهرها وكتفها الملاصقين لصدره، وحتى عند أذنها. وكأنه شعر بتصلّبها، همس:
«استرخي. سيكون الأمر أسهل علينا معًا.»
حدّق الفرسان بأعينٍ تكاد تخرج من محاجرها، ثم أسرعوا إلى امتطاء خيولهم ولحقوا به. أما جيسي، التي تُركت وحدها مع العربة، فنظرت بصمت إلى غريس بين ذراعي والتر. كانت تتوقّع أن تشعر بالمرارة… لكنها فوجئت ببرود إحساسها.
«على الأقل، هذا أفضل من أن أراها تُهان على يد أولئك التافهين.»
تلاشت تمتمتها في الهواء البارد.
● ● ●
ومع مرور الوقت، خفّ توتّر غريس تدريجيًا. العالم من فوق صهوة جواد بدا مختلفًا تمامًا عمّا يُرى من داخل العربة.
بعد الغابة الكثيفة، انبسطت أرضٌ شاسعة. قصر دوق ريتشموند، سيّد الشمال الغربي، كان يقف في قلبها كجزيرة. خندق عميق وواسع يحيط به كالنهر، وأسقفه المدبّبة تشبه شفراتٍ مصقولة، وكأنه حصنٌ وهبه الله مناعة طبيعية.
وعلى الجسر الذي يصل القصر بما حوله، اصطفت الجموع لاستقبال عودة الدوق.
غير أن الشخص الواقف في المقدّمة لم ينحنِ، بل نظر إلى والتر القادم بعنقٍ وظهرٍ مشدودين. والمرأة بجانبه كانت على الحال نفسها. مشهدٌ يشبه استقبال صاحب الدار لضيفه. ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي غريس ووالتر في آنٍ واحد.
مثير للاهتمام. هكذا يكون اللصوص… وقحين إلى هذا الحد.
همست غريس:
«يبدو أنهما المركيز لينكو وزوجته.»
ابتسم والتر ببرود وسألها:
«هل أنتِ مستعدة للقتال، يا غريس؟»
بدلًا من الإجابة، أسندت رأسها إلى صدره المتين، فيما بقيت عيناها مثبتتين على الزوجين فوق الجسر. حتى من بعيد، بدا اتساع أعينهما واضحًا.
ابتسمت بخجلٍ طفيف، وقالت بصوت ثابت كمحاربة قبل المعركة:
التعليقات لهذا الفصل " 15"