وصل خبر عودة دوق ريتشموند، والتر ريتشموند، إلى قلعة الدوق. وفي مكتبه الفخم، دوّى صراخٌ غاضب.
«هل تقول إنهم فشلوا مرةً أخرى؟!!»
كان رجلٌ في منتصف العمر، بلحيةٍ على شكل خطّافٍ مقلوب، يضرب المكتب مرارًا، غير قادر على كبح غضبه.
«على مدى عشر سنوات، كم قاتلًا مأجورًا أرسلنا؟! كم من المال أنفقناه على ثمن رؤوسهم…!»
وبينما كان وجهه يحمرّ ويزرق من شدّة الغضب، نهضت امرأة كانت تشرب الشاي إلى جانبه، وهي تنقر بلسانها امتعاضًا.
«كفى يا عزيزي. لم ينتهِ الأمر بعد.»
«لن يعود لقب الدوق إليّ، أنا هنري لينكو، إلا إذا مات ذاك الوغد!!! لكنه لا يموت!!! كيف تطلبين مني أن أبقى هادئًا؟!»
«كان عمر الدوق ثلاثة عشر عامًا حين ذهب مع فرسانه إلى جدار الموت. وقد مرّ على ذلك عشر سنوات الآن.»
«……»
«آداب المجتمع الأرستقراطي، الحسّ السليم، والوقار الذي يجب أن يتحلّى به الدوق.»
شدّدت المرأة على كلماتها، ثم هزّت كتفيها ولمست شعرها بيدٍ واحدة.
«لم يتعلّم شيئًا منها على الإطلاق. لم يظهر مرةً واحدة في المجتمع الراقي. لم يفعل سوى القتال من أجل البقاء يومًا بعد يوم. فمن بقي إلى جانبه الآن؟»
لمعَت عينا المركيز هنري لينكو وهو يصغي إلى زوجته.
«صحيح…»
«لذا، حتى إن عاد الدوق، من سيسانده؟ باستثناء فرسان لا يجيدون سوى استخدام السيوف، لا يملك أيّ نفوذ. والمهم حقًا هو… من هو المالك الحقيقي الذي حمى قلعة دوق ريتشموند؟»
● ● ●
بعد ملاطفة زوجته له، ظلّ المركيز لينكو يتذمّر ويتمتم طويلًا، ثم قال:
«نعم، هذا القصر لي. بعد أن طردتُ جميع من كانوا يتبعون الدوق السابق بلا استثناء، صار كل من له نفوذ في هذا القصر إلى صفي.»
«حتى أدنى خادمة تقف في صفّنا. والتر ريتشموند لن يتمكّن أبدًا من السيطرة على هذا القصر. سيُعامل الدوق تمامًا كما كانت تُعامل جدّته، ولن يجرؤ على معاداتنا. وحين يحين وقت التخلّص منه، يمكننا أن نعيد النظر في الأمر بهدوء.»
أنهت زوجة المركيز لينكو كلامها بنبرة ناعمة، ثم غادرت المكتب. وفي الممر، كان هناك من ينتظرها: السيدة إسحاق، خادمة الدوقة الكبرى.
«سيدتي المركيزة.»
لكن المركيزة رمقتها بنظرة استياء، ومضت دون أن تردّ. تلألأ الغضب في عيني السيدة إسحاق.
«كيف تجرؤين على معاملة الدوقة الكبرى بهذه الطريقة؟!»
توقّفت المركيزة التي كانت تبتعد، ثم استدارت واقتربت. جمعت يديها بهدوء، وابتسمت ابتسامة لطيفة.
«وما الذي فعلتُه حتى تتكلّمي هكذا؟»
«تسحبين خادمات الملحق واحدة تلو الأخرى، والآن وصلتِ إلى حدّ تقليل الحطب أيضًا؟!»
«يا للعجب. وهل قالت الدوقة الكبرى إنها تشعر بالبرد، يا سيدة إسحاق؟»
أمام هذا السؤال الوقح، انفجرت السيدة إسحاق غضبًا في النهاية.
«اذهبي وانظري بنفسكِ كم هو بارد ذلك الملحق!!»
أطلقت المركيزة ضحكة منخفضة، ثم ضحكت الخادمات الواقفات خلفها دفعة واحدة. وبعد أن كفّت عن الضحك، ارتسمت على وجهها ملامح جدّية.
«الشتاء على الأبواب، أليس كذلك؟ حتى أنا أحرص على توفير جذع حطب واحد. بلّغي الدوقة الكبرى أن تتحمّل قليلًا من أجل العائلة. عندها فقط يمكننا أن نمضي الشتاء القارس بدفء، أليس كذلك؟»
أن يقال إن بيت دوق ريتشموند يعجز عن توفير جذع حطب واحد… عذر لا يصدّقه حتى طفل. ربّتت المركيزة على كتف السيدة إسحاق بحنوّ مصطنع، ثم ابتعدت بخطوات وادعة. كانت ثرثرة الخادمات خلفها تُسمع كالسخرية.
أغمضت السيدة إسحاق عينيها بإحكام وأطلقت زفرة بائسة. كان صدرها مختنقًا كأن شيئًا عالق في فؤادها، وجسدها مثقلًا كأنه امتصّ ماءً. وتفاقم شعورها بالخراب ما إن دخلت الملحق.
كان الملحق المهمل كأطلال قصر ملكيّ لدولة ساقطة؛ موحشًا، خاليًا، حزينًا. حتى مجد من تقيم فيه كان قد بهت ونُسي.
إليزا ريتشموند.
هي جدّة دوق ريتشموند والتر، أخت الإمبراطور الراحل، وعمّة الإمبراطور الحالي فينوس الذي يرقد مريضًا. لذلك كان لقبها الرسمي «الدوقة الكبرى لريتشموند»، لكن الناس كانوا يسمّونها يومًا «ملكة ريتشموند». فلم تكن في الإمبراطورية امرأة تحمل ألقابًا براقة مثلها.
غير أن مسكنها، على عكس تلك الأسماء اللامعة، كان مظلمًا، باردًا، وكئيبًا، كأنه جناح من دير. وكانت هي، المنعزلة في داخله، أشبه بإنسانة تموت ببطء. ذراعاها النحيلتان كالأخشاب اليابسة، وعنقها الغائر مع كل نفس مليء بتجاعيد جافة.
في زمنٍ مضى، جاء كثيرون يتوسّلون إليها. ترجّوها أن تحمي بيت دوق ريتشموند من زوجَي المركيز لينكو اللذين كانا يبتلعان العائلة. لكن إليزا لم تستطع حتى النهوض. وحتى حين كان الزوجان يسلبان صلاحياتها واحدة تلو الأخرى، لم تشعر بالغضب.
«ما جدوى العائلة… وما جدوى الشرف أصلًا…»
لم يكن دوق ريتشموند والتر حفيد إليزا الحقيقي. حفيدها الذي أحبّته حقًا مات. مات مع والديه. الابن والكنّة، والحفيد الذي كانت تحبّه حبًّا لا يُحتمل… بعدما ودّعتهم جميعًا، لم يبقَ للعجوز سوى يأسٍ أسود قاتم.
في أحد الأيام، حين انتشرت شائعات مقلقة كضباب الماء عن أن عقل الإمبراطور لم يعد سليمًا
«أمّي، أرجوكِ اعتني بوليّ العهد.»
ترك ابنها وليّ العهد، الذي كان في عمر حفيدها، في رعايتها، وأخذ حفيدها إلى القصر الإمبراطوري. ولأن دم العائلة الإمبراطورية يجري في عروقهما، كان الطفلان متشابهين منذ الصغر، حتى إن تبديل ملابسهما كان يجعل من الصعب تمييز من هو الدوق الصغير ومن هو وليّ العهد.
«سأعود سريعًا، يا جدّتي!»
لكن خلافًا لذلك الوداع، لم يعد الطفل أبدًا، لا حيًّا ولا ميتًا، إلى حضن إليزا. أقامت الإمبراطورة جنازة حفيدها، ووُضع الدوق الصغير في تابوت حجري يحمل اسم وليّ العهد، ودُفن في ضريح القصر الإمبراطوري تحت الأرض. أما ما تسلّمته إليزا، فلم يكن سوى رماد ابنيها.
حين فكّرت في مدى الحرارة والرعب اللذين لا بد أن ذاك الطفل الصغير قد عانى منهما، اختنق نَفَسها. حدّقت إليزا بعينين مطفأتين في الفراغ.
«يا دوقة كبرى، يُقال إن الدوق في طريق عودته.»
«……»
«ألا تودّين الاستعداد لاستقباله؟»
«أشعر بالنعاس.»
«عندما يعود سموّه، لن يجرؤ زوجا المركيز لينكو على…»
«لا يهم.»
«……»
«لا يهم.»
من يسيطر على هذه العائلة أو لا… لم تعد تريد أن تهتم بأي شيء.
أغمضت إليزا عينيها. لم يكن هناك سوى نعاسٍ كثيف يتدفّق.
● ● ●
في هذه الأثناء، كانت جيسي، التي نفّذت أوامر غريس ثم لحقت بالموكب، تحكّ رأسها وهي تفكّر.
ما الذي حدث بحقّ السماء خلال عشرة أيام فقط؟
«هذه الثمرة رائحتها رائعة! سيكون من الجيد وضعها في العربة!»
«ألا ترون أن الزهور معها أفضل؟ كانت متفتّحة بكثرة في الطريق فقطفتُ بعضها!»
«آنستي، ماذا عن جرح ذراعك؟ هذا مرهم خاص صنعته عائلتنا…»
«أليس هذا مجرد خلط أعشاب عشوائي من عندك؟!»
«إن كنت لا تعرف، فاصمت! أنا أعرف طريقة التحضير!»
حين تجمّع الفرسان ذوو الملامح المخيفة أمام العربة وارتفعت أصواتهم، شقّ أندرو طريقه بينهم ولوّح بيديه.
«آه، بحقّكم، ما هذه الفوضى؟! ألن تُفزعوا الآنسة؟!»
«هاه؟ انظروا إلى هذا الفتى؟»
«هذه الكلمات! لا تليق بأن تسمعها الآنسة!»
«……»
«قائد الفصيلة الأولى، بصراحة، ذلك المرهم… أليس خليطًا من أي شيء خطر ببالك؟ خذه معك! وتلك الثمرة أيضًا! تسعة من كل عشرة يعطسون إن أكلوها!! هذه الزهور فقط سأقدّمها للآنسة.»
وقف أندرو متجهّمًا كحارس بوابة، محدّقًا بعيونٍ غاضبة في أولئك الشيوخ الذين هم كالسماء فوقه. همس بعض الفرسان، وهم يراقبون المشهد، إلى الابن الأكبر والثاني لأسرة الكونت إسحاق:
«يبدو أن أصغر أبناء الكونت إسحاق ينوي التحوّل إلى خادم خاص للآنسة.»
لكن شقيقي أندرو اكتفيا بهزّ أكتافهما.
«أنتم تكثرون من الهدايا، حتى إني لا أعرف أين أضع نفسي.»
ابتسمت غريس ببهجة وهي تضمّ باقة الزهور إلى صدرها. نظر إليها الفرسان الذين كانوا يعيدون ترتيب أمتعتهم من حين لآخر.
مرّ ما يقارب عشرة أيام منذ انطلقت الرحلة إلى ريتشموند. وبطبيعتهم، حاول الفرسان كبح ألفاظهم الخشنة التي اعتادوا تبادلها في خطوط الموت حيث تعجّ الوحوش. صحيح أن الأمر لم يكن مجديًا كثيرًا، لكن أندرو الصغير كان يحدّق فيهم بعينين حادتين في كل مكان، كما أن الفرسان أنفسهم بذلوا جهدًا طوعيًا.
حكّ سيريوس أذنه وتمتم:
«أن تكون خادمًا للآنسة أفضل من أن تكون فارسًا تافهًا عمره يُعدّ بالأيام.»
في تلك اللحظة، شكرت غريس الفارس الذي قطف الزهور.
«الفارس جيون، رائحتها جميلة حقًا. شكرًا لك.»
«آه، لا، لا!»
كانت لا تنسى اسمًا تسمعه مرة واحدة، فلا تخطئ في مناداة أحد، رغم تشابه وجوه الفرسان.
«الفارس إسحاق، أعطني المرهم والثمار أيضًا.»
وحين طلبت غريس الهدايا التي أوقفها أندرو، لوّح الفرسان الذين جلبوها بأيديهم رافضين.
«آه، لا! كان تفكيرنا سطحيًا!»
«كل هدية تُفرحني. شكرًا لكم.»
وبعد أن وضعت غريس المرهم والثمار داخل العربة، هزّت جيسي، التي التحقت بالموكب بعد تنفيذ أوامر الآنسة، رأسها يمنة ويسرة وهي تنظر إلى التكدّس الهائل من شتى أنواع الأغراض وكان ذلك حرفيًا.
كلما توقّفت العربة قليلًا، جلب الفرسان طعامًا، وأغطية، وأشياء شتى يرونها مسلّية، وتفقّدوا بعناية إن كانت غريس غير مرتاحة في شيء. لكنهم، بحكم كونهم أبناء ساحات القتال لا الصالونات، لم يكن فيهم أحد يمكن وصفه بنبيل حقيقي، مهما حاولت تجميل الصورة باستثناء شخص واحد فقط: والتر.
كما ألقت جيسي نظرة على ظهر والتر، كانت غريس تنظر إليه أيضًا. كلما رفرف طرف عباءته الثقيلة، اهتزّ شعره معها. وعلى عكس معظم الفرسان الذين كانوا يدورون حولها بتحفّظ، لم يكلّمها والتر كلمة واحدة طوال الطريق.
«انتظري هنا قليلًا، جيسي.»
عدّلت غريس شعرها ثم نزلت من العربة. فتح الفرسان، الذين كانوا يقفون بلا نظام، طريقًا يتماشى مع خطواتها.
كانت الريح التي مرّت بجانب والتر تحمل رائحة خشب بارد. وحين شعر باقترابها، استدار، فابتسمت له غريس ابتسامة لطيفة. تعمّق بريق عينيه.
أهو تمثيل أم عادة؟ كانت غريس تايلور بارعة في الابتسام. له، ولرجاله.
«سأكسب أولًا قلوب فرسان ريتشموند.»
كيف لنبيلة ثمينة لم تمسك سيفًا قط أن تكسب قلوب الفرسان؟ كان والتر متشككًا.
لكن قبل أن يصلوا حتى إلى الدوقية، كان خمسمئة فارسٍ شرسٍ قد فتحوا قلوبهم لغريس. كانوا يتوافدون إليها واحدًا تلو الآخر، ككلاب تهزّ ذيولها أمام سيدها، حتى إنهم كانوا يقطفون ثمارًا غريبة بدعوى أنها هدايا. عندها، لم يجد سوى أن يبتسم ساخرًا.
تمتم والتر بابتسامة مريرة:
«قلوب خفيفة… كأوراق الورق.»
لم يكن ذلك غيرة، بل دهشة حقيقية لا أكثر.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 14"