كان الصبي يحتضن غريس بإحكام يكاد يدعو للاعتذار. حتى وهما يتدحرجان متشابكين في فوضى تامة، كان يعانقها بعنادٍ شرس، كأنه يرفض أن يتركها مهما حدث، ولذلك لم تفقد غريس وعيها.
وبعد حين، توقّف العالم الذي كان يدور بها. نهضت بكل ما تبقّى لديها من قوة، لكن أندرو كان مترهل الجسد، بلا حراك. أسرعت غريس تتحسّس نبضه.
أرجوك… أرجوك.
«هاه…»
ما إن شعرت بنبضٍ واضح تحت أطراف أصابعها حتى خرجت منها زفرة طويلة دون وعي. غير أن الاطمئنان لم يدم طويلًا.
كْررررر…
عواء وحشي مشبع بالقتل ارتفع من خلفها، فانتفض شعر جسدها كله. حبست غريس أنفاسها واستدارت ببطء. بين ظلال الأشجار العارية، كانت عينا الوحش تلمعان بوميضٍ مرعب.
نهضت غريس سريعًا وواجهته. سال العرق البارد على طول عمودها الفقري.
في تلك اللحظة، تردّد صوت أحدهم وهو ينزل المنحدر صارخًا:
«تراجعي!!!»
كلما تراجعت خطوة، تقدّم هو خطوة. تحت ضوء القمر، بدت أنيابه كأنها ستنهشها في أية لحظة. لا يزال بينهما بعض المسافة، لكنها لا تعني شيئًا لمخلوقٍ رباعيّ الأرجل.
شعرت بجسد أندرو عند كعبيها. إن تراجعت أكثر، فالصبي ميّت لا محالة.
ألقت غريس نظرة سريعة تبحث عن سلاح. لم تجد سيفًا، لكنّها رأت سهامًا. راقبت الذئب وهي تخفض جسدها ببطء، فخفض هو جسده بدوره.
كاد قلبها ينفجر من شدّة الخفقان، وتسارع نفسها بعنف. التقطت القوس والسهم بسرعة ونهضت، مستحضرةً تعاليم معلمها، ووضعت السهم على الوتر بسرعة البرق.
في اللحظة التي اتّجه فيها رأس السهم نحو الويرذئب، اندفع الوحش. رغبت في إطلاق الوتر فورًا وهو يقترب، لكنها عضّت على أسنانها وصمدت.
تردّد صوت المعلّم في رأسها:
«الصيد… مسألة توقيت.»
قليلًا بعد.
اقترب أكثر.
وعندما دخل أخيرًا مدى الرمي، انطلق سهم غريس شاقًّا الهواء.
أصاب السهم الساق الأمامية للوحش، لكنه لم يكن كافيًا لقتل ذئبٍ عملاق. التوى المخلوق من الألم، ثم اندفع نحوها بوحشية أعنف.
ورغم ذلك، ظلّت غريس هادئة وهي تجهّز السهم التالي. كانت أنيابه الحادّة على مسافةٍ قريبة، لكنها لم تتراجع. لم يكن هناك مكان للتراجع أصلًا. هذه المرة، صوبت إلى عنقه.
حين لم يبقَ بينهما سوى أقل من ثلاثة أمتار، أطلقت غريس السهم الثاني. لكن السهم أخطأ العنق وأصاب ظهره.
لم تستسلم. جهّزت سهمًا آخر، غير أن شدّ الوتر القاسي مرارًا جعل ذراعها اليمنى ترتجف بوضوح. رائحة الذئب الكريهة المحمولة مع الريح خَدّرت أنفها، وصوت أقدامه وهو يضرب الأرض الجافة اقترب بشكلٍ مخيف. ومع اقتراب الموت حتميًا، تراءت لها عربة والديها المحترقة، سوداء، كطيفٍ يلوح أمام عينيها.
«لا… تماسكي!»
ومع ذلك، لم تستطع إيقاف ارتجاف يدها اليمنى. هل تطلق الوتر الآن؟ وبينما كان اليأس يندفع بقوة
شعرت فجأة بدفءٍ لا يُصدّق، وجسدٍ ضخمٍ وصلبٍ يلتصق بها من الخلف. غطّت يدٌ كبيرة يدها اليمنى التي كانت بالكاد تشدّ الوتر، وجذبت الوتر بقوةٍ حاسمة بدلًا عنها.
اختفى طيف العربة المحترقة، ورأت عنق الوحش وهو يقفز، مصطفًا تمامًا مع رأس السهم.
اندفع النفس الذي كانت تحبسه دفعةً واحدة. وبعد أن التقطت أنفاسها طويلًا، رفعت رأسها. كان والتر ينظر إليها. خلف ظهره، كان القمر الأصفر الفاقع يشعّ بحضورٍ غريب، لكن غريس لم تستطع أن تزيح عينيها عن الرجل الذي كان يتأمّلها بصمت.
ظلّ صامتًا للحظة، بوجهٍ لا يُقرأ، ثم أدارها دون كلمة. ضغط بكفه على ظهرها بقوةٍ خاطفة، ثم أبعدها.
«……؟»
«يبدو أن مخالب الغرغول اخترقت العباءة فقط، لحسن الحظ.»
وقبل أن تجد فرصة للرد، رفع كمّ ذراعها اليسرى. كان الدم قد تجمّع على ساعدها حيث مرّ الوتر القاسي.
عندها فقط تذكّرت غريس أندرو. استدارت على عجل، فرأت فارسين يقفان خلف والتر يتفقدان الصبي.
«أيها الوغد، انهض!»
رغم قسوة الكلمات، كانت الأيدي التي تسنده حذرة.
«هل هو بخير؟»
سألت غريس وهي تقترب، فأجاب سيريوس، الذي كان قد التقط سهام أخيه:
«لا تقلقي. هذا لا شيء.»
«لكنه فاقد الوعي…»
«شكرًا لكِ.»
«……»
في اللحظة التي ظهر فيها الذئب، أيقن سيريوس أن أخاه سيموت. لو تراجعت غريس خطوة واحدة، لكان أندرو قد قُتل.
لكن على نحوٍ لا يُصدّق، لم تتراجع. وقفت كأنها درعٌ أمام أندرو، وواجهت وحشًا يفوق حجمها أضعافًا بسهمٍ وقوس. حتى الفرسان المخضرمون ترتجف رُكبهم أمام مخلوقٍ كهذا، أما النبيلة الرقيقة، فقد صمدت حتى النهاية وأطلقت سهمها في الوقت المناسب.
كثير من الفرسان رأوا ذلك المشهد. لم يبقَ أحد يتساءل كيف تجيد ابنة تايلور استخدام القوس. المهم أنها حمت أندرو وقتلت الذئب.
انحنى سيريوس مرةً أخرى لها باحترام، ثم حمل أندرو على ظهره بنفسه. تسلّق هذا المنحدر سيكون صعبًا حتى على النبيلة، لكنه ألقى نظرةً خاطفة على من يقف خلفها، وفكّر:
سيتكفّل بالأمر.
أما غريس، فكانت قلقة على أندرو المتهالك، وفي الوقت نفسه غارقة في التفكير العملي: كيف ستصعد؟ وكأن صوتها الداخلي قد سُمِع، إذ جاءها صوتٌ منخفض من الخلف:
«هل تستطيعين الصعود؟»
مجرد وقوف والتر خلفها كان كافيًا ليحجب الريح. عضّت غريس على شفتها وزفرت زفرةً صغيرة. ماذا تفعل؟ وبينما كانت تفكّر، انعكس ضوء القمر على ظهر أندرو المحمول على كتفي أخيه. عندها، اتخذت غريس قرارًا صغيرًا.
في المقابل، كان والتر يفكّر كيف سيصعد بنبيلةٍ لا تبدو مصابة بجروحٍ كبيرة، لكنها بلا شك مليئة بالكدمات… فتجمّد فجأة.
استدارت غريس، وبسطت ذراعيها قليلًا نحوه، كما لو كانت تطلب أن يحملها.
«……»
أمال والتر رأسه بعينين نصف مغمضتين، فعضّت غريس شفتها لحظة ثم قالت بهدوء:
«قلتَ إنك لا تنوي الاكتفاء بالتمثيل، أليس كذلك؟»
لا بد أنها خططت لهذا منذ زمنٍ طويل. وإلا، لما استطاعت أن تطلب أمرًا كهذا بكل هذا الهدوء.
هزّ والتر رأسه بخفّة، لكنه انحنى في النهاية. التفّت ذراعاها النحيلتان حول عنقه دون تردّد. مع اقتراب المسافة فجأة، حبس والتر أنفاسه لوهلة، ثم أسند فخذها بذراعه اليسرى. انتقلت حرارة دافئة بين جسديهما المتلاصقين.
«تمسّكي جيدًا.»
«شكرًا لك.»
الهمسة التي لامست أذنه جعلت قشعريرة خفيفة تسري في جسده. هدّأ والتر اضطراب صدره وبدأ يصعد المنحدر الوعر كأنه أرضٌ مستوية. كانت الرياح القادمة من الأعلى تصفع وجهه بحدّة، لكن جسده الصلب لم يهتز قيد أنملة.
بين ذراعيه، نظرت غريس إلى السفح الذي يبتعد تحتها. كان الموقف مروّعًا، ومع ذلك… شعرت بالطمأنينة فقط. لأنها كانت متيقّنة أن هذا الرجل لن يتركها أبدًا تسقط.
أدارت رأسها ببطء ونظرت إلى أعلى المنحدر.
خمسمئة فارس، اشتدّوا عبر عشر سنوات من مواجهة الموت، أقوى من أيٍّ كان في الإمبراطورية، كانوا ينظرون إليها. ولم يكن هناك أدنى شك في أن أعينهم كانت تحمل احترامًا ومودّة تجاه النبيلة الشجاعة.
التعليقات لهذا الفصل " 13"