توجّهت عيون خمسمئة فارسٍ دفعةً واحدة إلى نقطةٍ واحدة. رؤوسٌ محلوقة بإحكام، وندوبٌ كبيرة وصغيرة اكتُسبت وهم يتأرجحون بين الحياة والموت، ونظراتٌ مسمومة حادّة لا يمتلكها إلا من قاتل بجنون ليبقى حيًّا، وأصواتٌ أجشّة، وأجسادٌ ضخمة كالسلاسل الجبلية.
«يا إلهي، شكرًا لكم.»
وفيما كان الفرسان الأقدم سنًا يكتسبون وحيًا جديدًا مفاده أن «التعجّب قد لا يكون شتيمة»، كان أندرو، الذي قدّم الماء لغريس، يومئ برأسه وقد احمرّ وجهه خجلًا.
أندرو، الذي لم يُكمل بعد عامه السابع عشر، كان أصغر أبناء أسرة المركيز إسحاق، ولم ينضم إلى فرسان النظام إلا مؤخرًا، مقتديًا بإخوته الكبار. وقد قال جوزيف، وهو يضحك: «بدل أولئك الذين قد تراهم في كوابيسك، هذا الفتى المهذّب أنسب لعينَي الآنسة»، فأجلسه مكان السائق بدلًا منه. وكانت المهمات الصغيرة إضافةً جانبية.
«يا سيدي، ماذا لو أُغمي على الآنسة من كثرة ما تُحدّقون بها؟»
قالها جوزيف وهو يمضغ لحمًا مقددًا، فرفع والتر، الذي كان يتناول طعامه، نظره.
كانت ملامح غريس مشرقة. من المفترض أن يكون سيل الاهتمام المنهمر كالمطر الغزير مُرهقًا، لكنها بدت غير مبالية تمامًا.
«اللحم المقدد كثير. سآخذ نصفه فقط، وتناول الباقي أنت يا سيدي.»
«آه، لا، لا!»
كان الفارس الصغير، المعتاد على معاملة غير إنسانية من كبار الفرسان، في حيرةٍ من أمره أمام اقتراح النبيلة اللطيف والمُهذّب.
«يمكنك الاحتفاظ به للغد، أو توزيعه على الآخرين. لقد تعبتَ طوال اليوم في قيادة العربة. أن يقوم فارس من بيت دوق ريتشموند بدور سائق… أنا آسفة.»
«لا، لا أبدًا! أنا أحب قيادة العربة!!»
دوّى صوت أندرو الجهوري في الجبال المظلمة. انفجر بعضهم ضاحكًا، بينما قطّب آخرون حواجبهم، كأنهم نسوا أنهم في الجبال.
«هذا الأحمق… يحتاج إلى تدريبٍ إضافي.»
حين ضحكت غريس بخفّة ودخلت العربة، أغمض أندرو عينيه بإحكام. لم يكن بحاجة لأن يُخبره أحد؛ خمسمئة زوجٍ من العيون كانت تنغرس في ظهره كالسّهام.
أرجوكم… لا تفتحوا أفواهكم.
لكن دعاء الفارس الصغير تحطّم بلا رحمة على صوت أخيه الثاني، سيريوس.
«لم أكن أعلم أن أندِي يحب قيادة العربات؟»
وما إن فتح أحد أفراد الدم الباب، حتى بدأ التشريح الجماعي كما لو كانوا بانتظار الإشارة.
«أندي! لا يوجد لدينا سائق! تعال إلى بيتنا حين نعود!!»
«مهلًا! بيتنا أولًا! هناك ترتيب، أليس كذلك؟»
«وأجره يُرسل إلى العائلة! لا يمكننا استعارة أصغرنا اللطيف مجانًا!!»
طأطأ أندرو رأسه وأطبق شفتيه بقوة. بعد خدمة تلك النبيلة الأنيقة، والآن مواجهة هؤلاء البشر… كلمات نبلاء العاصمة الذين كانوا يثرثرون قد خطرت له تلقائيًا.
على أي حال، الفرسان عديمو التهذيب.
حتى جوزيف كان يضحك ضحكًا مكتومًا على المشهد، لكن والتر سكب عليه ماءً باردًا بصوته الكسول.
«غيرك قد يضحك، لكن أنت، يا جوزيف، الذي كان حلمه أن يصبح سائقًا… لا يحق لك ذلك، أليس كذلك؟» م.م: 🤣🤣🤣🤣
«آه، يا سيدي…»
في تلك اللحظة، أرسلت فرقة الاستطلاع إشارةً يدوية من قلب الظلام.
[الشمال الغربي. العدد يقارب المئة.]
تغيّرت ملامح الفرسان الذين كانوا يتبادلون النكات في لحظة. شرب والتر الماء بهدوء، ثم أومأ بعينيه إلى جوزيف.
«اذهب.»
«سأُنهي الأمر دون إصدار صوت.»
ما إن نهض جوزيف، حتى نهض معه، وكأنهم على موعدٍ مسبق، قرابة خمسين فارسًا من رجاله. غادروا دون أن يُصدروا حتى صوت وطء العشب، لكن من بقوا لم يتغيّر حتى نَفَسهم. كان مشهدًا يعكس ثقةً مطلقة بالرفاق.
«حمقى. جاؤوا بمئة فقط.»
تلاشى صوت أحدهم بين الريح، وكأنها كذبة، حين شعروا باهتزازٍ ثقيل من تحت أقدامهم.
دوم، دوم.
تغيّر بريق عيني والتر الذي كان هادئًا، وفي اللحظة نفسها تحرّك جميع فرسان النظام المتبقّين بانضباطٍ تام. ابتلع أندرو ريقه، والتصق بالعربة التي تقلّ النبيلة.
حتى شيطانٌ زاحف من الجحيم كان سيتراجع أمام تلك الهالة القاتلة التي جعلت برودة الليل أشد قسوة. بدا الاهتزاز القادم من بعيد وكأنه يندفع فجأة، ثم بدأ عواءٌ مرعب يشقّ الظلام.
سحب الفرسان أسلحتهم في آنٍ واحد، وتقدّم والتر بخطواتٍ واسعة نحو العربة وفتح بابها بعنف.
كانت غريس جالسةً باستقامة، بلا أي مظهرٍ للذعر. لا بد أنها كانت تراقب الوضع في الخارج.
«اتبعي تعليمات أندرو. لا تخافي.»
«حسنًا.»
«ستنتهي بسرعة.»
انكسرت السكينة، وبدأت أصوات الموت تتردّد من كل الجهات. اشتد صليل الشفرات، وكأن القتال بين رجال جوزيف والقتلة قد بدأ، واقتربت خطواتٌ ثقيلة تهزّ الأرض لحظةً بعد أخرى. وفي الوقت نفسه، انهمرت أصوات مخلوقاتٍ رباعية الأرجل تنحدر من الجبال كالمطر.
حين اختفى والتر بين الفرسان، مدّ أندرو يده إليها على عجل. كانت الوحوش تميل إلى استهداف الأشياء الضخمة كالعربات أولًا.
«ارتدي الغطاء وانزلي!»
تحرّكت غريس بسرعة. وما إن نزلت من العربة حتى دوّى صراخ ذئبٍ لفظ أنفاسه الأخيرة تحت سيوف الفرسان. بدا المترصدون، المنعكس على ضوء المشاعل، قبيحًا مشوّهًا، وكان العواء الذي يهدف إلى تشتيت العدو كافيًا لسلب العقول.
في تلك الليلة الحالكة، وفي ذلك المكان الوعر، وحتى وهي تواجه المترصدين والذئاب، لم تسأل غريس أسئلة لا داعي لها، ولم تصرخ هلعًا. بل على العكس، فتحت عينيها على اتساعهما، تراقب فرسان النظام وهم يجوبون ساحة المعركة.
كانوا رجالًا صمدوا عشر سنواتٍ كاملة في «جدار الموت» الذي لا يصمد فيه أحد أكثر من عام. وبين محاربين عظامٍ كهؤلاء، لم يكن من الصعب تمييز من هو القائد.
كان حضور والتر يبتلع حتى الصوت. حيثما مرّ، لم يبقَ شيء، ولم يكن بالإمكان حتى تخمين كيف يقاتل. بدا كإله حربٍ يرقص بسيفه، مشهدًا طاغيًا إلى درجة أن غريس وجدت نفسها تحدّق فيه بلا وعي.
في تلك اللحظة، هبّت ريحٌ عاتية. قبل أن تتمكّن غريس من الإمساك بغطائها، انزلق عن رأسها، وانسدل شعرها الأشقر الباهر ليخطّ الظلام.
«أندي!!! فوقك!!!»
مع الصرخة، لوّح أندرو بسيفه انعكاسيًا نحو الهواء. لكن الغرغول، الذي بدا كالنسر، كان أسرع، إذ خطف غريس بمخالبه. يبدو أن الشعر الأشقر اللامع قد جذب عينيه، فهو مولع بكل ما يلمع.
«آنسة غريس!!!»
حين أنهى والتر قطع رأس ذئبٍ آخر، واستدار مذعورًا، كانت غريس معلّقةً بخطورة في مخالب الغرغول.
لم يفكّر والتر لحظة؛ اندفع نحوها.
لكن أندرو، الذي كان أقرب، كان أسرع. وكأنه يحاول التكفير عن خطئه، ألقى بنفسه ولوّح بسيفه، فقطع جناح الغرغول. أطلق الوحش صرخةً مروّعة، وتخبّط قبل أن يُفلت غريس.
المشكلة كانت أن ذلك المكان… كان فوق منحدرٍ مباشرة.
«لاااا!!»
ألقى الفارس الصغير سيفه، وقفز بجسده نحو النبيلة الساقطة. وعندما وصل والتر راكضًا كالمجنون، كان الأوان قد فات؛ فقد اختفى أندرو وغريس معًا تحت حافة المنحدر.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 12"