𓆟 الفصل 9 𓆝
كان كلام الرجل من النوع الذي يصعب فهمه.
الثروة، الشرف، الرفاه… كانت كلها بالنسبة إلى ليلى بلا قيمة تُذكَر، وهذا طبيعي؛ فهي لم تعش يومًا حياة تعرف فيها معنى المال أو كيفية إنفاقه، ولا تعرف كيف تستغل المكانة لفرض نفوذٍ على أحد.
كانت تظن أن الأصلح لها هو أن تعمل تحت أوامر الآخرين، تمامًا كما اعتادت.
لكن رجلًا تراه لأول مرة اليوم يعرض عليها صفقة، يقول إنه يريدها، ويمنحها فرصة للعيش من جديد مقابل أن تضع “كل ما تملك” رهنًا لديه.
“شريرة…”
تمتمت ليلى بالكلمة الغريبة وهي تخرجها من بين شفتيها.
لم تكن تجهل معناها، لكنها بدت بعيدة عنها حدّ النفور.
فهي تعلم جيدًا أن هذا الوصف لا يشبهها، ولذلك حتى مع كل ما عرضه الرجل شعرت برفض خفيف يسري في صدرها.
وربما لأن الرجل بدا ممن يملكون الكثير… فقد ظلّ أثر تلك النظرة الواثقة التي تطلّب فيها وجودها بجانبه عالقًا في ذهنها.
حدّقت في الباب الذي خرج منه وهو يغلق خلفه.
“ما عليكِ فعله بسيط. فقط أبعدي امرأة واحدة من جانبي.”
“…امرأة؟“
“نعم. هل سمعتِ بـ دافيرا كلاوديا؟“
“…لا.”
“لم أتوقع وجود أحدٍ لا يعرف اسمها. حسنًا… هذا جديد. يبدو أنك عشتِ معزولة جدًّا.”
“…….”
“عذرًا، لم أقصد اللوم. لا حاجة لكل هذا الانكماش.”
“ن–نعم.”
“على أي حال، لن تحتاجي لفعل أي شيء خاص. وجودك وحده سيجعل منك شريرةً في نظرها.”
رجل يبتسم باستمرار. بلا أي أثرٍ للقلق—على عكسها تمامًا.
“أوه، نسيت أن أعرّف بنفسي. أنا كايلان بلاسكي من دوقية ليانتون. هذا اسمي وهذا ما يثبت مصداقيتي. ويمكنني أن أؤكد أنني أملك من المال والأرض ما يوازي ما لدى الكونت. وبالطبع… حين ينتهي عقدنا، سأدفع لكِ ثمنه كاملًا.”
“…….”
“أحسنتِ. يبدو أن اسمي ليس غريبًا عليكِ، وهذا سيسهّل الحديث.”
“……..”
“كم تريدين؟“
“ماذا؟“
“ثمنك.”
ارتجفت شفتاها ولم تنطق.
“من حقك أن تطلبي مقابلًا عادلًا نظير الصفقة.”
“لكن… هذا…”
“تحتاجين وقتًا؟ إن تأخّر قرارك سيصعّب الأمور عليّ. حسنًا… سأعود بعد ساعة.”
كانت كلّ المحادثة كأنها دوّامة جرفتها دون إرادتها.
بدا الرجل واثقًا تمام الثقة بأنها ستقبل.
‘وهل هذا غريب؟‘
ارتسمت ابتسامة مرّة على شفتي ليلى.
‘ليس لدي… مكان أذهب إليه.’
كانت حياتها التي بنتها حتى الآن هشةً وتافهة لدرجة أنه استطاع إدراك حقيقتها منذ النظرة الأولى.
لمست أطراف كمّها الممزق.
بدا القماش الضعيف الذي يكاد يتمزق عند أقل شدّة صورةً طبق الأصل عنها.
‘هل… أمدّ يدي؟‘
حتى إن كان الرجل ذا مقام رفيع… لم تستطع أن تطمئن.
فهو أيضًا، شأنه شأن الكونت ألمار، يريد شراءها.
لكن على الأقل بخلاف سابرينا، لم يحاول إخفاء نواياه أو خداعها.
كانت ثقته الفائضة واضحة في عينيه.
“لستُ أدري…”
همست بصوت واهن في الغرفة الساكنة، ثم تركت الزمن ينساب أمامها فيما أخفت وجهها بين يديها.
* * *
“باين.”
ما إن نزل كايلان إلى الطابق الأول حتى نادى أحد خدمه الذين كانوا يتحدثون مع رفاقه.
“هل ناديتني يا سيدي؟“
جاء باين مسرعًا، فخفض كايلان صوته وسأله:
“هل وصلتنا أخبار من أولان؟“
“نعم. يقول إن الناقل اختفى قرب مجرى نهر أوندوس العلوي. التيار هناك شديد، ولا يمكن الإبحار بسهولة. فتشوا البيوت القريبة ولم يعثروا على شيء. هل نسحب رجالنا؟“
كان هذا تقريرًا عن أحد رجال “غوست” الذين كانوا يهرّبون الفتيات.
انتظر باين قرار قائده وهو يرمقه بنظرة يصعب قراءة ما خلفها.
[ غوست هو نفسه الشبح جونارد بس انا بخليها غوست دام مكتوب كذا ]
“لا. أخبره أن يرسل مزيدًا من الرجال. ليتحسّسوا كل المنازل القريبة من مجرى النهر سرًا.”
“حتى مع أنه لا دلائل على ركوب قارب؟“
“لا يمكن الجزم قبل التأكد. ليتتبعوا المجرى، وإن ظهرت أي علامة… فليبلغوني.”
“حاضر.”
جلس باين إلى جوار كايلان الذي سحب كرسيًا ووضع كأسًا أمامه.
رفع عينيه إلى الطابق الثاني ثم سأل بفضول:
“هل تلك المرأة أيضًا هدف لـغوست؟“
كان فضوله مفهومًا؛ فالدوق الذي قال إنه سيعود ليراقب الوضع في قصر الكونت عاد ومعه فتاة جميلة على غير المتوقع.
“ربما.”
ردّ كايلان باختصار، ثم صب لنفسه رمًّا رخيصًا وأسقاه حلقه.
تجعّد وجهه قليلًا، ليس من طعم الشراب، بل من صورة المرأة المرتبكة التي خطرت بباله فجأة.
انطفأت حرارة ثقته السابقة بسرعة، وتسللت إليه بعض الندم.
كان يسأل نفسه إن كان قد استعجل أكثر من اللازم.
وابتلع رشفة أخرى.
لم يندم على الصفقة، لكنه شعر بضيقٍ خفي لا يعرف سببه.
“وما الذي تنوي فعله بها؟“
“بماذا تقصد؟“
“بتلك المرأة. هل تنوي إخفاءها؟“
كان من الواضح أن باين فكّر في الأمر جيدًا. فسيده لم يكن من نوع الأشخاص الذين يقدمون معروفًا بلا مقابل.
كان هذا طبيعيًا.
لكن كايلان تجاهل نظراته المترقبة وقال ببرود:
“سنرى.”
فقد أصبحت الكرة الآن في ملعب المرأة.
إن أمسكت بيده أو تركتها… فالأمر لم يعد بيده.
كان يأمل أن تُبرم الصفقة، لكن حتى لو لم يحدث… لم يظهر على وجهه شيء.
نظر إلى ساعته، والوقت يمضي ببطءٍ شديد.
* * *
هَفَت أنفاس ثقيلة صاعدة من الأعماق وخرجت عبر شفاهٍ جافّة.
حدّقت ليلى في المصباح المتأرجح باهت الزجاج وقد امتلأت عيناها بالحيرة.
ساعة واحدة.
لحظة قصيرة للغاية كي تقرّر مصير حياتها. ومع ذلك، فإن الوقت الذي يمضي بلا رأفة لم ينتظر اضطراب قلب فتاة ساذجة.
ازداد توتر ليلى.
وكلما اقترب موعد عودة الرجل، ازداد اضطرابها مثل لهب المصباح المرتعش الذي لا يثبت.
“نعم” أو “لا“.
بدت هذه الثنائية وكأنها سلطة على حياتها أو موتها، فغامت الظلال تحت عينيها.
فكّرت مرارًا.
هل تملك حقًا القدرة على العيش وحدها؟ وما الذي يمكنها الاعتماد عليه لتكسب رزقها؟
هي بالكاد تعلمت شيئًا ولا تجيد سوى الأعمال الوضيعة.
قد تتمكن من إيجاد عمل في خدمة أحد البيوت، لكن عرض الرجل لم يكن مما يمكن تجاهله بسهولة.
“حياة النبلاء…”
كانت قد رغبت بشدة في ذلك يومًا ما. أما الآن، فلا.
فقد تكسرت تلك الأمنية قبل ساعات قليلة، حين أدركت بمرارة أن لا معروف بلا ثمن، ولا لطف بلا مقابل.
ومع ذلك… لم تستطع الرفض ببساطة.
‘ألا ترغبين في بدء حياة جديدة؟‘
حتى لو بدا رجلاً مريبًا، فهي تعلم أن فرصة كهذه لن تتكرر.
إضافة إلى حياة آمنة، لا مطاردة فيها ولا خوف.
وبينما كانت تتخيل مستقبلًا لم تستطع رسمه بوضوح، جاء طرقٌ خفيف على الباب، ثم دخل الرجل.
نهضت ليلى مترددة.
“هل اتخذتِ قرارك؟“
سألها وهو يخطو إليها بخطوات واسعة لا تخلو من العجلة، وتسلّل إلى أنفها عبق كحولٍ حلو النكهة.
“…نعم.”
ربما لهذا السبب حُسم تردّدها فجأة.
رجل يشرب خمرة رخيصة بلا اكتراث… بدا ذلك جانبًا بشريًا فيه.
رغم أن عوالمهما مختلفة، إلا أنه بدا كمن يحمل شيئًا من عالمها نفسه.
“إذن… قرارك؟“
عضّت ليلى شفتها قليلًا ثم أفلتتها وأجابت بصوت خافت:
“سـ… سأقبل.”
لم يعد يمكن الرجوع.
لقد قالتها وبدا على وجه الرجل بريق حماسة خفي.
ربما ستندم يومًا على هذا القرار، لكنها قررت أن تثق ولو مؤقتًا بالرجل الذي أنقذها.
‘نعم… فقط إلى أن أستطيع الاعتماد على نفسي.’
ما دامت عاجزة عن الوقوف وحدها، فالبقاء تحت ظلّه حتى ذلك الحين ليس أمرًا سيئًا.
ارتفع التوتر إلى حلقها.
شعرت بأظافرها المتسخة تخدش جلدها، لكنها لم تُبعد عينيها عن الرجل.
سادت لحظة صمت خانق.
خُيّل إليها أن عينيه الذهبيتين، الهادئتين المتّقدتين، تمسكان بها ولا تريدان أن تدعاها تفلت.
ثم صرف بصره عنها أولًا وغادر.
لم يطل غيابه، فعاد ومعه ورقة وقلم.
“اقرئيها. وإن أردتِ إضافة شيء، فقولي.”
كانت الورقة عقدًا.
الكلمات التي تُعرّف علاقتهما واضحة لا لبس فيها.
“……”
لكنها لم تستطع التمعّن فيه طويلًا.
كانت هناك كلمات متفرّقة لا تفهمها، فخشيت أن ينكشف جهلها.
كانت تعلم أن الأمر سينكشف عاجلًا أو آجلًا، ومع ذلك أرادت التشبّث بقدر ضئيل من كبريائها.
لذا اكتفت بتصفح ما تفهمه، ثم مدت يدًا مرتجفة وأمسكت القلم.
كتبت اسمها ببطء وبخط ثابت على الصفحة البيضاء كمن يرسم نقشًا جديدًا في حياته.
وحين انتهت أخيرًا، رفعت بصرها لتواجه العينين الذهبيتين المبتسمتين.
وفي تلك اللحظة، جاء صوته معلنًا تمام الصفقة:
“مبارك يا آنسة ليلى نوريس… لقد أصبحتِ رسميًا عشيقة الدوق ليانتون.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"