𓆟 الفصل 8 𓆝
على خلاف شعوره بالارتياح، كانت المرأة جامدة لا تتحرك. وكأن عقرب الساعة قد توقّف، وبقي عالمها وحده معزولًا وساكنًا تمامًا.
أدار كايْلَان رأسه فوق كتفيها النحيلين وثبّت نظره على وجهها الصغير المختنق بأنفاسٍ محبوسة.
“هاي؟“
ربما بسبب نبرة صوته الثقيلة والمنخفضة، التفتت نظراتها المذعورة نحوه ببطء شديد.
وتحت رموشها المرتجفة انزلقت دمعة سائلة.
تقلص وجه كايلَان بانزعاجٍ لم يستطع السيطرة عليه.
كان يكره رؤية النساء يبكين؛ فقد رأى ذلك مرارًا حتى بات يشكّل له نفورًا تلقائيًا.
راقبها بصمت لبرهة، ثم نفث أنفاسًا منخفضة واعتدل في جلسته.
“هل نذهب الآن؟“
لكن المرأة لم تتحرك إطلاقًا، حتى بدت يده الممدودة في الهواء محرجة من طول انتظارها.
“لماذا لا تمسكين بيدي؟“
عندما أعاد السؤال، أطلقت أخيرًا صوتًا خافتًا وكأن وعيها عاد فجأة إليها. لكنها لم تأخذ اليد الممتدة، بل قامت سريعًا وحدها وهي ترتب ملابسها على عجل.
وفي تلك اللحظة، تعلّقت الباروكة التي ترتديها بأحد الأغصان، فانفصلت عن رأسها.
وضعت يدها على شعرها الحقيقي بسرعة، وقد احمرّ وجهها خجلًا وكأن سرًا فاضحًا قد كُشف.
نظر إليها كايلَان نظرة باردة عابرة، ثم انتزع الباروكة من الغصن، ورماها قرب حافة الجرف متمنيًا أن يقع المطاردون في الخلط.
ولم يكد يستدير ليغادر حتى سمع صوتًا خافتًا وناعمًا يناديه:
“ش–شكرًا… على مساعدتك…”
“لا داعي. ولنغادر المكان بسرعة.”
أمسك بمعصمها من فوق رأسها، وسحبها بخطوات واسعة وواثقة. فبدت الدهشة تغمر ملامحها.
“أ–أممم…”
“سنذهب إلى نُزُل. لا يمكننا قضاء الليل في الغابة.”
ورغم أنه شعر بارتجاف صوتها من التوتر، لم يُبطئ مشيته.
“ن–نزل؟“
“نعم. لديّ معارف هناك.”
اشتدّ السحب خلفه فجأة، ثم توقفت المرأة تمامًا.
وكأنها أساءت فهم نيته، فارتسمت في عينيها نظرة حذَر وريبة.
“أ–أنا… ذاك…”
“ألم تكوني تهربين؟ أنا أحاول مساعدتك فقط.”
ومع نبرة صوته التي تسللت إليها بعض الضجر، انهمرت دموع جديدة من عينيها المحمرّتين.
‘لم أفعل شيئًا يستحق كل هذا…’
صوت شهقاتها الصغيرة ورشفاتها المتقطعة للهواء كان يلتصق بأذنيه بطريقة مزعجة.
‘يا للجنون…’
بدأ يشعر بظلمٍ غريب وكأنه المُلام.
ولو أنه قبّلها مثلًا ربما لخفّت حدة ضيقه… لكنه يكره النساء الباكيات، لذا لم يكن هناك أي احتمال يجعل الموقف أفضل.
نظر إلى أصابعها الرفيعة وهي تحاول ببطء إبعاد يده عن معصمها، فابتسم بابتسامة ساخرة.
“لستُ شخصًا سيئًا كما تعتقدين.”
ثم ترك معصمها أخيرًا، وأضاف بصوت منخفض:
“أعدكِ… لن ألمس منكِ شعره واحدة.”
* * *
“أوه يا ليلى. ليلى نوريس.”
لم تكن سابرينا تعلم شيئًا عمّا جرى حتى لحظة سماعها خبر إلغاء الوليمة.
ثم جاءت دورا قبل قليل وهي تلهث، تحمل خبرًا كان كفيلًا بأن يُسقط سابرينا مغشيًا عليها.
“تلك الملعونة…”
‘أتجرؤ على خداعي؟‘
لم تستطع سابرينا استيعاب الأمر حتى الآن.
كيف تمكنت تلك الغبية التي بالكاد تستطيع التفكير من اتخاذ قرار بالهرب؟
“كان يجب ألا أغفل عنها.”
راحت تقضم أظافرها حتى امتلأت أطرافها الأنيقة بعلاماتٍ صغيرة دون أن تدرك ذلك.
“عليّ مقابلة السيد الكونت.”
تمتمت وهي تمضغ غضبها محاولةً السيطرة على نفسها.
نعم… الأهم الآن هو احتواء الموقف.
إن بدّل الكونت رأيه، فستكون كارثة.
فبدل أن تسدد الديون التي راكمتها استعدادًا لهذا اليوم، ستدفع نوريس نحو الهاوية بشكل أسرع.
تخيلت الرقم الهائل الذي يدور في رأسها، فارتجفت بقوة.
“مستحيل… لا يمكن السماح بهذا.”
كانت صور الكارثة المحتملة تتكرر أمام عينيها حتى غمرها العرق البارد.
وما إن هدأت قليلًا وهمّت بالتحرك، حتى ظهرت خادمة تحمل أمرًا من الكونت ألْمَار.
“السيد الكونت يرغب في استئناف الوليمة. سأرافقكِ يا سيدتي.”
رغم احترام كلماتها، إلا أن نبرة الخادمة كانت تحمل شيئًا من الترفع، مما جعل حاجبي سابرينا يرتجفان غضبًا.
أن تصبح موضع ازدراء حتى من خادمة حقيرة… أيُّ مهانة هذه!
أطبقت قبضتها المرتجفة بقوة وكادت تصفع ذلك الوجه المتعجرف، لكنها كبحت نفسها بصعوبة واكتفت بالتحديق بحقد في مؤخرة رأس الخادمة وهي تتقدم الطريق.
* * *
جلس كايلان على كرسيٍ خشبيٍّ مهترئ مسندًا ذقنه إلى كفه يراقب المرأة بنظرة تبدو للوهلة الأولى باردة ولا مبالية، لكنها في حقيقتها دقيقة ونافذة.
كان منظرها تحت الضوء أشبه بمسخرة؛ كأنها تمرّغت طويلاً في الوحل.
شعرها كان منكوشًا ومساحيق وجهها قد مُسحت تقريبًا، أمّا الدانتيل والكرانيش المعلّقة على فستانها فقد تمزّق معظمها وتدلّت على شكل خيوط باهتة.
بدا مظهرها وكأنها عادت لتوّها من ساحة حرب، فارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه دون أن يشعر.
ماذا عساه يفعل بامرأة على هذه الحال؟ فهي واضحة الضعف من أول نظرة.
مهما كان ماضيها، فإنها تبدو كزهرةٍ رقيقة تنحني أمام أول نسمةٍ.
زهرةٍ لا تستطيع البقاء دون راعٍ يحميها… مزروعة للزينة فحسب لا أكثر ولا أقل. وجودٌ عديم الفائدة.
بل ربما لا تُجدي نفعًا حتى في استفزاز الكونت، بل قد تكون سببًا في كشف هويته بدل أن تخدم خطته. فهل يعيدها أدراجها الآن؟
“…….”
عاد يتفحّصها ببطء.
‘يا للخسارة.’
ومض في عينيه الذهبيتين بريق تفكيرٍ مضطرب.
جفون منخفضة دون ثقة بالنفس، شفاه رأى عليها آثار العضّ والقلق، ونُدَب خفيفة توحي بشيء من سوء المعاملة.
حتى من دون تقارير أو معلومات، كانت حالتُها مفهومة تمامًا من النظرة الأولى.
ولكن رغم كل ذلك لم يستطع ببساطة أن يتخلّى عنها.
نظر طويلًا إلى شفتيها المحمّرتين، وفجأة انقبض حاجباه دون إرادة.
أرخى يده عن ذقنه وبدأ يتأمّل ملامحها باهتمام أكبر.
لا عجب أنّ عينيه ظلّتا تعودان إليها دون سببٍ واضح…
“مذهل.”
تمتم بكلام بالكاد يكون مسموعًا، وفرك جبهته بخفة.
لم يكن يرغب بالاعتراف، لكن المرأة كانت قريبة جدًا من ذوقه. إلى درجة أن ملامحها تشبه امرأة كانت امرأة أخرى تحاول تقليدها في الماضي.
وجه صغير ودقيق، عينان لوزيتان مائلتان إلى الأعلى قليلًا، شفتان رقيقتان محمرّتان، ونظرة لامعة فيها مسحة بللٍ غريبة تُثير شيئًا ما في النفس.
أقرب إلى هيئة القطط، ومع ذلك فيها نعومة تستدرج النظر.
الفرق الوحيد هو شخصيتها منعدمة الثقة… وذلك على الأرجح يزيد قيمتها.
تراخت شفتاه رويدًا وقد وجد الإجابة.
‘زهرة سامة… لكنها جميلة.’
وبات يتساءل أي أثرٍ قد تتركه هذه المرأة من فوضى في النهاية.
وفوق ذلك، إن استطاع عبرها استفزاز الكونت وكشف قناعه الحقيقي…
فلن يكون هناك سلاح أفضل من هذا: امرأة واحدة يصطاد بها هدفين في آنٍ معًا.
ثم قال أخيرًا، وقد بدا أكثر ارتياحًا:
“هل أصبحتِ جاهزة؟“
“ماذا؟“
“أريد أن نتحدث قليلًا. هل يناسبك؟“
“آه… نعم.”
ابتسم قليلًا وهو يلاحظ توترها يزداد.
“كنتِ مرعوبة، ولكن يبدو أنك هدأتِ الآن.”
ثم سأل:
“ما سبب هروبك من قصر الكونت؟“
في الحقيقة، لم يكن هذا مهمًا كثيرًا؛ فمن يهرب من الكونت فلا بد أن لديه سببًا مفهومًا.
لكن فضوله كان حاضرًا، فقد تبوح بشيء لم يُذكر في التقارير.
وبينما ينتظر، بدأت شفتاها تتحركان بتردّد واضح.
“ذلك… لأن…”
وحين التقت عيناهما سرعان ما هربت نظراتها الخضراء المائلة إلى الزرقة إلى الأسفل.
خيّم على وجهها ظلّ خوف.
وانطفأت ابتسامته الساخرة سريعًا.
ربما كان السؤال خاطئًا.
بهذه الصورة، بدا كأنه يهدّدها رغم أنه لم يقصد ذلك. وإن كان الحوار مستحيلًا الآن، فالأفضل تهدئتها والحصول منها على ما يريد بطريقة أخرى.
“هل لديكِ مكان تذهبين إليه؟“
“…لا.”
“إذاً، دعينانعقد صفقة.”
اتّسعت عيناها بقلق.
“أريد فقط أن تفعلي شيئًا واحدًا.”
“…….”
“ليس أمرًا صعبًا.”
“و– ولكن… صفقة؟“
هبطت عيناها وغطّاهما ظلّ ثقيل؛ كان من السهل معرفة ما تخشاه.
ففكّر ثم عدّل جلسته واضعًا يده على ساقه المتشابكة، فبدت هيئته أكثر ودًّا وأقل تهديدًا. وحتى الهالة الغريبة التي كانت تحيط به خفتت عن قصد.
كي تتمكن من الوثوق به أكثر… وكي لا يلوّث الخوفُ حكمَها.
“إن أُتيح لكِ أن تغيّري نفسك… فماذا ستفعلين؟“
ألقى بالطُّعم.
“ألا ترغبين في بدء حياة جديدة؟“
رفعت رأسها قليلًا.
“سأمنحكِ تلك الفرصة.”
ظلّ يتابع ملامحها الجافة بصبر.
“أعدكِ بكل امتيازات النبلاء… وستنعمين بما لم تحصلي عليه يومًا.”
“…….”
“سأوفر لكِ بيتًا تعيشين فيه… وأضمن سلامتك من كل ما يخيفك.”
“……”
“من… أهلكِ… أو من الكونت ألمار ذاته إن لزم الأمر.”
اهتزّت رموشها الطويلة وتقلّبت عيناها مضطربتين. فابتسم كايلان ابتسامة بالكاد تُرى.
“لكن… عليكِ فقط أن تمنحيني كل ما لديكِ.”
بالنسبة لامرأة بلغت قاع الحياة، فمثل هذا العرض قد يكون حلمًا. حتى وإن كان الثمن هو التضحية بكل شيء.
“إذن؟ ما رأيك؟“
اقترب قليلًا ثم قال بصوتٍ خفيض:
“أن تصبحي شريرةً من أجلي؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"