6
𓆟 الفصل 6 𓆝
انطلقت العربة في الصباح ولم تصل إلى توريا إلا حين أخذت شمس العصر تميل إلى الحرارة الهادئة.
وخلال مرورهم تحت القوس الحديدي ودخولهم طريق الغابة، لم تستطع ليلى أن تُبعد نظرها عن المناظر خارج النافذة.
كانت الأزهار الصغيرة المتناثرة هنا وهناك جميلة، والأشجار السامقة المهيبة تشدّ الأبصار.
كان الطريق الذي بدا شديد العناية يبعث في النفس دهشة لا تُقاوَم.
‘يا للروعة!’
تلألأت عيناها المخضّرتان بضياء خافت.
لعلّه نسيم الغابة البارد المتسلل من النافذة المفتوحة ما جعل صدرها يغتاظ بخفة ولذة.
“ارفقي بنفسك يا ليلى. قد تؤذين نفسكِ هكذا.”
عاتبتها سابرينا بخفوت بعدما راقبتها قليلًا.
أوَتُرى ستضيف إلى جروحها جرحًا آخر وهي بهذه الخفة والاضطراب؟
قلّبت سابرينا جبينها ثم استقام وجهها مجددًا، وهمست لليلى التي سارعت إلى تعديل جلستها بخجلٍ وقد احمرّ وجهها:
“الكونت رجل شديد الوقار. أفهمتِ ما أعنيه؟“
“نعم.”
“حسنٌ. جيّد أنكِ أدركتِ ذلك. على الأقل لستُ قد قصّرت في تربيتك.”
ورغم أن كلامها انطوى على شيء من اللسع، فإن ليلى لم تأخذه على محمل الجد.
فهي رغم تغيّرها في الآونة الأخيرة ما زال هذا الطبع أقربَ ما يليق بسابرينا.
“أوه، وشيء آخر. حين تتزوجين… احرصي على إنجاب وريث قبل كل شيء.”
“و… وريث؟“
احمرّ وجه ليلى فورًا من الصدمة.
رغم أن الزواج بات أمرًا مفروغًا منه، إلا أن الخجل باغتها بقوة لا تقاوم.
“هذا هو سبيلكِ لكسب محبّته. فالسيدة في منزلها تُقَدَّر بما تمنحه من أبناء، خصوصًا إن جلبت ولدًا قويًا كريم المنزلة. أفهمتِ؟“
“…نعم.”
“لا، بل سيكون جيدًا لو جئتِ إليه كجهازٍ للزواج ومعكِ ولدٌ بالفعل. الكونت قد تقدّم به العمر، وما من خطبٍ في الاستعجال. وإن دعاكِ… فلا تفكّري في الرفض.”
هنا، مال رأس ليلى قليلًا باستغراب.
ألم تقل منذ قليل إنه رجل وقور…؟
وفوق ذلك، فكونت ألمار على ما سمعت لم يكن إلا في أواخر الثلاثينيات.
أما مسألة أعمار الرجال وقدرتهم على الإنجاب فلم تكن تعلم عنها شيئًا… ثم إنها لم تجرؤ على مخالفة أمر سابرينا فلم تجد بُدًّا من الإيماء.
وبينما كانت تفكر، توقفت العربة أمام قصر ضخم فخم الهيبة.
نزلت ليلى وسط استقبال حافل من عشرات الخدم.
* * *
“شاكرةٌ لدعوتك يا سيدي الكونت.”
قالت سابرينا ذلك وهي تدخل قاعة الاستقبال وتنحني للكونت ألمار ذي الملامح المخضرمة.
فتبعَتها ليلى بانحناءة خجولة وهي تتلفت باضطراب.
“هاها. بل أنا من يشكر حضوركم. لقد كنتُ قلقًا بعض الشيء…”
“هذا تواضعٌ جمّ منك. ومن ذا الذي يجرؤ على رفض طلب الكونت؟ إنها لنعمة كبرى.”
“أحقًا؟ رائع، تفضّلا بالجلوس.”
وبعد تبادل المجاملات، اصطحبهما الكونت إلى المقاعد بوجه بشوش.
كان يبدو راضيًا تمامًا عن ليلى، إذ لم يفارق وجهه ابتسامة خفيّة.
وبينما كانت سابرينا تراقبه، وضعت يدها على يد ليلى كوريثة ثمينة تُعرَض على صاحب شأن.
“إنها ابنتي الغالية. ما من حركة تقوم بها إلا وتفيض جمالًا ورقّة. ستعرف ذلك بنفسك قريبًا يا سيدي الكونت. حيّي الكونت مرة أخرى يا ليلى.”
فقامت ليلى بتوتر واضح.
“أنا… ل–ليلى نوريس. شاكرةٌ… شاكرةٌ لدعوتك.”
كان ارتعاش صوتها الشديد وحركاتها الجامدة كفيلين بجعل وجه سابرينا ينكمش من الغيظ.
‘ألهذه الدرجة لا تعرف كيف تلقي تحية؟ يا للعار!’
لكنها لم تستطع إظهار ذلك أمام الكونت، فاختلست ابتسامة متكلفة وأشاحت بوجهها.
“لديكِ ابنة… جميلة للغاية.”
لعل في ذلك نعمة. فالكونت ألمار لم يلتفت إلا إلى وجه ليلى.
شعرت سابرينا بالارتياح، وبدأت حديثها الحقيقي مع الكونت.
لقد أنهكت نفسها في جلب ليلى إلى هنا، والآن لم يبقَ إلا أن “تبيعها” بأعلى ثمن يمكن انتزاعه.
“أتعجبك؟ كما ترى، لقد ربيتها بعناية فائقة. الطاعة طبع ملازم لها.”
“هُمم…”
كانت الابتسامة على شفتيه، لكن النظرة الحادة التي طافت على ليلى من رأسها حتى قدميها كانت عصيّة على الفهم.
حدّقت ليلى في أطراف أصابعها تحاول تحمل الجوّ الخانق. وكان القلق من مظهرها ومن رأيه فيها يمنع عنها أي قدرة على الاسترخاء.
وحين انكمش جسدها بلا وعي، وضعت سابرينا يدها برفق على كتفها.
ولما بدأت ليلى تسترخي قليلًا، شقّ أذنها صوتٌ لزج لا يرحم.
“ولا داعي للقلق بشأن عذريتها. هذه الصغيرة لم تعرف رجلاً قط. بل يمكن للكونت باعتبارها ستؤول لك أن تلقنها ما يروق لك.”
ازدادت أصابع سابرينا ضغطًا على كتفها.
ارتجفت ليلى معتقدة أنها قد أخطأت السمع… لكن الوخز المؤلم في جلدها أكد أنها لم تتوهم.
استنشقت رائحة الورد الثقيلة المنبعثة من سابرينا وشعرت بالذهول وهي تسمعها تُلقي بمثل هذه العبارات وكأنها تُثني على شيء جميل.
كانت كلماتها تنغرس في أذن ليلى بحدة وغرابة.
“يكفي. تبدو الآنسة بحاجة إلى بعض الراحة.”
أخيرًا، تدخل الكونت ألمار مانعًا سابرينا التي بدت شبه متهللة.
أطلقت ليلى زفرة مضطربة، فعلا ضحك الكونت.
نظرت إليه وإلى سابرينا باستغراب.
كلاهما يبتسمان بالابتسامة المستديرة ذاتها.
“يمكنكِ الذهاب الآن يا صغيرتي. فالحديث القادم بين الكبار.”
ودفعتها سابرينا برفق من ظهرها.
فتبِعت ليلى الخادمة المتقدمة في السن وهي تشعر بتحررٍ ثقيلٍ يتصاعد في صدرها.
* * *
كانت خطواتها بطيئة وهي تتجوّل في الحديقة. وما إن خرجت من القصر حتى أخذت تمشي بلا هدف، بلا وجهة محددة.
هناك خطب ما…
كان قلبها يمور باضطراب غريب وكأن شيئًا ما انحرف عن مساره، لكنها لم تستطع فهمه.
كل شيء بدا غريبًا عليها، وتساءلت هل تكون إجراءات الزواج بطبيعتها هكذا؟
أعادت ليلى تذكّر ما جرى داخل غرفة الاستقبال.
تلك النظرات التي مسحتها من رأسها حتى قدميها، والكلمات المبالغ في تزيينها، والإيماءات المتكلّفة كأنهم يقدمون شيئًا معروضًا للبيع.
“بدوتُ وكأني مجرد بضاعة…”
“آه…”
انفلت منها أنين خافت.
وأخيرًا، بدا وكأنها فهمت سبب انقباض قلبها.
“هكذا إذن…”
لقد شعرت بالسوء.
ليس بسبب مظهر الكونت الذي بدا أكبر سنًا مما توقعت، ولا بسبب سابرينا التي أمطرتها بمديح لا يمتّ لها بصلة.
كانت تعتقد ولو قليلًا أنها أصبحت بالفعل كابنتها…
ماذا يمكن أن تسمّي هذا؟ خيبة؟ أم خيانة؟
“….…”
لقد احتملت ما هو أقسى من ذلك بكثير، فهل يحقّ لها أصلًا أن تشعر بهذه الطريقة؟
لا تعرف.
ولذلك بدا كل شيء غريبًا وصعبًا عليها.
‘لا داعي للقلق بشأن عذريتها. فالفتاة لا تعرف الرجال أصلًا.’
في تلك اللحظة عادت إلى ذهنها جملة لم تنتبه لها جيدًا حين قيلت فاشتعل وجهها بحرارة وترددت في أذنيها ضحكة راضية وشفاه حمراء نطقت بالكلام بفخر.
ما علاقة العذرية بإنجاب طفل؟ لكنّه أيضًا كان من أمور هذا العالم التي لم تفهمها بعد.
فمهما تعلمت بالمصادفة عن الحياة، ظلّت تجهل الكثير.
حينها سمعت أصواتًا قريبة.
بدا أنها أصوات عمّال الحديقة، فصوت تكسير الأغصان يؤكّد ذلك.
استدارت ليلى بهدوء.
لقد ابتعدت كثيرًا عن القصر، وعليها العودة قبل أن يبدأ أحدهم بالبحث عنها. إلا أنّها ما لبثت أن توقفت حين التقطت أذنها كلمات بدت وكأنها تشير إليها.
دفعها فضول خفيف إلى أن تنتقل بخطوات حذرة وتختبئ بين الشجيرات.
“يا للخسارة، كانت آنسة جميلة بالفعل.”
“هكذا بسرعة؟ هل رأيت وجهها أصلًا؟“
“طبعًا. أظن أن الجميع رآها الآن.”
“حقًا؟ لا يبدو أن لديهم عملًا كافيًا إذًا.”
واصل العمال كلامهم وهم يقصون شجيرات البقس بتناسق دون أن يدركوا أن أحدًا يتنصّت عليهم.
“لكن ما العمل؟ الرجل ذو مزاج صعب، ولا يقبل إلا العذراوات. لذلك أنصحك ألا تهتم كثيرًا بمن اقترب موعد موتها.”
ارتجفت كتفا ليلى فجأة.
‘هل سمعتُ خطأ؟‘
كلمة لا تليق بالمقام ولا بالحديث شقت طريقها إلى ذهنها كالسهم.
“صحيح. المهم أن تنجو من ليلة الزواج، فذلك سيكون حظًا بحد ذاته.”
استمر الحديث، لكن صقيعًا تسلل إلى عمودها الفقري فلم تعد تسمع شيئًا بعدها.
نظرت لا إراديًا نحو القصر.
المبنى الأبيض الجميل بدا لها فجأة مغمورًا بلون أحمر مخيف.
سقطت ليلى جالسة في مكانها.
لم تعد ساقاها تحملانها ولم تستطع الوقوف.
وبين الشجيرات، اختفى أثرها تمامًا عن أعين الجميع… إلا عينًا تراقب من أعلى القصر.
وظلت عاجزة عن النهوض حتى غادر عمّال الحديقة المكان.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 6"