5
𓆟 الفصل 5 𓆝
لم يُسمَع في الجناح الداخلي الذي اجتاحته عاصفة عارمة قبل لحظات أيُّ صوت.
وحدها الضوضاء البعيدة دويّ الأقدام المسرعة في الممر هي التي ظلّت تتردد.
بعد أن بقيت سابرينا للحظات شاردة الذهن، ربّتت على يد ليلى بملامح يختلط فيها الضيق بالأسى.
“عليكِ أن تتفهمي. فهي أختك الكبيرة مهما كان.”
“ن–نعم… أنا بخير حقًا.”
هل كان السبب التوتر الشديد؟ لقد كانت ليلى ترتجف بصوت لم تعتد عليه.
تقلّصت عينا سابرينا من حدّة الصوت المزعج، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامة مريرة…
لم يكن في ذلك لا شفقة على ليلى ولا شعور بالذنب لفشلها في تربية ابنتها.
بل كانت تسخر في داخلها من عبثية ما يجري، ومن هذا البيت الذي لا يسير فيه شيء كما ينبغي.
ابنتها الوحيدة بالكاد استطاعت إحضارها وإقناعها بالمجيء، وها هي على هذه الحال…
أما زوجها الوحيد، حتى بعدما هيّأت له المناسبة كاملة، فلم يُكلّف نفسه أن يُظهر حتى طرف أنفه.
أليس هذا مدعاة للسخرية؟
نهضت وهي تفكر بأن القيام بدور الأم الصالحة بات مهمة مرهقة.
“عليكِ بالعودة الآن والراحة. ولا تنسي وضع الدواء.”
“حاضر.”
ومن بعدها لم تُلقِ سابرينا عليها نظرة واحدة. حتى حين خرجت ليلى من الجناح وهي تتلكأ بخطواتها.
* * *
وُضِع فنجان القهوة المركّزة على الطاولة.
كان كايلان يهمّ بالتقاط الصحيفة اليومية حين وقعت عيناه على ظرف لم يُفتح بعد.
إنه تقرير عن المرأة التي قال إيساك إنه أرسله قبل أيام.
أيّ سبب يدفعه لتقصّي حال خطيبة الكونت؟ فبكل وضوح ستكون على ذوقه: فتاة عذراء، ولن تمضي مدة طويلة قبل أن تتحول إلى جثة باردة.
قطّب جبينه للحظة، ثم مزّق واجهة الظرف. وما إن أخرج المستندات حتى وقع بصره على صورة الفتاة المثبتة بمشبك.
“أهي خادمة؟“
كان انطباعه الأول سيئًا إلى حد مذهل. كيف اختيرت امرأة كهذه لتكون عروس الكونت؟
أم أنّ الكونت لم يعد في وضع يسمح له بالانتقاء؟
سرعان ما مسحت عيناه الذهبيتان المعتمتان وجه الفتاة الدقيق كالصورة.
‘إنها… جميلة إلى حدّ ما، لكن…’
ولم يتجاوز الأمر أكثر من ذلك. فالغلاف يوحي بشيء مميز، لكن بقية التفاصيل بدت غريبة إن قورنت ببنات الأسر الأرستقراطية.
بشرتها الشاحبة الشديدة البياض وعيناها الفاتحتا اللون تُظهرانها بلا حياة…
شفاهها المطبقة بإحكام هابطة قليلًا وكأنها متوترة.
ربما لهذا السبب شعر بأنها مغلّفة بغلاف لا يناسبها.
توقّفت عيناه عند خصلات شعرها الذهبي الناعمة التي تكاد تلامس كتفيها، ثم انتقلت فورًا للصفحة التالية يقرأ المعلومات بسرعة.
ليلفى نوريس.
سليلة عائلة متواضعة لا اسم لها.
حتى الإقطاعية التي يتبع لها منزل البارون اسمها غريب.
لم يسمع من قبل بوجود مكان كهذا في ألمار.
وبالرغم من أنه لا يعرف كل زوايا إمبراطورية ريفانيا، فإن قرية ماريس لا شكّ أنها مجرد قرية نائية، بلا أي ميزة تُذكر.
واصل القراءة حتى النهاية، ثم توقفت عيناه فجأة عند كلمة أثارت انتباهه.
‘عذراء…’
كما توقّع.
ابتسم بسخرية ثم رمَى التقرير فوق الظرف. فما شأنه بمن يختار الكونت عروسه؟ لا علاقة له بالأمر.
لكنّه رغم ذلك ألقى نظرة تعاطف أخيرة.
عندها—دو، دو، دو—قرعٌ متعجّل للباب، ودخل ميكيل على الفور.
“الشبح… هرب.”
“ثم؟“
كان سؤال كايلان باردًا وكأنه توقع الأمر مسبقًا.
ومع ذلك بدا ميكيل متوترًا، فكان جفاف فمه غير مريح على الإطلاق.
لقد توقّع توبيخًا قاسيًا، لكن الدوق بدا هادئًا أكثر من اللازم.
واصل ميكيل تقريره وهو ما يزال يشك في ردّ الفعل هذا.
“لقد أرسلنا فرقة التتبع، لكن لا ندري هل سيُقبض عليه قريبًا. لقد محا آثاره تمامًا كالعادة.”
“همم.”
“وأيضًا…”
قبل أن يبدأ كايلان بإطلاق كلمات قاسية، أسرع ميكيل بإخراج شيء من جيبه.
وبعد لحظات وُضع على المكتب شيء تلفّه قطعة قماش ناعمة.
“لكن وجدوا شيئًا ما في جثة المرأة.”
“تلك الميتة؟“
“نعم. كان داخل فمها… هل ترغب في فحصه؟“
“هذا… يبدو مألوفًا.”
ضيّق كايلان عينيه.
متى كان ذلك؟
لقد حضر ذات مرة فعالية خيرية أقامها كونت ألمار.
كان آنذاك في السادسة عشرة، أي قبل عشرة أعوام.
وفي نهاية الحفل، قدّم الكونت شارات ذهبية خالصة تشبه هذه تمامًا للأيتام الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد.
بالنسبة للكونت، لم يكن ذلك سوى مبلغ تافه، لكنه كان تصرفًا صادمًا وغير مألوف.
كيف يُهدى أطفال لا يفقهون شيئًا حُليًا بهذا الثمن؟
ومع ذلك، أنهى الكونت اعتراضات الجميع بجملة واحدة:
“أيّ شخص يهدد هؤلاء الأطفال… سيجد نفسه خصمًا لي.”
ولم يكن هذا كل شيء. وعد أيضًا بأنه سيساعدهم حين يبلغون كي يقفوا على أقدامهم. وأن هذه الشارة ستكون دليلهم ليصلوا إليه سالمين.
لا يعرف كايلان إن كان الكونت قد أوفى بوعوده، لكن سمعة الكونت ارتفعت حينها بشكل ملحوظ.
هل عليه أن يُقدّم تعزية ما للمرأة الميتة؟
لقد كانت حياتها التي سُلبت قاسية، لكنه لم يشعر بشيء خاص. فالموت مصير كل إنسان عاجلًا أو آجلًا.
رمش مرة واحدة، فاختفى الظلام في عينيه ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية.
“اكشفوا هوية تلك المرأة.”
فالآن يمسك بخيط آخر، ومن باب اللطف يمكنه تقديم هذا القدر…
لقد أصبح مهتمًا إلى أي درجة سيكون الكونت متورطًا.
حينها وصل إلى مسامعه صوت ميكيل المتبرّم:
“أنا؟“
“وهل يوجد هنا غيرك؟“
“صحيح… لكنني سلّمت الأمر بالفعل إلى مكتب الأمن!”
“فتظاهر بأنك صحفي إذن.”
“هاه… ماذا تعتقدني بحق خالق السماء؟“
تنهّد ميكيل بعمق.
فلم يكن لديه ما يردّ به؛ فهذه بالضبط طبيعة عمله، ومع ذلك، بقيت هناك أمور يكرهها…
مثل الذهاب بنفسه إلى مكتب الأمن… أو مقابلته الضباط وجهًا لوجه…
لمجرّد التفكير في ذلك بدأ رأسه يؤلمه.
* * *
كان منزل البارون نوريس مكتظًا بالحركة منذ الصباح.
فالسيّدة التي ستغادر لعدة أيام لم تتوقف عن التشديد والتهديد، مما جعل الخادمات يقضين ساعات الصباح تحت وابل من التعليمات.
ولم تكن ليلى استثناءً.
كانت سابرينا تراقب كل تفصيلة فيها، تلمس هذا وتعيد ترتيب ذاك.
“هذا القرط أفضل.”
“تلك الباروكة أنسب.”
ثم حين كشفت القليل من الندوب التي لم تُخف تمامًا، عقدت حاجبيها بضيق.
“ضعي مزيدًا من الكريم هنا. ولا تجعليه واضحًا. فهمتِ؟“
“نعم سيدتي.”
“آه، استعملي درجة أغمق لشفتيها.”
ومع أوامر سابرينا المتلاحقة، ازدادت حركة سايا سرعةً فوق سرعة.
لكن ليلى التي كانت صامتة كدمية، بدأت تشعر بعدم ارتياح.
ما فائدة هذا الفستان الجديد الجميل؟ وما قيمة المرأة التي ظهرت في المرآة وكأنها شخص لم تره من قبل؟
أصوات بكاء لينديا منذ قليل ما تزال عالقة في أذنيها توقظ ضميرها وتثقل صدرها.
“لن أتحمل أكثر…”
غادرت سابرينا أخيرًا إلى غرفة لينديا بعدما ضاق صدرها وتركت ليلى تحدّق في وجهها المتغير وتلمس شفتيها برفق.
“أليس…هذا اللون داكنًا أكثر مما يجب؟“
“لا خيار إذا أردنا إخفاء الندوب.”
قالت سايا ذلك ببرود وهي تتابع حزم الحقائب.
كانت تختار الملابس الأساسية والثقيلة بعناية، من القمصان الداخلية إلى فساتين السهرة.
راقبتها ليلى ثم سألت بخفوت:
“أ… أساعدك؟“
“لا داعي.”
“لكنها… أشيائي…”
“وماذا عن هذا إذن؟“
قطعت سايا كلامها برفع شال دانتيل مهترئ ترميه بين يديها بلا مبالاة.
“هممم…”
لم يخطر لها ذلك من قبل، فترددت ليلى قليلًا، ثم هزّت رأسها نفيًا.
فرغم أنه التذكار الوحيد الذي خلّفته لها والدتها الحقيقية، إلا أنها تخيّلت سابرينا وهي تعاتبها بازدراء: لماذا تحضرين معكِ أشياء رثة كهذه؟
“سوف… تغضب أمي.”
عند الهمس الخافت الذي تفوّهت به، ارتجفت حاجبا سايا قليلًا دون وعي.
لكنها سرعان ما استعادَت تعابيرها الهادئة، وكأن شيئًا لم يحدث، وأعادت الشال إلى داخل الخزانة القديمة.
إن كانت الآنسة ترى ذلك مناسبًا… فليكن.
وبعد أن طوت اهتمامها عن ذلك الشال، عادت سايا لالتقاط الملابس. لكنها لمّا رأت ليلى تتجوّل حولها بلا هدف، أطلقت تنهيدة صغيرة.
“إن كنتِ متوترة، فاذهبي لتمشيةٍ بسيطة. أنتِ تحبين زهور الهندباء، أليس كذلك؟“
“آه… هَلْ… أُزعجكِ؟“
“نعم.”
كانت صريحة كعادتها. لم تكن سايا يومًا خجولة أو مترددة أو مُبالِية بنظرات الآخرين.
وكان هذا الطبع يثير في ليلى إحساسًا مزدوجًا بين الإعجاب والنفور. لكن على الأقل، أصبحت معتادة بعض الشيء على طريقة حديث سايا الجافة أكثر من ذي قبل.
“حسنًا… سأخرج قليلًا.”
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم استجمعت خطواتها المترددة وخرجت.
* * *
“هل ستكون بخير وحدك حقًا يا سيدي؟“
كان كايلان مرهقًا أشد الإرهاق من توتر ميكيل الذي لم يهدأ قط.
فمنذ أن أعلن كايلان فجأة عزمه على التوجّه إلى توريا، والرجل على هذه الحال.
لم يكن كايلان ذاهبًا إلى الموت بقدميه، لكن ميكيل كان عاجزًا عن تركه لحظة واحدة دون قلق.
“ولماذا قد يحدث شيء؟“
“مع ذلك يا سيدي… أولئك الرجال يحملون أسلحة نارية.”
“ولدي سلاح ناري أيضًا.”
“ليس هذا ما أعنيه، وأنت تعلم ذلك جيدًا…”
“ميكيل روزيديه.”
قطع كايلان كلامه بحزم.
صحيح أن القلق نوع من المرض، لكن اليوم بدا ميكيل وكأن العدوى اشتدت عليه أكثر من المعتاد.
“حسنًا، فهمت. فقط… يرجى توخي الحذر.”
“سأفعل.”
“سأجعل الخيل جاهزًا على الفور. وإن حدث أمر خطير، أرجو أن ترسل لي رسالة قبل أي شيء.”
قال ميكيل ما عنده كله ثم غادر الغرفة بسرعة.
راقبه كايلان حتى اختفى ظهره تمامًا، ثم ابتسم ساخرًا.
“لا أدري من الرئيس ومن التابع بيننا.”
وبعد قليل، ومع طرق خفيف على الباب، دخل حامِل الحقائب.
قدّم تحية محترمة، ثم جمع ما بقي من الأمتعة القليلة وخرج.
ألقى كايلان نظرة أخيرة على الغرفة ليتأكد من اختفاء أي أثر له، ثم مضى.
لقد حان وقت الرحيل إلى توريا… المكان الذي يُرجَّح أن تكون صاحبة الشارة الذهبية قد توجّهت إليه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 5"