4
𓆟 الفصل 4 𓆝
“يبدو أن مهارتك لا تتحسّن أبداً، أليس كذلك؟“
“جاءنا زبون، ألن تترك بعض المال للجولة التالية؟“
“حتى أعذارك تتكرر كل مرة.”
“أعذار؟ أنا لم أقل سوى الحقيقة.”
“أحقاً؟“
وغد مجنون. بالكاد يفهم شيئاً في القمار، فمن أين له كل هذه الثقة؟
حدّق جونارد بعينين متقدتين، ثم ما لبث أن ضحك ضحكة مكتومة.
“يبدو أن اللسان الطويل ليس لي بل لك. فهل تظن أنك ستغادر اليوم ومعك بعض المال؟“
“ذلك أمر لا تعلمه إلا السماء.”
ذلك التظاهر بالهدوء والاطمئنان جعل جونارد يضيّق عينيه.
لم يكن هذا الرجل ممّن يليق بهم التواجد في مكان كهذا، وكل ما فيه كان يثير أعصابه.
بدلته أنيقة دائماً ومرتّبة بعناية، وطريقته في الحديث متعالية وصريحة بلا مواربة. ولم يأتي إلى هنا وحده قط، بل يلازمه ميكيل دور المراقب على الدوام.
ومع ذلك، فمحفظته ممتلئة دائماً.
كأنه يتعمّد أن تُفرَّغ جيوبه قسراً.
في تلك اللحظة اقترب أحدهم من جونارد وهمس له بشيء سراً. وما إن تسلّم القلادة حتى فتح غطاءها من غير أن يكلّف نفسه عناء الإخفاء.
“أوه، ومن تكون هذه الحسناء؟“
بدت الصورة باهتة كأن الماء أصابها ذات مرة فلم تكن الملامح واضحة تماماً، غير أن جمالها كان جلياً لا لبس فيه.
بل إن في وجهها شيئاً مألوفاً يحرّك الفضول ويستدرجه.
بلّل جونارد شفتيه وحدّق في كايلان بعينين متلألئتين.
“أهي خطيبتك؟“
عندها فقط أنتبه كايلان لجيبه.
تذكّر فجأة ذلك المخمور الذي تحسّسه خلسة قبل قليل.
لم يكن يحمل شيئاً مهماً، لذا لم ينتبه، لكن أن يُسرق منه شيء كهذا فحسب… أطلق ضحكة ساخرة من فرط السخرية.
“اصرف اهتمامك عنها.”
“ما هذا؟ لن تستعيدها؟ لو علمت خطيبتك بالأمر فستحزن كثيراً.”
“ما رأيك أن تتلقى أوراقك؟ الجولة ستبدأ.”
لكن جونارد كان قد فقد اهتمامه باللعبة.
لم يمسّ أوراقه حتى وأعلن انسحابه مرة أخرى.
“أيمكنني أن أحتفظ بهذه إذن؟“
لمعت عينا جونارد ببريق غريب.
أخذ يلعق شفتيه ويمرر يده على أسفل جسده في مشهد مقزّز.
“إن استطعت.”
إذ لم يسمع منه اعتراضاً صريحاً، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة.
“سـ… سيدي.”
كانت النادلة التي تقف بقربه حتى اللحظة قد ربّتت على كتفه بحذر.
قطّب جونارد وجهه بعنف منزعجاً من مقاطعة خياله الدنيء وحدّق فيها بنظرة مخيفة.
“هـ… هناك أيضاً في الأسفل…”
تحت وطأة نظرته التي توحي بأنه لن يتسامح مع تفاهة، انكمشت رقبة النادلة لا إرادياً.
فتح جونارد الورقة الصغيرة المخبأة أسفل القلادة، وما إن قرأها حتى نهض فجأة من مقعده.
“ها! وكيف تقولين هذا الآن؟!”
ركل ساق النادلة بعنف وهو يوبّخها ثم غادر المكان مسرعاً.
كان كايلان يراقب المشهد بصمت، ثم ألقى نظرة نحو ميكيل الذي كان يقف بعيداً.
وسرعان ما اختفى ميكيل بدوره عن الأنظار.
* * *
“كما توقّعنا.”
كان صوت ميكيل هادئاً لكنه خلا من نبرته العابثة المعتادة.
توجّه إلى كايلان الذي بدا لا مبالياً مثله وأوجز له ما رآه وسمعه.
“كان يخفي امرأة في منزله.”
“عمرها؟“
“لم نتحقق بعد. نحتاج إلى مزيد من الوقت.”
“فهمت.”
أغرق كايلان جسده في عمق المقعد وأغمض عينيه.
بعد اختلاطه بأولئك المدمنين، خُيّل إليه أن رائحة الدخان الخانقة ما تزال عالقة بطرف أنفه.
ساد الصمت طويلاً ولم يُدرَ ما الذي يدور في ذهنه.
وبعد أن تردّد ميكيل قليلاً، تكلّم بحذر:
“لكن ظهرت مشكلة.”
“ما هي؟“
فتح كايلان عينيه وحدّق فيه مباشرة.
“المرأة ماتت.”
“……”
“يبدو أن الأمر متعلق بمشكلة داخلية، لكننا لم نتمكن من معرفة التفاصيل بدقة.”
“أكمل.”
ثبت ميكيل نظره في عينيه الذهبيتين الهادئتين وشرح ما حدث من البداية إلى النهاية؛ من سماع الضجيج داخل المنزل، إلى العثور على جثة المرأة ملقاة على ضفة النهر.
كان كايلان يستمع بصمت ثم عقد حاجبيه فجأة.
“انتحار؟“
“يبدو ذلك. على الأرجح سيُموَّه الأمر على أنه سقوط عرضي. ماذا نفعل؟“
“نبلّغ السلطات.”
“حتى وإن كان ذلك قد يعرّضنا للانكشاف؟“
“لسنا بهذه السذاجة، ألسنا كذلك؟“
جاء سؤاله هادئاً خالياً من أي شك أو تردّد.
ابتسم ميكيل ابتسامة خفيفة كأنما استسلم للأمر.
“صحيح. سأرسل رجلاً في الصباح.”
وبعد أن أنهى تقريره وغادر الغرفة، ظل كايلان يحدّق طويلاً عبر النافذة المظلمة غارقاً في صمته.
* * *
لم يصل خبر اضطراب الليلة الماضية إلى أذن سابرينا إلا في صباح اليوم التالي.
كانت غارقة في النوم تعصب عينيها برقعة سوداء، حينها أيقظها تقرير كبيرة الخادمات دورا فاعتدلت فجأة في فراشها.
داهمها دوار خاطف جعلها تترنّح فسارعت دورا إلى إسنادها.
“وماذا عن تلك الفتاة الآن؟“
“يبدو أن جراحها ليست هيّنة، فما زالت نائمة. إحدى الفتيات تحت إمرتي ألقت نظرة عليها، وقالت إنها لا تكاد تشعر حتى بشروق الشمس.”
همست دورا بنبرة تمزج بين القلق والعتاب، ثم ألقت نظرة خاطفة على ملامح سابرينا التي بدأت تتجهّم، وأكملت:
“لكن… لا أدري إن كان من الصواب ترك الأمر هكذا. أشعر أنها تزداد تمادياً يوماً بعد يوم… ألا يجدر بنا أن نضع لها حدّاً منذ الآن؟“
“ماذا؟“
ارتفع حاجبا سابرينا بحدّة.
لم تكن خالية تماماً من القلق.
فمنذ طفولتها، حرصت على أن تُربّى تلك الفتاة على معرفة قدرها وطاعة الأوامر. لكن تبدّل حالها فجأة بفضل فرصة غير متوقعة، وربما كان من الطبيعي أن يعلو أنفها قليلاً… إلى حد أن تتجرأ على مدّ يدها إلى ابنتها.
لكن هذا لا يجوز.
أيمكن أن تظهر بذلك المظهر البائس أمام الكونت ألمار؟
وإن اغترّت ببعض استحسانه وزلّ لسانها بشيء…؟
“الخسارة ستكون أكبر من المكسب. ماذا لو أخذت تلك الساذجة تسرد أوضاع العائلة بالتفصيل؟“
“معك حق. لقد أقصّرت تفكيري.”
أسرعت دورا بالموافقة.
كانت تنوي أن تلقّنها درساً لا تنساه، لكنها عدلت عن الفكرة.
وانصرفت بدلاً من ذلك إلى العناية بزينة سيدتها التي تخدمها منذ صغرها.
وبعد تمشيط طويل متأنٍّ بدا شعر سابرينا لامعاً ناعماً يفيض بريقاً مغرياً.
وكان ذلك كافياً ليعيد إليها رضاها.
“وأين البارون؟“
“خرج باكراً.”
“سريع الهرب كعادته. أكان يخشى لساني؟“
ضحكت دورا بخفوت.
“لا علم لي بذلك.”
“ولينديا؟“
“أغلقت باب غرفتها بالمفتاح. هل أذهب لأسألها إن كانت تشعر بأي انزعاج؟”
“لا، دعيها. سأذهب بنفسي.”
تأملت سابرينا في المرآة تسريحة شعرها الملفوفة إلى الخلف بعناية وعدّلت وضعها.
لا بأس أن تبدأ أولاً بتهدئة ابنتها المدللة ثم تذهب بعد ذلك إلى ليلى.
وكعادتها، لم تنهض من مكانها إلا بعد أن تمرّنت مراراً على ابتسامة لطيفة رقيقة.
* * *
“دعيني أرى.”
احتوت يد سابرينا ذقن ليلى برفق ومسحت بإبهامها الخد الذي تركت عليه أظافر لينديا خدشاً واضحاً.
“سيبقى الأثر مدة أطول مما توقعت… ولا أظن أن الكدمة ستزول بسهولة.”
وما إن أدركت ذلك حتى انعقد ما بين حاجبيها.
كان من المقرر أن تسافر هذا الأسبوع إلى توريا تلبيةً لدعوة الكونت ألمار، فكيف ستقدّم “بضاعتها” وهي على هذه الحال؟
مهما بلغ حبها لزوجها وابنتها، فإنهما في مثل هذه اللحظات لا يفيدانها بشيء.
‘ولأجل من أتحمّل كل هذا العناء؟‘
صحيح أنها تسعى إلى مجدها ورفاهها، لكنها كانت ترى أن الهدف الأسمى هو نهضة العائلة.
رفعت يدها عن ليلى وأشارت بعينيها إلى لينديا الجالسة بامتعاض.
“لينديا، تعالي واعتذري كما ينبغي.”
نهضت لينديا بتثاقل واقتربت وتمتمت بكلمة اعتذار ببرود وهي تحدّق في اتجاه آخر غير أختها.
“آسفة.”
“انظري إلى أختك وأعيدي الاعتذار كما يجب.”
تشدّد سابرينا في أمرها فانفرجت شفتا لينديا من جديد، غير أن فتورها واستهتارها لم يتغيرا.
“آسفة.”
“لينديا!”
ارتفع صوت سابرينا أخيراً.
وجدت ليلى نفسها عالقة بين الأم وابنتها في موقف خانق.
رغم جلوسها على أريكة وثيرة، شعرت كأنها تجلس على الشوك.
“لقد اعتذرت، أليس هذا كافياً؟! ماذا تريدون أكثر من ذلك؟“
ارتفع صوت لينديا وكأنها المظلومة.
تعترف بأنها تجاوزت الحد قليلاً، لكن هل بلغ خطؤها حداً يستوجب أن تنحني رأسها أمام تلك البلهاء؟ وإلى متى عليها أن تستمر في هذا التمثيل لإرضاء الجميع؟
لم يخطر ببالها قط أن تعتذر بصدق لمن ستغادر القصر قريباً على أي حال. كان كبرياؤها يكاد يخنقها.
“أتقولين ذلك وأنت لا تفهمين حقاً؟“
اتسعت عينا سابرينا بحدّة. ومع تصاعد التوتر حدّاً قاسياً، حرّكت ليلى شفتيها بتردّد.
“أنا… أنا بخير…”
في تلك اللحظة، استدارت لينديا فجأة وعيناها تغرورقان بالدموع وحدّقت في ليلى بنظرة حادّة.
كان في عينيها البنيتين غضب وامتعاض ومشاعر أخرى يصعب تفسيرها.
كانت ليلى تنوي تهدئة الموقف، لكنها خفضت رأسها في النهاية؛ كان من العسير أن تواجه ذلك البريق القاسي مباشرة.
ثم إن أنفاس لينديا أخذت تتسارع وكأن عقلها تجاوز حدّ الاتزان.
ابتلعت ليلى ريقها وتملّكها خوف خفي من أن تُشدّ من شعرها مرة أخرى أمام سابرينا.
غير أن لينديا اكتفت بالزفير الحانق ولم تمد يدها. بل رمقت ليلى بنظرة أخيرة حادّة، ثم صاحت في وجه سابرينا:
“أرجوكِ، كفى! لقد سئمت حتى الموت!”
واندفعت خارج الغرفة مسرعة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 4"