“حسنًا. هل تودّين الخروج الآن؟ لعلّ السيّدة ستُفاجأ أيضًا.”
“أتراني… أفعل؟“
لا تزال أمارات الحرج بادية على وجه ليلىط
راقبتها آنا وشعرت بشيء من الندم.
كانت قد زيّنتها على سبيل التجربة قبل السفر إلى شيونيل غدًا، لكنها لو علمت أن الأمر سيبدو غريبًا عليها إلى هذا الحد، لكانت اعتادت تزيينها منذ وقت أبكر.
فالتغيّر المفاجئ في المظهر، من دون مهلة للاعتياد، يحتاج إلى وقت كي يألفه المرء، حتى لو كان الأمر يخصّها هي.
“لكن من أولئك الأشخاص؟“
سألت ليلى وهي تمشي في الرواق، وقد وقع بصرها من النافذة على غرباء في الخارج.
ألقت آنا نظرة خاطفة إلى الأسفل ثم أجابت بهدوء:
“آه، إنهم من سيُرافقون الدوق. سيغادرون فجر الغد باكرًا، لذا سينطلقون أولًا.”
“فجرًا؟“
كانت ليلى تظن أنها ستقضي الرحلة الطويلة مع كيلان في العربة.
لكن إن كان سيغادر قبلها…
فلماذا يتسلّل إليها في آنٍ واحد شعورٌ بالارتياح وآخر بالخيبة؟
صحيح أن غياب الشخص الذي يبعث في نفسها التوتر سيخفف عنها كثيرًا من الإرهاق، غير أن فكرة قضاء ساعات طويلة وحدها بدت كفيلة بإثارة شيء من الكآبة في قلبها.
بل لعلّ الأمر أعمق من ذلك.
كبتت ليلى ذلك الإحساس الذي بدأ يتململ في صدرها، وحاولت إخماده.
“أتشعرين بالأسف؟“
سألتها آنا بحذر وهي ترمقها بطرف عينها، غير أن ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها.
“ماذا؟ لا، ليس الأمر كذلك…”
لوّحت ليلى بيديها نافيةً على عجل، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا.
رغم مساحيق الزينة التي تخفي ملامحها، شعرت بحرارة تتسرّب إلى وجهها.
ضحكت آنا بخفوت وفتحت باب قاعة الدروس.
“سأذهب لإحضار السيّدة. انتظري قليلًا يا آنسة.”
بدت خطواتها وهي تبتعد خفيفة على غير العادة.
* * *
ما إن دخلت السيدة بيتس قاعة الدروس حتى توقفت فجأة.
وقفت العجوز تتأمل المرأة الواقفة عند النافذة تحدّق إلى الخارج.
ليلى نوريس.
تلك الفتاة الخجولة، قليلة الثقة بنفسها، التي اعتادت أن تراقب نظرات الآخرين وتتحسّس رضاهم.
فتاة لم تعرف ما يميّزها، ولا ما الذي تريده في مستقبلها، ولا أيّ حياة ترغب في عيشها، حتى بلا خطة واضحة.
فتاة كانت تتشبّث بكل يوم بشقّ الأنفس، مكتفية بقدر ضئيل من تقدير الذات.
ها هي الآن تقف أمامها امرأة ناضجة.
ظلت السيدة بيتس تحدّق طويلًا في شعرها الأشقر الذي بدا كأنه يلمع، ثم أطلقت زفرة منخفضة.
يا لها من مشاعر قاسية تعتصر صدرها…هي ليست ابنتها التي أنجبتها، ومع ذلك يثقل قلبها التفكير بأن تلك الرقيقة ستسير في طريق وعر.
ما الذي يدفعها إلى هذا القدر من القلق؟
وما إن رفعت يدها إلى رأسها المتعب حتى استدارت ليلى فجأة بعد أن كانت تحدّق إلى الخارج.
ابتسمت، وبدت ابتسامتها المتلألئة بأشعة الشمس محببة إلى أقصى حد.
عضّت السيدة بيتس باطن خدّها برفق، ثم تقدمت نحوها وقد محَت من على وجهها أي أثر للعاطفة.
“سنُجري مراجعة أخيرة.”
“حسنًا.”
جلست ليلى تبعًا لها.
وسرعان ما وضعت السيدة بيتس على الطاولة صورًا مرسومة لشخصياتٍ مختلفة واحدة تلو الأخرى.
تأملت ليلى وجوه كبار الشخصيات التي عرضتها عليها، وأجابت من دون تردد:
“هذه الماركيزة بومبانييه. تُوفي زوجها منذ زمن، وهي تُعدّ محور نساء المجتمع المخملي. علاقتها متينة بدوقة شيونيل، وهي من أوائل من ينبغي كسب ودّهن.”
“أحسنتِ. التالي.”
“الكونت كايل بولر. اكتشف مؤخرًا كميات ضخمة من النفط، ونال لقب ملك النفط…”
كانت الإجابات تنساب بسلاسة، فارتسم على شفتي السيدة بيتس ارتياح خفيف.
عرضت عليها مزيدًا من الصور، وبالطريقة ذاتها استعرضت ليلى المعلومات المحفوظة من غير خطأ واحد.
وضعت السيدة بيتس الصورة الأخيرة على الطاولة.
حدّقت ليلى قليلًا في المرأة المرسومة عليها، ثم رفعت رأسها.
“الآنسة دافيرا كلاوديا. تُعدّ قدوة للفتيات اللواتي يبدأن ظهورهن في المجتمع، وتتميّز بصورة نقية وطبع رقيق وبريء، حتى إنها تستأثر بمحبة مجتمع بريكنا بأسره. كما يُشاد بها بوصفها تجسيدًا للقديسة لوسيليا…”
“يكفي. يبدو أنكِ أتقنتِ الأساسيات بما فيه الكفاية.”
“نعم.”
رغم نبرة السيدة الصارمة، أدركت ليلى ما فيها من ثناء، فابتسمت بخجل.
تأملتها السيدة بيتس لحظة، ثم كتمت ابتسامة كادت ترتسم على شفتيها وتابعت الاختبار.
“والآن لنتحقق من مهاراتك في التعامل.”
فبقدر ما اهتمت بتعليمها الآداب ومعلومات المجتمع، أولت مسألة الحنكة الاجتماعية عناية أكبر.
فالمجتمع المخملي ساحة حرب تُخاض بالمراوح لا بالبنادق.
“لو أمسك أحدهم بيدك من غير إذن، ماذا تفعلين؟“
“أعبّر عن رفضي بأدب من غير أن أسيء إلى مشاعره.”
“ولماذا؟ ربما كان القصد مجرد التحية.”
“حتى في هذه الحال، فإن إمساك يد آنسة من غير إذن يُعدّ وقاحة. وإن كان القصد التحية، فالأمر يتوقف على مكانته… أمم، أظن أنني بحاجة إلى تحديد صفة الشخص أولًا يا سيدتي.”
رفعت عينيها قليلًا وهي تتكلم، فأومأت السيدة بيتس قائلة: “صحيح.”
“لنقل إن الشخص هو الآنسة كلاوديا. وسنُعدّل الموقف قليلًا.”
أضافت بعد تفكير:
“تخيّلي أن الآنسة كلاوديا تقدّمت لتحيتك مع مجموعة من الفتيات. بطبعها لن تُظهر العداء صراحة، لكن من حولها قد يفعلن.”
فغالبًا ما تأتي مثل هذه المواقف على حين غرّة، وحينها تكون سرعة البديهة هي الفيصل.
ولعلّها لم تواجه مثل ذلك من قبل، لذا طال صمتها.
وبينما بدأت ملامح السيدة بيتس تشتد، أخيرًا أجابت ليلى:
“أولًا… سأحرص على كبح مشاعري حتى لا أُستدرج إلى جدال. فكلما بدا التباين بيني وبين طبع الآنسة كلاوديا زادت الأقاويل التي تمسّ خلقي. بعد ذلك، سأشير إلى وقاحتهن بلباقة، من غير أن أبدو متذللة.”
“حتى لو كنّ من عائلات أرفع منكِ شأنًا؟“
“نعم. لأن تصرّفي ينعكس مباشرة على ليانتون.”
“همم…”
كان جوابًا مُرضيًا في الجملة، غير أن السيدة بيتس لم تُعلّق.
فالأرستقراطيون يقيسون الناس بميزان الطبقات بدقة شديدة، وما لم تجمعهم علاقة وطيدة أو إذنٌ مسبق، فهم ميّالون إلى الإقصاء.
لم تكن ترى أن تتحمّل الإهانات صامتة، لكن السؤال كان: إلى أي حدّ سيُغتفر لها ما قد يُعدّ جرأة؟
فمهما تغلّفت بالأدب، لن تُرى بعين الرضا بسهولة، فهي ليلى نوريس في نهاية المطاف.
تنهدت في سرّها: ما جدوى كل هذا؟
ربما لأن الوقت يقترب، صارت الهواجس السوداء تداهمها بلا انقطاع.
لكنها سرعان ما ضبطت تعابيرها وتابعت الأسئلة.
فمهما يكن، لا يجوز إهدار هذا الوقت الذي يكاد يكون الأخير في أحاديث عابرة.
تتابعت أسئلة السيدة بيتس وإجابات ليلى، ومعهما أخذت الشمس تميل رويدًا نحو الغروب.
وفي المساء، تناولت السيدة بيتس العشاء مع ليلى وقدّمت لها نصائحها الأخيرة:
“المجتمع المخملي ليس سهلًا أبدًا، ويزداد قسوة إن كثرت فيه الغيرة.”
“نعم، سأضع ذلك في اعتباري.”
“احرصي ألا تمنحي أحدًا ثغرة. وإن نبش أحدهم في أمورك الخاصة، فيكفي أن تردّي ردًا عامًا، فلا حاجة لأن تشرحي كل شيء بصدقٍ تام.”
“حسنًا.”
“لا تُظهري مستوى علمك ما استطعتِ. فثمة من تخرّجن في مدارس راقية وتلقّين تعليمًا خاصًا منذ الصغر، ولا وجه للمقارنة. حاولي أن تقودي الحديث إن استطعتِ، وإن لم تستطيعي، فالتفّي بالكلام وانسحبي. قد يبدو الأمر كالهروب، لكنه أهون.”
“نعم.”
“ولا تظنّي أن الدوق سيكون إلى جانبك دائمًا. فله علاقاته والتزاماته. تعلّمي أن تحلّي مشاكلك بنفسك، أيًا كان ما يحدث.”
“نعم.”
“وأخيرًا…”
ارتسم ظلٌ ثقيل على عيني السيدة بيتس البنيتين، فيما كانت تحرك شفتيها عدة مرات قبل أن تنطق.
“أهنّئك على دخول المجتمع المخملي يا آنسة نوريس.”
* * *
حلّ الليل عميقًا.
وعمّ السكون في قصر ليانتون الذي كان صاخبًا طوال اليوم.
بدا أن بعض من لم يخلدوا بعد إلى النوم كانوا يظهرون بين حين وآخر، لكن سرعان ما يختفون في ظلال الليل.
كانت ليلى تراجع أحداث الرواية التي ناقشتها مع السيدة بيتس خلال النهار، ثم أمالت بصرها نحو الخارج من النافذة.
لسبب ما، لم تفارق عيني السيدة العجوز المائلة إلى الأسى ذهنها، شعورٌ مُمِلّ المذاق لكنه أثار فضولها.
ما الذي أرادت قوله حقًا؟
وهل ظنّت أنني أفهم ما تود إيصاله؟
أم أنّني أتعجّل في الافتراض؟
مسحت ليلى بيدها النعاس الذي بدأ يتسلل إلى عينيها، ثم أسقطت بصرها على الكتاب الذي لم تُنهِ قراءته بعد.
طرق خفيف على الباب، ثم دخل كيلان إلى الغرفة بعد لحظات.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 30"