3
𓆟 الفصل 3 𓆝
اليدان اللتان تشققتا من كثرة التنظيف والأعمال المنزلية بدأ ينبت عليهما جلد جديد.
ما تزال آثار الندوب هنا وهناك واضحة، لكن قياسًا إلى قصر المدة، كان ذلك بحد ذاته أمرًا مدهشًا.
طالما نظرت ليلى خفيةً بحسد إلى يدي سابرينا ولينديا الناعمتين البيضاوين.
أما الآن، فقد أخذت يداها تتغيران لتغدوا أقرب إلى يديهما.
حتى شعرها لم يعد كما كان.
الخصلات التي كانت جافة باهتة صارت تلمع ببريق صحي، والشعر الذي كان يتناثر بإهمال على كتفيها أصبح مرتبًا على نحو جميل. وكان الفضل في ذلك لسايا التي أصبحت خادمتها الخاصة، إذ اعتنت بها ليلًا ونهارًا.
ومع ذلك، لم تستوعب ليلى بعد هذا التحول المفاجئ في حياتها.
ترتدي ثيابًا حسنة، وتتذوق طعامًا شهيًا مغذيًا، وتتلقى دروسًا لتعيش حياة السيدات… لكن في زاوية من قلبها ظل سؤال عالقًا.
تبدّلت عائلتها معها بين ليلة وضحاها أمر لم تألفه بعد.
غير أن الموضع الذي لم يحمل يومًا سوى الضيق لم يستطع مقاومة الزمن.
شيئًا فشيئًا، بدأت بذرة أمل دافئة تنبت فوق أرض قلقها.
‘أنا…سأتزوج.’
خاطبت نفسها في المرآة.
‘أنا أيضًا يمكنني أن أؤسس بيتًا.’
أسيكون بيتًا سعيدًا أم شقيًا؟ لا تعلم بعد. لكن المؤكد أن هذه فرصتها لتتغير.
‘إذًا عليّ أن أفرح. يحق لكِ ذلك يا ليلى.’
مدّت يدها تتحسس وجهها المنعكس على السطح الأملس.
كان الخدّان المورّدان غريبين عليها، ومع ذلك كان في صدرها إحساس خفيف يدغدغها فلا تستطيع كتمه.
“يا ترى… كيف يكون الكونت؟“
ما إن تسلل الفضول إلى قلبها حتى دخلت سايا تحمل مصباحًا.
لقد حان وقت الذهاب إلى جناح سابرينا.
غطّت ليلى وجهها الذي ازداد خجلًا بكفّيها، ثم خرجت تتبع سايا.
* * *
“هل تأكلين جيدًا فعلًا؟ لماذا لا يزيد وزنكِ إذًا؟“
بعد عشاء أمضته تتلقى قلق سابرينا المفرط، أنزلت ليلى نظرها إلى جسدها الظاهر تحت قميص النوم الرقيق.
بشرتها البيضاء بدت جميلة، لكن بروز عظامها ظل يزعجها.
رغم أنها تتناول كل ما يُقال إنه مفيد لجسدها بأمر من سابرينا، لم يزد وزنها قط.
“وصلت الدعوة بالفعل… ماذا نفعل الآن؟“
تسلل إليها القلق متأخرًا.
ماذا لو رُفضت كما قالت سابرينا لأنها هزيلة وقبيحة؟
تنهدت بخفوت ثم نهضت من طرف السرير.
وعلى الرغم من أنها تناولت عشاءً مشبعًا، أخذت تحشو جوفها بالحلويات الحلوة، والحليب، والخبز المدهون بالزبدة حتى شعرت بأن حلقها امتلأ.
ولم يكن غريبًا أن تتقيأ بعدها مرات عدة.
يومًا كانت تعاني لندرة الطعام، واليوم تعاني لكثرته.
سارت في الممر بخطوات متثاقلة متجهة إلى غرفتها في زاوية الطابق الثاني.
عندها انفتح باب بعنف وخرجت لينديا تعترض طريقها.
“يا لها من خادمة بائسة… وتظنين أنكِ نجحتِ؟“
لم يكن في ليلى طاقة للرد.
حاولت تجاوزها بصمت، لكن لينديا لحقت بها وأمسكت بذراعها.
“ألم تسمعي؟“
ما الذي أغضبها هذه المرة؟
الأيام التي تكون فيها في مزاج جيد نادرة، لكنها لم تعد ترغب في الانصياع لها. فهي الآن تُعامل كابنة من عائلة نوريس.
وحين لم تلتفت ليلى، ازداد غضب لينديا.
“يا غبية! أتظنين حقًا أنكِ ستصبحين سيدة بيت الكونت؟“
“……”
“مستحيل! هل تعلمين؟“
“ماذا… عليّ أن أعلم؟“
أخيرًا ردّت، لكن لينديا لم تهدأ. بل دفعت ذراعها جانبًا ووضعت يديها على خصرها.
“أها! أتتحدّينني الآن؟ لقد كبرتِ كثيرًا، أليس كذلك؟“
“……”
“كنتِ تزحفين على الأرض!”
تدفقت الشتائم بلا توقف.
في تلك اللحظة، تدلّى في حلق ليلى شعور ثقيل بالمهانة.
ففتحت فمها.
“…أختي.”
“ماذا؟“
“قولي… أختي…”
حتى لو لم تستطع اقتلاع طباع الخادمة من أعماقها، كانت تتمنى مرة واحدة فقط أن تسمعها من فم لينديا. وإن بدا طلبها سخيفًا.
“أأنتِ مجنونة؟!”
حطمت لينديا أمنيتها بسهولة وقسوة.
“أختي؟ أختكِ؟ هل فقدتِ عقلكِ؟ أتريدينني أن أناديكِ أختي؟ وأنتِ لستِ ابنة أمي؟“
“……”
“إن جننتِ فافعليها بأدب!”
وانقضّت عليها فجأة تمسك بشعرها الذهبي المتماوج.
شعرٌ لم تستطع امتلاكه يومًا، وقد صار الآن ناعمًا لامعًا تمزقه يد خشنة بلا رحمة.
لم تعرف ليلى كيف تقاوم.
لم تختبر شجارًا كهذا من قبل.
عجزت أمام السحب والخدش فسقطت أرضًا. ومع ذلك لم تتوقف اليد الغاضبة.
خدشت أظافر لينديا الطويلة بشرتها عدة مرات، وتبعثرت خصلات شعرها التي رتبتها سايا بعناية حتى بدت كأطفال الشوارع.
وفي تلك اللحظة، صعد البارون نوريس الدرج، وصاح غاضبًا وهو يرى ابنتيه متشابكتين:
“ما الذي تفعلانه!”
فابتعدت لينديا مذعورة عن ليلى.
“أ–أبي؟ لا شيء مهم…”
تراجعت ببطء، مستعدة للهرب إلى غرفتها إن لزم الأمر.
أما ليلى، فقد شعرت بارتياح لرؤيته.
فهو والدها، وهي على وشك الزواج، فلعلّه يوبخ لينديا على وقاحتها.
لكن في اللحظة التالية—
صفعة مدوّية!
ضربتها يد غليظة قاسية على خدها الأيسر، فاشتعل الألم كأنه يمزق جلدها.
“كيف تجرؤين!”
سال الدم من شفتها المشقوقة.
مسحته بيد مرتعشة وعيناها الشاحبتان تحدقان في الحمرة المتجمعة على أطراف أصابعها.
“تجرؤين على مدّ يدكِ! يا لكِ من جاحدة!”
كان صوته الغاضب ينهال عليها كالسياط.
لم تكن تطمع في حنان. ومع ذلك لم تستطع منع الشق الذي انفتح في صدرها.
‘ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟ لماذا أنا وحدي المكروهة؟‘
رغم أن المشهد ليس جديدًا عليها، تحطم قلبها إلى شظايا صغيرة. ولم تنتبه حتى إلى الابتسامة المرة التي ارتسمت على شفتيها.
مرة واحدة فقط، تمنّت لو كان في صفها.
لكن صوته لم يحد يومًا عنها.
لا في الماضي… ولا الآن.
كما كان الأمر في الماضي، هو كذلك الآن.
* * *
دخل رجلان يضعان قناعين أسودين إلى زقاق هادئ. وتوجّها إلى أحد المباني المتلاصقة بإحكام كأنها بناء واحد، وطرقا بابه بطريقة الشيفرة.
وما لبث أن انفتح شباكٌ صغير على مستوى الوجه، وارتفع صوت من الداخل:
— من الطارق؟
رفع ميكيل ذراعه وأظهر زرّ الكمّ المثبّت في كمه بدلًا من الإجابة، وكرّر كيلان الحركة نفسها تحت أنظار الحارس.
على الرغم من أنّ لهما سوابق عديدة في ارتياد هذا النادي السري، فإن الحارس كان يطرح السؤال ذاته في كل مرة ويتحقق بدقة من أهلية الدخول.
بعد لحظات، انفتح الباب الذي لا يختلف في مظهره عن باب منزل عادي بصمت. فتقدّم الرجلان إلى الداخل.
أول ما وقع عليهما البصر كان وهجًا برتقاليًا. فقد انبعث ضوء دافئ من ثريّا فاخرة ومشاعل مزخرفة على الجدران ناشرًا جوًا كثيفًا حميميًا يشي بالكتمان.
ولم يكن الضوء وحده سبب ذلك.
فمنذ المدخل، كان الناس متلاصقين في كل زاوية تقع عليها العين، كأنهم لا يبالون بنظرات الآخرين.
ولم يقتصر الأمر على الرجال أو النساء؛ إذ لم يكن بينهم تمييز.
فكلٌّ منهم غارق في عالمه الخاص، لا يعبأ بمن يمرّ بقربه. وإذا ما التقت عيون أحدهم بكيلان مصادفة، لعق لسانه بطريقة موحية.
تمتم كيلان بضيق:
“ما أقذر هذا المكان.”
فهمس ميكيل محذرًا:
“اخفض صوتك، قد يسمعونك.”
وما إن أنهى تحذيره حتى ترنّح أحدهم بعنف واصطدم بكيلان.
كانت تفوح منه رائحة خفيفة من الخمر، غير أن عينيه نصف المغمضتين أوحتا بأنه واقع تحت تأثير المخدر.
ضحك الرجل بترنّح:
“أأأعتذررر…”
كان نطقه متعثرًا وغير واضح. ثم تجاوز كيلان مترنحًا كأنه لم يستفق بعد.
ظل كيلان يراقب الرجل وهو يبتعد قبل أن يقطّب حاجبيه قليلًا. ثم نفض كتفه الذي اصطدم به ومضى نحو غرفة معتمة كان يُفترض أن تكون صالون استقبال في الأصل.
وسط الدخان الكثيف، استطاع أن يلمح هيئة مألوفة.
كان ذلك “الشبح” جونارد لاكان.
قال الأخير وهو يلتفت إليه:
“أوه، ها قد حضر صاحب المقام الرفيع؟“
كان شعر جونارد يميل إلى الأخضر الداكن حتى ليبدو أسود في بعض الزوايا.
رفع زاوية فمه بابتسامة مائلة توحي بأنه ينوي اقتناص صفقة رابحة الليلة أيضًا.
ولم يكن وحده من أبدى هذا التعبير. فكل من كان منهمكًا في اللعب حول الطاولة التفت إلى كيلان بالوجه ذاته.
سأله جونارد:
“أحضرت محفظتك ممتلئة كما ينبغي؟“
ثم سحب نفسًا عابرًا من السيجار العالق بين شفتيه، ونفث الدخان بتكاسل.
أجابه كيلان ببرود:
“لم أرَ كثيرَ كلامٍ إلا وكان صاحبه أقلّ شأنًا من كلامه.”
وبينما كان يجيل نظره على الطاولة، توقفت عيناه للحظة أمام جونارد.
كانت عيناه الذهبيتان وفيهما مسحة سخرية تشير إلى رزمة الأوراق النقدية التي لم يبقَ منها إلا القليل أمامه. ومع ذلك، أطلق جونارد ضحكة مكتومة متظاهرًا بالثقة.
“المال يُكسب ويُخسر، أليس كذلك؟ على الأقل حالي أفضل من حال بعضهم ممن لا يعرفون إلا الخسارة في كل مرة. آه، تبًا… أنسحب.”
وقذف بأوراقه فوق الطاولة بلا اكتراث.
ولمحة سريعة كشفت أن يده كانت رديئة للغاية؛ بالكاد زوج واحد إن صحّ التعبير، لا شيء يُعوَّل عليه.
[ المقصد ان سيء في لعب الاوراق الي يلعبها وماعنده الا ورقتين متشابهة ]
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 3"