قال كايلن ذلك وهو يراقب الشمس التي أخذت تميل نحو الغروب، ثم نظر إلى ساعته.
لم يشعر أنهما أمضيا وقتًا طويلًا هنا، ومع ذلك فقد اقترب موعد حظر الخروج الذي حددته السيدة بيتس قبل خروجهما.
“ما رأيك أن نعود قبل أن نتلقى توبيخًا؟ حتى أنا لا أطيق مواعظ السيدة.”
جاء صوته مازحًا كأنه يعلن نهاية هذه اللحظات.
“نعم، لنعد.”
تأملت ليلى يده الخالية برهة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
الزهرة التي خُيّل إليها ولو لوهلة أنها ربما كانت من نصيبها، لم يبقَ لها أثر.
تذكّرت بوضوح كيف أسقط الزهرة البرية البيضاء عند قدميه قبل أن يصعد التلّ؛ بدا حينها غير مكترث، كأن الزهرة لم تكن يومًا في يده، بلا تردد ولا أسف.
أليس هذا هو الطبيعي؟
لو كانا عاشقين يستمتعان بموعد غرامي، لاقتطف زهرة لحبيبته وقدّمها إليها ليرى تلك الابتسامة الخجولة.
لكن هذا كله ليس إلا وسيلة لصنع ذريعة.
وهي بدورها ما كانت لتفعل أكثر من أن تبتسم شاكرةً ابتسامة لائقة.
ربما راودها ذلك الخاطر للحظة قصيرة.
غير أنها لا تدري لماذا شعرت وكأن قلبها هو الذي سقط مع تلك الزهرة.
أمسكت بيده الممدودة وصعدت إلى ظهر الحصان.
ولأنها اختبرت التجربة بشدّة في المرة الأولى، استطاعت هذه المرة أن تحافظ على شيء من الهدوء في طريق العودة.
كان الوقت الذي استغرقاه للنزول من الحصان ثم الصعود إلى العربة السوداء ذات الأربع عجلات قصيرًا على نحو لافت.
ومنذ أن جلست في العربة، لم تنبس ليلى بكلمة.
اكتفت بكتم أنفاسها وتحمّل الصمت الثقيل الذي خيّم بينهما.
ما أغرب الأمر… لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة؟
عيناه الذهبيتان الداكنتان الشبيهتان بالكهرمان، كانتا غارقتين في عمق منخفض.
بدا مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل قليل.
حين أدارت رأسها متأثرةً بحدّة نظراته، التقت عيناها بعينيه.
وكأنه كان يحدّق بها طوال الوقت؛ حتى بعد أن تلاقت نظراتهما، لم ترتسم على وجهه أدنى ابتسامة، بل بدا غارقًا في أفكار عميقة.
اكتفت ليلى بابتسامة صامتة، ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة.
لولا ذلك، لما استطاعت احتمال هذا الصمت.
حتى عندما وصلت العربة إلى القصر، وحتى قبل أن تُسرع السيدة بيتس لاستقبالهما بقلق ظاهر، لم تخرج من فم الدوق كلمة واحدة.
* * *
“أما عن هذا الفستان، فميزته أنه يكشف ولا يكشف في آنٍ واحد. هل ترين هذا الدانتيل هنا؟ لقد صُنِع خصيصًا في متجرنا. نسجنا نقشته بأرفع الخيوط لنُبرز انحناءات الجسد، وتركنا فراغات شبكية تُضفي مزيدًا من الأنوثة.”
قالت مدام أوسوان ذلك بفخر وهي تخاطب السيدة بيتس.
ومع حلول موسم المناسبات الخريفية، بدا حماسها واضحًا وقد عاد الفستان الذي أعدّته بطموح إلى صاحبته أخيرًا.
كانت تتفحّص هيئة ليلى بالفستان، وفي الوقت نفسه تتحادث مع السيدة بيتس التي بدا على وجهها شيء من التجهّم.
“حقًا إنها تقنية لم أرَ مثلها من قبل. لكن في عينيّ العجوزتين، الأمر مبالغ فيه. أظنني طلبت فستانًا أكثر احتشامًا.”
“يا إلهي يا سيدتي! هذا الفستان طلبه الدوق بنفسه طلبًا خاصًا. أما البقية فستصل غدًا. ألم تسمعي بالأمر؟“
“الدوق؟“
“نعم. فستان يخطف الأنظار منذ لحظة دخول قاعة الرقص! فستان يجعل صاحبته نجمة الحفل بلا منازع! هذا تحديدًا ما طلبه.”
“مع ذلك، هذا…”
تبعت السيدة بيتس بنظرها خط الدانتيل الرقيق الممتد من أعلى الصدر إلى الظهر.
من قرب يمكن تمييزه كدانتيل، لكن من بعيد قد يُخيَّل للناظر أن البشرة مكشوفة تمامًا.
وحتى على مسافة قصيرة كهذه، بدت الصورة كذلك في عينيها المُتعبتين.
وفوق ذلك، كان اللون العام للفستان فاتحًا إلى حد يثير خيالًا لا يليق.
“هاها، أليس لا بد من شيء كهذا لخطف أنفاس الحشود؟ وأنتِ تعلمين يا سيدتي، في الآونة الأخيرة صار الجميع يميل إلى التستر الشديد. تخيّلي ظهور فتاة بهذه الروعة بفستان جريء كهذا. كيف سيكون وقع الأمر برأيكِ؟“
“…أمر لا يُحتمل.”
حتى لو كانت متحفظة الطبع، فليس بوسعها إلا أن تفكر هكذا.
ولو كانت مكانها لفكرت بالأمر نفسه.
عندها صفّقت مدام أوسوان بيديها قائلة:
“هذا بالضبط يا سيدتي!”
وضعت السيدة بيتس يدها على أذنها وقد دوّى التصفيق في سمعها وعقدت حاجبيها.
“قد لا أعلم كل شيء، لكن أليس هذا ما يريده الدوق؟ صورة جريئة، لافتة، غير مألوفة. هكذا فسّرت طلبه. أليس كذلك؟“
“حسنًا… قد يكون الأمر كذلك.”
عادت السيدة بيتس إلى الطاولة لتسكب لنفسها بعض الشاي، محاولةً ترطيب حلقها الجاف.
ومع ذلك، لم تكفّ عن إلقاء نظرات خاطفة نحو ليلى.
‘ليتها تنطق بكلمة واحدة.’
بطبعها لا بد أنها تشعر بشيء من الضيق، ومع ذلك لم تقل إنه فاضح أو يثقل عليها.
لمعت عيناها للحظة، ثم خمد ذلك البريق.
وكيف لا تفهم ما يدور في داخلها؟
قد تنجذب إلى كل ما هو جميل ولامع، لكن من ذا الذي يرتدي فستانًا يكشف نصف جسده ويبقى مطمئنًا؟
هكذا كانت ترى السيدة العجوز الأمر، وليلى كذلك لم يختلف شعورها كثيرًا.
‘إنهجميل… لكن…’
تشعر كأن القماش قليل أكثر مما ينبغي.
صحيح أن التنورة صُممت بطبقات متعددة من الشيفون، لكن ما عدا الصدر والبطن والخصر، كان الجسد محاطًا بدانتيل يكاد يكون شبكة شفافة.
ورغم أن مدام أوسوان كانت تمتدحها وتشبّهها بالجنية، كانت ليلى مشغولة بالتساؤل: هل يناسبني هذا حقًا؟
“أظن من الأفضل أن تبدّلي ملابسك الآن. وسأتحادث أنا قليلًا مع المدام.”
قالت السيدة بيتس ذلك وقد عادت إلى جانبها، ثم سلّمت الفستان الذي خلعته ليلى إلى إحدى العاملات، وانتقلت مع مدام أوسوان إلى مكان آخر.
وبينما كانت ليلى تبدّل ملابسها خلف الستار، قالت السيدة بيتس بصوت خافت:
“كما هو مذكور في العقد، يجب التكتم على هذا الأمر. إلى أن يمنح الدوق إذنه.”
“بالطبع يا سيدتي. لم أفشُ سرًا عن الآنسة في أي مكان. اطمئني.”
“جيد. سماع ذلك يطمئن قلبي. اعذري قلق عجوز مثلي.”
“أفهم تمامًا. لو كنت مكانك لفعلت الشيء نفسه. من يكون بقرب فتاة بهذه الرقة ولا يقلق عليها؟ لديّ ابنة أيضًا، وأعرف هذا الشعور جيدًا.”
هزّت السيدة بيتس رأسها موافقة.
فمنذ وصول ليلى إلى القصر، كانت مدام أوسوان مسؤولة عن أزيائها.
ولم يتسرّب أي خبر عنها يومًا، ورغم ميلها إلى الثرثرة، إلا أن لسانها كان أمينًا حين يتعلّق الأمر بالأسرار.
لولا الفساتين التي جلبتها اليوم، لكانت راضية عنها تمام الرضا.
تبادلت المرأتان بضع كلمات أخرى.
“هذا التصميم رائج هذه الأيام في مسقط رأسي، وينتشر سريعًا بين طبقة النبلاء الرفيعة. ألقِي نظرة عليه بهدوء، وإن رغبتِ في طلبه فأخبريني.”
“حسنًا، سأفعل.”
سلّمتها لوحة الأزياء الجديدة، ثم شرعت تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة.
نهضت السيدة بيتس بدورها.
“في زيارتي القادمة، سأحضر فستانًا يعجبك حقًا. آمل أن تصفحي عني يا سيدتي.”
قالت مدام أوسوان ذلك بابتسامة عريضة قبل أن تنحني بخفة.
كانت امرأة ماكرة حقًا.
وأخيرًا، أرخَت السيدة بيتس ملامحها وودّعتها حتى خرجت.
* * *
أخذت الصناديق تتكدّس في غرفة الثياب يومًا بعد يوم.
من فساتين جديدة فُصّلت خصيصًا، إلى شتّى الحُليّ الباهرة، حتى غدت الغرفة تمتلئ بألوانٍ وزينةٍ لا تنتهي.
ومع ازدياد عدد الصناديق، شعرت ليلى بأن شهيتها تتضاءل تدريجيًا.
ولعلّ ذلك ما جعل الوزن الذي اكتسبته بشقّ الأنفس منذ دخولها قصر الدوق يتناقص يومًا بعد يوم.
وبطبيعة الحال، أُعلنت في القصر حالة استنفار.
كانت آنا، الملازمة لها دومًا، أول من انتبه للأمر، ومن خلال تقريرها علمت السيدة بيتس أيضًا.
طلبت السيدة بيتس إعداد أطعمة خاصة، فتولّى الطاهي — الذي يفخر بكونه الأفضل في العالم حين يتعلّق الأمر بالطبخ — وضع قائمة تركز على أطعمة سهلة البلع، لطيفة على المعدة، وغنية بالقيمة الغذائية.
ولحسن الحظ، لم يتراجع وزن ليلى أكثر من ذلك.
غير أن كايلان الذي كان يراقبها لم يبدُ راضيًا.
“هل يكفيكِ هذا لتشبعي؟“
“عفوًا؟“
“عندما كنتُ في سنّكِ… لا، تناولي المزيد.”
كان على وشك أن يُكمل كلامه، لكنه أغلق فمه على عجل.
بدا له مضحكًا أن يتحدث بثقة الفارق العمري بينهما لا يتجاوز خمس سنوات.
فاكتفى بأن يدفع بصحن شرائح اللحم المقطّعة أمام ليلى بهدوء.
“لقد شبعت قليلًا.”
أسند كايلان ذقنه إلى يده وأخذ يتأملها بصمت.
أحقًا شبعت؟ باستثناء رشفةٍ تتناولها من النبيذ بين الحين والآخر، لم تتحرك يداها بعدها.
شعرت ليلى بثقل نظراته، فالتقطت قطعة من شريحة اللحم التي دفعها نحوها وبدأت تمضغها ببطء.
لم يكن لديها رغبة حقيقية، لكنها لم تستطع تجاهل الأمر.
لم تجد بدًّا من مجاراته كما يريد، منتظرة أن تنصرف عيناه الذهبيتان عنها.
هكذا انتهى الإفطار الذي لم يخلُ من شيء من التوتر، وعادت ليلى إلى غرفتها.
وبعد قليل، دخلت الخادمات إلى قاعة الطعام لرفع الأواني، لكنهن تراجعن مسرعات.
فالدوق، الذي اعتاد أن يغادر إلى الجناح الشرقي فور انتهائه من الطعام، ظلّ هذه المرة جالسًا على غير عادته.
كان كايلان ما يزال في الوضعية نفسها يحدّق في المقعد الذي كانت تجلس فيه ليلى.
نظرةٌ باردة في ظاهرها لكنها معقّدة في عمقها هبطت على الصحن الفارغ المرتّب بعناية أمامه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 28"