𓆟 الفصل 27 𓆝
“ كلما كان المسرح أصعب، كان أنسب لغرس الانطباع الأول. ومن المؤكد أن الآنسة كلاوديا لن تتوقع هذا المسار. حضور سموّ الدوق وحده مفاجأة، فكيف إذا ظهرنا معًا؟ ستكون صدمة لا يُستهان بها.”
“ همم… لعلّي أتمنى فعلًا أن يكون الأمر كذلك.”
“و …”
“ هل هناك شيء آخر؟“
أنزل كيلان نظره إلى شفتيها المتردّدتين.
وعلى غير عادتها قبل قليل، بدا التردّد واضحًا عليها.
بعد لحظة، انتفخ الحجاب الأسود الذي يغطي وجهها مع زفرة قصيرة، ثم انسحب صوتها كهمسٍ خافت:
“ أعتقد أن دوري هو إفساد بهجة الحفل.”
بدا وجهها المنخفض بنظره مسحة حزنٍ شفيفة.
ظلّ كيلان يحدّق فيها شاردًا؛ كانت تدرك موقعها بدقة، بل وكأنها تختار بنفسها الموضع الذي ستتدحرج إليه.
تلك العينان اللتان أوشكتا على أن تترطّبا، راحتا تجفّان تدريجيًا مع النسيم العابر.
‘ أكان مجرّد وهم؟‘
حوّل بصره إلى خارج النافذة وقال:
“ صحيح. ولهذا السبب أيضًا أحميكِ.”
‘حماية …’
كانت الكلمة غريبة على لسانه بعد زمن.
أله حقّ أن يتحدّث عن الحماية وهو من يدفع حياة امرأة إلى المستنقع؟
تناقضٌ صريح.
ظلّ يراقب المشهد خارجًا بعينين باردتين، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة.
“ احفظي هذا الطريق جيدًا. على الأقل اعرفي ما يوجد في كل مكان، كي تنساب الأكاذيب من لسانك بسلاسة.”
وقد عاد وجهه صافياً، راح يتأمّل الأشجار الكثيفة التي بدأت تتلوّن بألوان الخريف.
كان الطريق تصطفّ على جانبيه أشجار حورٍ شاهقة، مزروعة على مسافات متباعدة في تناغم لافت.
كما قال، راحت ليلى تحفظ المشاهد بعينيها: أشجار طويلة تخترق السماء، بحيرة بلونٍ أخضر مزرقّ تمتد بمحاذاة الطريق الترابي، كوخ صغير يلوح في الحقول البعيدة، وقطعان غنم ترعى بطمأنينة.
سماء صافية، ظلال أشجار داكنة، نسيم عليل، رائحة ترابٍ جافّ وعشبٍ أخضر… وفوق ذلك، عبير مسكيّ كثيف يختلط بالهواء.
لحظةٌ قد تكون الأولى والأخيرة في آنٍ واحد؛ نزهة معه، وتوثيقٌ لذريعةٍ ستُحفر عميقًا في الذاكرة.
* * *
“ انهضي الآن يا ليلى.”
“ لـ– لكن… هذا مخيف.”
“ لا داعي للخوف. لن أدعكِ تسقطين.”
أخذت تنهيدة كيلان تطول أكثر فأكثر.
كانت ليلى متشبّثة برقبة الحصان الطويلة، تعانقها بكل قوتها، ولا يبدو عليها أي تحسّن.
كأن لا أحد في هذا العالم أضعف منها في الأعمال الجسدية.
وليس ذلك بغريب؛ فقد مضت ساعة كاملة من الشدّ والجذب.
“ ثقي بي. لفي رأسك وانظري هنا أيضًا.”
“ إ– إلى أين… ؟“
“ إلى اليسار. هكذا.”
“……”
“ أترين؟ أنا أمسكُ اللجام جيدًا، فلا تقلقي.”
حدّق في عينيها الخضراوين المرتجفتين كأوراق الحور، وأطلق تنهيدة جديدة.
“ جسدي… لا يطاوعني.”
كادت تبكي وهي تتذرّع بعذرٍ واهٍ، بينما كان ارتفاع المكان يبعث في نفسها دوارًا، وكلما حرّك الحصان رأسه خُيّل إليها أنها ستُلقى أرضًا.
ارتجف جسدها قشعريرةً.
تصلّب جسدها منذ وقت، وابيضّ ذهنها حتى عجزت عن التفكير.
“ هووف… لا مفرّ إذن.”
في النهاية، تخلّى كيلان عن فكرة تعليمها الفروسية.
أدهشه من جديد أن تتمكّن امرأة من دفعه إلى التراجع بهذه السهولة.
ربّت على رأسها بخفة، ثم اعتلى الحصان خلفها في حركة واحدة.
ما إن تحرّك الحصان حتى صرخت فزعةً مرة أخرى.
“ لا بأس يا ليلى.”
كأن تلك المرأة الهادئة التي يعرفها قد اختفت.
رفعها قليلًا وأسندها إلى صدره.
كانت تمسك ذراعه بقوة كي لا تسقط، وبدا عليها الضعف بشكل مؤلم.
“ تنفّسي. افتحي عينيكِ. عليكِ أن تنظري أمامك.”
كان خفقان قلبها يكاد يقفز من صدرها، واهتزازها ينتقل إليه بوضوح.
انتظر حتى هدأت أنفاسها قليلًا، ثم ضغط برفق على خاصرة الحصان.
انطلق الحصان أخيرًا بعد انتظارٍ طويل، وتجاوز السياج الأبيض، وعبر المراعي الصغيرة، حتى انفتحت أمامهما سهولٌ خضراء واسعة.
واصل كيلان الركض بين الأشجار المتناثرة.
كان الهواء المنعش يبدّد ضيق الصدر.
تمنى لو تشاركه ليلى هذا الشعور، لكنها بدت مشغولة بارتباكها بين ذراعيه.
‘ على الأقل، تحسّنت قليلًا.’
بدت أهدأ من ذي قبل، حين كانت وحدها فوق السرج، وإن ظلت متشبثة به.
كبح رغبته في إطلاق الحصان بأقصى سرعته، وراح يخفف الوتيرة تدريجيًا لتألف الركوب.
ارتفع رأسها ببطء.
تراقص شعرها الأسود المشابه لشعره مع الريح.
“ هل وضعتِ عطرًا على شعركِ أيضًا؟“
خُيّل إليه أن رائحةً حلوةً تفيض من خصلاتها.
حتى توهّم أن كل روائح العالم تصدر منها وحدها.
وفي تلك اللحظة، شعر بثقلٍ في أسفل بطنه وجفافٍ في فمه.
إشارة سيئة.
‘ تبًا.’
برزت العروق على ظهر يده وهو يقبض اللجام بقوة.
لم يتوقع هذا أبدًا؛ أن يستجيب جسده لمجرّد احتكاكٍ طفيف.
شدّ اللجام فجأة.
كان الابتعاد عنها الآن خيرًا له.
“ لنسترح هنا.”
نزل مسرعًا وربط اللجام بجذع شجرة.
حتى من دون أسبابه الخاصة، كان التلّ المنخفض مكانًا مناسبًا للاستراحة.
استدار ومشى مبتعدًا ثم تذكّر فجأة أنه لم يُنزلها.
“هاه …”
كانت ما تزال عالقة فوق الحصان، تتلوّى في حيرة.
مسح وجهه بحدة، ثم صعد التلّ من جديد ومدّ يده.
“ آسفة… حاولت النزول وحدي لكن…”
“ لا بأس. أمسكي يدي.”
كانت نبرته أبرد من المعتاد، فانكمش صوتها.
“ أتنوي البقاء هكذا؟“
رغم علمه بحالها، لم يلن صوته.
كان عقله يعقل الأمر، لكن كل ما يريده الآن هو الابتعاد.
أمسك يدها بالقوة وأبعدها عن السرج، ثم وجّهها لتطوّق عنقه.
اقترب وجهها واشتدّت رائحتها.
ابتلع ريقه وأحاط خصرها بيدٍ واحدة وأنزلها دفعة واحدة.
ما إن لامست قدماها الأرض حتى انثنت ركبتاها وسقطت جالسة من فرط الارتياح.
نظر إليها بجمود وقال:
“أنا … لحظة …”
لكن الجملة لم تكتمل.
لم يجد تفسيرًا لحاله.
فاكتفى بأن يستدير مبتعدًا عن ليلى.
* * *
كان خفقان قلبها غير طبيعي.
مضت دقائق منذ أن نزلت عن الحصان، ومع ذلك لم تهدأ الرجفة.
رفعت ليلى يدها المرتعشة وضغطت على صدرها برفق.
“ يا له من موقف مُحرج.”
بل لعلّه، إن كانت أدقّ، خجل.
كأن صوت تنهيدته التي أطلقها نحوها لا يزال يتردّد عند أذنها.
لكن ما يفوق ذلك حضورًا هو حرارة جسده الدخانية التي شعرت بها خلف ظهرها قبل قليل، وكأنها ما تزال عالقة على بشرتها.
كلما اختلّ توازنها، امتدّت تلك اليد الكبيرة بلا تردّد.
وفي النهاية، التفّ ذراعه الصلب حول خصرها ليسندها.
لم يكن في تصرّفه أي أثرٍ لمشاعر؛ كان عفويًا وجافًا كما هو دائمًا، ومع ذلك راحت الحرارة تتصاعد إلى وجهها مرارًا.
“ ماذا أفعل؟“
المشهد من حولها كان أخّاذًا؛ ألوان الخريف تتداخل فوق الطبيعة، وعناقيد الزهور البيضاء تتمايل في النسيم العليل بسلامٍ عجيب.
أخفت ليلى وجهها المتورّد وألقت بنظرةٍ شاردة إلى البعيد.
حتى فوق السقف الأحمر لحظيرة الرعي البعيدة، كان دخان العشاء المبكر يتصاعد خفيفًا في الأفق.
“ ماذا أفعل… ؟“
وعند عودتها بنظرها، وقع بصرها على هيئة الرجل.
ثبتت عينيها على ظهر كيلان وهو يمضي مبتعدًا.
توقّف فجأة.
انحنى نحو زهرة برّية نبتت عند قدميه.
بدا كأنه يقطفها بلامبالاة، ثم التفت نحوها.
رغم المسافة، تلاقت نظراتهما.
أطرقت رأسها على عجل كأن احمرار وجهها سينكشف.
نهضت بسرعة واقتربت من الحصان الذي كان يرعى بهدوء.
مدّت يدها لتداعب فراءه البنيّ الناعم، غير أن أصابعها ارتجفت قليلًا.
“هووه …”
“ اهدئي.”
سحبت نفسًا طويلًا، ثم أخرجته بعمق حتى انقبض حجابها الحاجز.
مرة… مرتين… ثلاثًا.
كأنها تحاول أن تنتزع من قلبها شعورًا تسلّل إليه من دون إذن، واصلت التنفّس بلا انقطاع.
كانت قلقة بشأن طريق العودة، لكن تهدئة نفسها كانت أولى الآن.
‘ ليست نزهة حقيقية.’
لا يمكنها أن تنساق خلف وهمٍ أفسد عقدهما.
إذًا، ما تشعر به ليس خفقانًا من الإثارة، بل خوفٌ من أول تجربة ركوب.
‘ إنها مجرّد ذريعة… فلا تسيئي الفهم.’
ظلّت تردّد الكلمات ذاتها في سرّها حتى عاد كيلان إلى جانبها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 27"