وعلى وجه كيلان، الذي بدا جامدًا بحيث يصعب تخمين أفكاره، ارتسمت ابتسامة خفيفة لبرهة.
ألقى الوثيقة الرسمية التي كان يطالعها على المكتب، ثم أسند ظهره إلى الكرسي.
“أهو أحمق… أم يملك جرأة لا بأس بها؟“
قد يقدَّر له شيء من الشجاعة، لكن الأمر بالنسبة إليه لا يعدو كونه مسألة هامشية.
فمن البديهي أن الدعوى التي رفعها البارون نوريس لن تُلحق به أي ضرر يُذكر.
ومع ذلك، أليس في هذا تجاوزٌ للحد؟
“متلازمة ستوكهولم…؟“
أن يحوّل ابنته إلى فتاة ضعيفة الإدراك أو مختلة عقليًا دون أدنى تردد، ثم يدّعي – على نحو يثير السخرية – أنها وقعت في حب الدوق ليانتون، وهو نفسه من اختطفها بعد أن فقدت قدرتها على التمييز.
وبسبب هذه المزاعم، وصل صباح اليوم استدعاء من المحكمة.
مفهومٌ أنه يرغب في استعادة ليلى، لكنه اختار وسيلة خاطئة.
“يا ترى، ما الذي يظن أنني سأقوله؟“
مرّر يده على ذقنه بهدوء، وبدا عليه شيء من الاهتمام.
أيساير هذا الإيقاع الساذج؟ أم يستغل الفرصة ليفرق بين البارون والكونت الذي لا شك أنه ساعده في هذه القضية؟
أياً كان اختياره، فلن تكون هناك مشكلة حقيقية.
ومع امتداد صوت عقرب الثواني المتتابع، طال معه وقت تفكيره الممتع.
وفي تلك اللحظة، سمع جلبة قادمة من خارج النافذة.
كان الصوت يتردّد منذ قليل، لكنه الآن صار واضحًا تمامًا.
اقترب كيلان من النافذة وألقى نظرة على الحديقة.
في أحد أركانها، التي تُرى كاملة من غرفة المكتب، لمح امرأة تضحك محاطة بالخادمات.
“ليلى نوريس.”
يبدو أن الظل الذي كان يخيّم عليها قد تلاشى إلى حدٍّ كبير الآن.
أصابعه المغروسة في جيبه ما زالت تنقر بإيقاع خافت، كأنها تزن أمرًا ما.
أما نظرته إليها، فغدت أكثر جدية.
“أيّهما تريدين أنتِ؟“
أن تصبحي سيدة بيت البارون الذي لم تنالي منه يومًا التفاتة حقيقية؟ أم قطيعة أبدية مع والدين كانا كأنهما غير موجودين؟
ظل ينتظر بهدوء، كأنه يمنح ليلى حق الاختيار ومع ذلك لم يفارقها بنظره.
شعرها الذهبي المتكسّر تحت أشعة الشمس كان يبرق بإبهار.
وحتى ابتسامتها التي لم تنضج بعد كزهرة لم تتفتح كليًا وما زالت منطبقة كانت تجذب الأنظار.
من غير أن يشعر، انحنى طرفا شفتي كيلان بلطف.
“شكرًا على إجابتك يا ليلى.”
كانت عبارة منعشة على نحوٍ لافت، بالنظر إلى أنها موجّهة إلى امرأة لا تعلم شيئًا عمّا يدور.
سرعان ما استدعى كيلان إيساك، وأمره بالبحث عن سلسلة فنادق متعثّرة، وأضاف إلى ذلك أن يرتّب موعدًا للقاء مع البارون نوريس.
إيساك الذي خمّن الوضع على نحوٍ عام، تمتم بالدعاء للبارون نوريس، ثم غادر مكتب العمل بهدوء.
* * *
“بدّلوا الشركاء الآن. حافظوا على التشكيل الكبير. هل تنوي إرباك شريكتك يا أنتوني؟ حسنًا، استمرّوا… دوران!”
في قاعة الدروس حيث تتعاقب أنغام البيانو بين البطيئة والسريعة، دوّى صوت السيدة بيتس واضحًا رنّانًا.
“الخطوات أخفّ قليلًا! كأن ريشةً تهبط على الأرض. آنسة نوريس، انظري إلى شريكك!”
كانت تُدرّب ليلى على الرقص بمشاركة عدد من الخدم والوصيفات الذين لم يسبق لهم تعلّم الرقص.
“اثنوا الركبتين وافردوهما، وانظروا إلى الشريك مع انحناءة تحية خفيفة. جيد. والآن بدّلوا الشركاء مجددًا.”
جاء ذلك وفقًا لرؤية السيدة بيتس التي تولي التطبيق العملي أهمية كبرى؛ فموسم المناسبات الاجتماعية في الخريف قد بدأ رسميًا، ومن الأفضل أن يعتادوا الأجواء ويختبروا التجربة – ولو بصورة غير مباشرة – مسبقًا.
تصفيق!
“التالي، إيتِــي (Été)! الإيقاع يتغيّر. أسرع وأكثر حيوية!”
تحوّلت المقطوعة القصيرة إلى إيقاع ثنائي، ومعه أخذت أنفاس الراقصين تثقل شيئًا فشيئًا.
فقد كانت هذه المرة هي التكرارَ الخامس أو السادس للمقطوعة ذاتها، وبدا الإرهاق واضحًا على وجوه الجميع.
ومع ذلك، لم يُظهر أحدٌ تعبه.
وكانت ليلى كذلك.
فتأثير السيدة العجوز التي تُدرّس بحماسة تفوق الجميع، لم يترك لها مجالًا لا للتذمّر ولا حتى لطلب استراحة قصيرة.
كما أن موعد ظهورها الأول بات قريبًا، ولم يكن بوسعها أن تهدر ما تبقّى من وقت.
تتالت أصوات الأحذية وهي تضرب الأرض: تَتَتَك، طَق طَق! وصارت الآن أكثر انسجامًا مع الإيقاع.
راحت ليلى تستحضر في ذهنها الحركات التي تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة معقّدة، وتُتقن بناء رقصة الكادرِيّ (Quadrille) التي ستكون افتتاحية حفل الرقص.
عندها، طُرق باب قاعة الدرس طرقًا خفيفًا.
وعلى الرغم من امتزاج الطرق بنغم البيانو وأصوات الخطوات، بحيث يكاد لا يُسمع، فإن السيدة بيتس أدركت فورًا أن الزائر هو كيلان.
أوقفت العزف على عجل ونظرت ببرود إلى كيلان وهو يدخل.
بدا على ملامحها استياء واضح من مقاطعته الدرس.
“ما الأمر؟“
رنّ صوتها منخفضًا في القاعة التي خيّم عليها الصمت فجأة.
كان سؤالًا يحمل في طيّاته معنى: “لماذا تمكث في القصر في هذا الوقت من النهار؟” أو “ما الذي يدعوك إلى إزعاج درسي؟“
ابتسم كيلان ابتسامة خفيفة نحو العجوز المستاءة، ثم حوّل نظره مباشرة إلى ليلى.
“أظن أنني حجزتها لليوم، أليس كذلك؟“
تأمّل وجه ليلى اللامع بالعرق لحظة، ثم أمعن النظر ببطء في شعرها المرفوع عاليًا والمبتلّ المتدلّي عند عنقها.
لو اقترب قليلًا ودفن أنفه عند مؤخرة عنقها، لربما فاحت رائحة العرق المختلطة بعطرها الجسدي. [ بالله عليك ]
ومع ذلك، لسببٍ ما، لم يبدُ له أن تلك الرائحة ستكون مزعجة.
تقدّم خطوة وتوقّف أمامها.
وبحركة عفوية، أزاح خصلة شعر التصقت بعنقها، وألقى نظرة خاطفة على وجهها.
كان احمرار بشرتها البيضاء منظرًا جميلًا.
ثم التفت مبتسمًا إلى السيدة بيتس.
“أنسيتِ يا سيدتي؟“
نبرته المرحة لاحقت العجوز التي حاولت التظاهر بعدم الفهم.
“أقلتُ ذلك فعلًا؟“
“بلى.”
“همم… لا مفرّ إذن. سننهي الدرس هنا. تفرّقوا جميعًا.”
بأمرها، غادر الخدم والوصيفات القاعة بسرعة.
“لا ينبغي أن يطول الأمر. ليس من الحكمة لفت الأنظار منذ الآن.”
“بالطبع.”
ضحك كيلان بخفة، ومدّ يده نحو ليلى.
وانتظر بصبر المرأة التي ترددت قليلًا بين أن تمسكها أو لا.
في تلك اللحظة، أطلقت السيدة بيتس زفرة قصيرة وتدخّلت بينهما.
التعليقات لهذا الفصل " 26"