على أحد جوانب المكتب، وُضع أصيص نبات كانت قد أهدته له قبل سنوات بمناسبة انتقاله إلى هذا المكان، وقد ذبل وتيبّس تمامًا.
بدا أن كل شيء آخر قد تم التخلص منه، ما عدا هذا الأصيص وحده، وكان حضوره يلفت انتباهها مرارًا.
حاولت بصعوبة أن تصرف بصرها وجلست.
“وهل تظنّ أن حالي مختلف؟“
“جيّد إذن. ولكن… ما الذي جاء بكِ اليوم؟“
سألها كيفن بينما كان يصبّ الشاي.
عندها، وبعد تردد للحظات، فتحت السيدة بيتس شفتيها بحذر.
“أكره أن أطلب هذا، لكنه أمر أودّ لو تبحث فيه لي.”
“وفيما يخصّ ماذا؟“
“يتعلق بفتاةٍ صغيرة…”
راح كيفن يحدّق في وجه والدته مستغربًا إطالتها الحديث بطريقة غير معتادة، ثم شجّعها برفق:
“تفضّلي، قولي ما لديكِ.”
لكنّ كلماتها لم تخرج بسهولة.
كانت بين حين وآخر تحدّق إلى ذلك الأصيص الجافّ، قبل أن تنطق أخيرًا بصوت خافت:
“هل يمكنك معرفة ما إذا كان لتلك الفتاة والدٌ آخر غير المذكور؟“
“ومن تكون؟“
أخرجت السيدة بيتس ورقة من حقيبتها ووضعتها أمامه.
فتح كيفن الورقة فورًا وقرأ البيانات المدونة عليها.
“ليلى نوريس؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل. من تكون هذه؟“
“لا أعلم. وهذا ما يثير قلقي. كل ما أعرفه أنها تعيش حاليًا في بيت الدوق.”
“…….”
“هل يمكن أن يكون الأمر صعبًا؟“
عادت تسأل بحذر.
ظلّ كيفن يفكر قليلًا قبل أن يقول:
“هل تشكّين بأن هذا الرجل المسمّى نوريس ليس والدها الحقيقي؟“
“نعم. ويبدو أنه هو نفسه يساوره الشك أيضًا. أظنّه يعتقد أن أمّ الفتاة أنجبتها خارج البيت.”
“وهل والدتها متوفاة؟“
“هذا ما وصلني.”
“همم…”
لم يرفع كيفن نظره عن الورقة.
فالمعلومات قليلة، ولا يمكنه الجزم بشيء.
وفوق ذلك، فإجراءات التأكد من النسب معقّدة جدًا.
يجب أولًا الحصول على تعاون البارون وحتى إن وافق فالنتائج ليست مضمونة بدقة.
وإن لم يكن الرجل والدًا لها فعلًا، فالمشكلة أعظم. كيف يمكن العثور على رجل مرتبط بامرأة قد ماتت منذ زمن؟
قطّب كيفن حاجبيه قليلًا، وما إن رأت السيدة بيتس ذلك حتى تنهدت بأسى.
“يبدو أن الأمر صعب. لقد بالغتُ في الطلب، أليس كذلك؟“
كانت ترغب بشدة في إنقاذ تلك الفتاة من البارون الوقح، لكن يبدو أن الأمر غير ممكن.
“انسَ ما قلته. آسفة لأنني سرقت من وقتك وأنت مشغول.”
وقفت السيدة بيتس بعد أن جلست بالكاد.
كم بدا ذلك تصرفًا غير لائق منها تجاه ابنها المرهَق.
نعم، كانت غاضبة حين جاءت، لكن حين تفكرت بالأمر، أدركت أنه ليس شأنًا ينبغي لها التدخل فيه.
ربما سيعتني كيلان بالأمر كما يجب.
وحين خطر لها أنها قد تجعل الأمور أسوأ بتدخلها، استعادت هدوءها.
على الأقل، رأت وجه ابنها بعد مدة طويلة، وهذا يكفي.
“لا يا أمي. سأحتفظ بهذه الورقة، فقد نحتاج إليها لاحقًا. وإن حدث أي شيء، فاتصلي بي.”
“حسنًا، كما تشاء.”
ربّتت على كتفه برفق، ثم غادرت عائدة إلى القصر.
* * *
بلغت حرارة الشمس ذروتها.
وعلى الرغم من فتح جميع النوافذ للتهوية، بقي الهواء داخل الغرفة حارًا وثقيلًا.
كانت ليلى ترتدي ثوبًا صيفيًا خفيفًا يكشف كتفيها وذراعيها، ومع ذلك، ظلّ العرق يتصبّب من وجهها ورقبتها دون توقف.
وبينما كانت تربّت بمنديل على وجهها، سُمع طرق خفيف على الباب ثم فتح وألقت ليتي برأسها إلى الداخل.
“آنستي، هل يمكن أن تخرجي للحظة؟“
نظرت ليلى إلى إشارة ليتي المترددة، فنهضت بسرعة.
بدا على ملامح ليتي الحذر، فخشيت ليلى أنها ارتكبت خطأ ما مرة أخرى.
ليته ليس أمرًا سيئًا…
وما إن اقتربت منها، حتى أمسكت ليتي بيدها وسحبتها إلى الخارج.
“إلى أين نذهب؟“
توقعت ليلى أن تكون الوجهة قاعة الخدم، لذا كان الاستغراب أول ما شعرت به.
لكن ليتي التي بدت منذ قليل متجهمة، أخذت تبتسم بصمت دون أن تجيب.
عبرتا طاولة الحديقة الخارجية وحين وصلت ليلى إلى مدخل الحديقة، أدركت أخيرًا ما يجري.
“هذا المكان…”
في وسط الحديقة، بين زهور الغلاديولس بألوان زاهية وماريغولد صفراء مبهجة، كانت هناك قطعة قماش مربعة مفروشة على الأرض، وفوقها سلال مليئة بالفاكهة والبسكويت بشكل مرتب.
وحين رأت الخادمات ليلى، هببن واقفات على عجل.
“مرحبًا بقدومكِ يا آنسة.”
“…أه.”
لم تفهم ليلى شيئًا في البداية، فنظرت إلى آنا التي كانت تبتسم بين الخادمات ثم التفتت إلى ليتي.
“ما الذي يحصل؟“
“السيدة بيتس خرجت اليوم، أليس كذلك؟ فقلنا إن عليكِ أن تستريحي قليلًا أيضًا. نودّ دعوتكِ إلى وقت الشاي معنا… إذا لم تمانعي.”
“هممم؟“
“آه، قبل ذلك كان يجب عليّ الحصول على إذن لاستخدام الحديقة، أعتذر عن ذلك.”
“لا، لا بأس بذلك…”
فالمكان ليس ملكًا لها حقًا، وقد أخبرت الخادمات منذ زمن أنه بإمكانهن إقامة وقت الشاي هنا متى شاءن.
لذلك، لم يكن هناك أي مشكلة في استخدامهن للحديقة.
ما كان يلفت الانتباه فقط هو الحلويات والمشروبات التي بدت أكثر فخامة من المعتاد، وأقمشة مربوطة بشكل جميل بين الزهور والشجيرات لتزيين المكان.
وقفت ليلى ساكنة، فدفعتها ليتي برفق نحو الداخل.
“مكانكِ هناك في الداخل، أفضل مكان في الحديقة.”
لم يكن هناك أي علامة على أنه مكان مخصص، ومع ذلك، دفعت ليتي ليلى حتى وصلت أمام النافورة.
حينها، وضعت آنا القبعة على رأس ليلى.
“الشمس حارّة، من الأفضل أن ترتديها.”
كانت تلك قبعة قش أهدها لها كيلان، ولمست ليلى الشريط الجميل الذي ربطته آنا على القبعة، وجلست في مكانها مترددة.
“هممم! انتبهوا جميعًا. تعلمون أن آنستي ليلى قد وصلت إلى هذا القصر منذ أكثر من ثلاثة أشهر، أليس كذلك؟ على الرغم من كونها الأصغر، فقد أعددت لها هذه المناسبة الخاصة. أيها الزميلات والقديرات! ربما تأخرت قليلاً، لكن فلنصفق جميعًا لآنستي!”
بدأت ليتي بحركة مبالغ فيها وبروح مرحة، فصفّق جميع من حولها، نحو عشرة من أعضاء وقت الشاي، استجابةً لدعوتها.
“مبروك، آنستي.”
“مبروك.”
“مرحبًا بكِ في هذا المكان، آنستي.”
من الخادمات المخضرمات إلى الجدد، رحب الجميع ليلى.
“شـ… شكرًا…”
أجابتها ليلى بخجل، لم تكن تتوقع أبدًا أن تكون هذه مناسبة للاحتفال بها، فحكّت وجهها المحمر من الحياء.
ضحكت الخادمات من ذلك المشهد، ثم وجّهت كل منهن كلمة لليتي:
“لقد بذلت جهدًا يا ليتي.”
“آه، لا شيء، لم أفعلها وحدي.”
“ولكن لولاكِ لما خطرت لنا هذه الفكرة!”
“هذا صحيح.”
ضحكت ليتي، وسرعان ما انهالت تعليقات مزاح حول تواضعها، وسط ضحك الجميع.
في ذلك العصر الهادئ من بعد الظهر، وبابتسامات مرحة وحوارات دافئة، شعرت ليلى بشيء مؤثر يتفتح في قلبها.
كيف كان يمكنها أن تتخيل أن مثل هذه اللحظة المؤثرة ستأتي في حياتها؟
كانت ليلى دائمًا شخصًا مهمشًا ومُهملًا في كل مكان، والآن، كانت تُرحّب بها الآخرين، وتندمج معهم بسلاسة.
اشتعلت مشاعرها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها.
راحت آنا التي كانت تراقبها بهدوء تمدّ لها منديلًا.
عندها، أدركت ليلى الدموع التي كانت تنهمر على وجنتيها.
أسقطت قليلاً حافة القبعة لتغطية وجهها، ومسحت دموعها بسرعة بينما كانت الخادمات تضحك وتتحدث حولها.
ثم قالت ليتي:
“آه، صحيح، يجب أن تقولين شيئًا أيضًا يا آنستي.”
“أ… أنا؟“
اتسعت عينا ليلى وهي تحدّق في ليتي.
ابتسمت ليتي ابتسامة صافية وسلمت لها الملعقة التي كانت تحملها.
“بالطبع، هذا مكان من أجلكِ.”
“لكن… لا أعلم ماذا أقول.”
“لا بأس بأي كلمة، لا تشعري بالضغط. يمكنكِ التعبير عما شعرتِ به طوال الفترة الماضية، أو الحديث عن ما تناولته اليوم. فالمكان هنا يسمح بذلك، لا حاجة للتكلف.”
كانت ليتي أصغر منها بخمس سنوات، لكنها أبدت نضجًا ملحوظًا.
حدّقت ليلى في عينيها البنيتين الدافئتين وانحنت برفق ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت بصرها إلى الأمام مجددًا.
“شكرًا لكم جميعًا… أظن أن هذا اليوم، وصورتكم جميعًا سيظل في ذاكرتي إلى الأبد.”
تدفقت الدموع مجددًا في عينيها.
شدّت ليلى عضلات عينيها.
لم يكن هناك داعٍ لإخفاء المشاعر، لكن لو بكت بحرقة الآن، فإن من جاء للاحتفال بها قد يشعر بالإحراج.
“و….”
لكنها لم تستطع نطق بقية كلماتها، رغم أن هذا الوقت كان مخصصًا لمواساتها.
مرّت لحظات صمت، ابتسمت ليتي قليلاً، وأشارت إلى الخادمات اللواتي يقتربن بهدوء من الخلف.
وفجأة، مع صوت فرقعة، انطلقت زجاجات الشمبانيا، وتطايرت بتلات الورود في الهواء.
رغم أنها كانت شمبانيا ورقية رخيصة وبذور بتلات مصنوعة يدويًا، إلا أن ابتسامات الخادمات أثناء رشقها كانت ثمينة كالكنوز.
تابعت ليلى البتلات الورقية المتساقطة بعينيها، ثم ابتسمت برفق.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 25"