ألقت السيدة بيتس نظرة خاطفة على ليلى قبل أن تدير رأسها بعيدًا وكأنها لا تطيق رؤيتها.
ومع ذلك، ولحسن الحظ، لم تطردها، فاستجمعت ليلى شجاعتها.
“أنا آسفة.”
“…….”
“لم تكن نيّتي أن أسِيءَ إليكِ يا سيدتي.”
“…….”
“ولم أفكّر قط في التسبّب بعبء على العائلة… كذلك.”
“وماذا بعد؟ ما الذي يفترض أن يعنيه هذا الكلام؟“
كان من الطبيعي أن ترتبك ليلى أمام هذا الجفاء، لكنها حاولت رفع رأسها.
فالسيدة بيتس لطالما استاءت من ضعفها وعدم قدرتها على التصرّف بثقة.
“أنا… أراجع نفسي بما يكفي الآن. أرجوكِ، كوني معلمتي مجددًا.”
“ولماذا عليّ فعل ذلك؟“
“…….”
انقطع كلام ليلى.
فموقف السيدة بيتس كان أكثر حدّة مما توقعت.
ومع أنها لم تُفاجأ تمامًا، إلا أن وقع كلماتها ترك أثرًا باردًا في صدرها.
بدا أن إقناع السيدة العجوز سيستغرق وقتًا أطول مما ظنّت.
“سأسأل مرة أخرى. لماذا يجب عليّ ذلك؟“
وجهت السيدة بيتس نظراتها نحو ليلى.
ضاقت عيناها وكأنها تحاول قراءة ما في أعماقها بدقة.
عندها لم تجد ليلى بُدًّا من الاعتراف بما في قلبها.
“أدرك جيدًا… أنني قاصرة. وأعرف أنني قد ألطّخ سمعتكِ… لكن…”
“…….”
“لا أريد التوقف هنا. ولا أن أظلّ خاسرة… إلى الأبد.”
“…….”
“أرجوكِ… ساعديني.”
حدّقت عينا السيدة بيتس الداكنتان مباشرةً في عينيها.
كانت نظراتها أشبه بشفرة باهتة، ومع ذلك اضطرت ليلى لخفض بصرها قليلاً.
في تلك اللحظة، شعرت أن حتى التنفّس قد يثير غضبها.
“هل الأمر بسبب الدوق؟“
عندما سمعت السؤال المفاجئ، لم تستطع الرد.
كان وعدها معه مهمًا، وهو السبب الأكبر الذي دفعها لجمع شجاعتها والقدوم إلى السيدة العجوز.
لكنها لم تردّ بـ“نعم“. فلو فعلت لبقيت إلى الأبد مجرد “ليلى نوريس الغبية“.
ولعلّ صمتها كان كافيًا، إذ أطلقت السيدة بيتس بعد لحظات تنهيدة طويلة.
“إن كان الأمر كذلك، فسأذهب أنا بنفسي لأحدث الدوق.”
“لا يا سيدتي.”
رفعت ليلى رأسها بسرعة.
“هذا… من أجلي أنا.”
أخذت نفسًا عميقًا ونظرت إلى السيدة العجوز بثبات.
وما إن فعلت حتى جاءتها كلمات حادة كالسكين.
“يا للغباء! إن كنتِ بحاجة إلى معلم، يمكنني ببساطة أن أوكّل غيري. لكن بعد ذلك؟ ماذا عن المستقبل؟ كيف يمكن لكِ وللدوق أن تكونا بهذا القدر من السذاجة!”
“ليس هذا ما أعنيه يا سيدتي.”
لوّحت ليلى بيديها محاولة التوضيح، لكن السيدة العجوز لم تتوقف.
بدا أنّ لديها الكثير مما كتمته طيلة الفترة الماضية.
“هل فكرتِ يومًا كم هو مؤلم أن تعيشي تحت أعين الناس؟ هل خطر لكِ كم تكون المرأة الضعيفة فريسة سهلة؟ وكم مرة ستكونين حديث ألسنتهم؟ وكيف سيطعنونكِ بكلمات تنكر وجودك نفسه! أتظنين حقًا أنكِ قادرة على تحمّل كل هذا؟“
“…….”
“أتريدين مني حقًا أن أقف متفرجة بينما تنحدر حياة فتاة شابة إلى الهاوية؟“
“… سيدتي.”
“أجيبي يا آنسة نوريس.”
اهتزت حدقتا ليلى بشدة.
كلمات السيدة بيتس كانت أمورًا بعيدة، لم تتخيلها بوضوح من قبل.
لم تفكر بها إلا بسطحية، ولم ترَ لها صورة واضحة في ذهنها.
ولكن… لماذا شعرت بأنها تصف مستقبلها بدقة مؤلمة؟
لماذا بدا الغضب في صوتها كأنه قلق عليها؟
شدّت ليلى قبضتها على فستانها، ثم وبعد لحظة صمت، أجابت:
“راقبي… ما سأفعله. أعدكِ أنني لن أخذلكِ.”
كانت إجابة جريئة إلى حدّ ما.
لذلك كان من الطبيعي أن ترتعش حاجبا السيدة بيتس استياءً.
ورغم النظرات الباردة المثقِّبة، لم تخفض ليلى رأسها.
بل قابلت نظرتها بثبات أكبر.
وفي النهاية، كانت السيدة بيتس هي من رفعت الراية.
أبعدت بصرها ولوّحت بيدها قائلة:
“لقد تعبت. اخرجي الآن.”
تنفست ليلى بارتياح خافت.
صحيح أنها لم تحصل على إجابة واضحة، لكنها سمحت لنفسها بقليل من الأمل.
رفعت طرف فستانها قليلًا وعادت إلى غرفتها.
* * *
ولأنها قطعت وعدًا، كان عليها أن تتغيّر. أما جروحها الداخلية فستحتاج إلى وقت أطول، لكنها اجتهدت كي لا تُظهرها.
وبفضل ذلك، تغيّر جوّ المنزل قليلًا… وعاد إلى ما يشبه سابق عهده.
كانت ليلى تتجه كل يوم إلى غرفة الدروس في الوقت ذاته.
لعلّ السيدة بيتس تغيّر رأيها وتعود إلى تدريبها.
كانت تؤمن بذلك وتتابع دراسة نفسها بنفسها.
قرأت كتاب الشعر الذي أعطتها إياه السيدة بيتس، واستمعَت إلى الأغاني الشهيرة، ولم تُهمل تدريب الصوت والقراءة الجهرية.
وحتى رغم وصفها بأنها “نشاز“، فقد غنّت بين الحين والآخر، مما جعل أصواتًا غريبة تتردد يوميًا من غرفة الدروس.
وذات يوم، تجمّعت الخادمات بقيادة ليتي أمام الباب لمشاهدتها.
ومع تكرار قدومهن اختفى الحرج تدريجيًا.
بل أصبحن في النهاية يجلبن الشاي والبسكويت، وكأنهن يعقدن جلسة شاي داخل الغرفة.
وفي المرة الأخيرة، صفّقن لها قبل أن يخرجن بهدوء، وكاد ذلك يجعل عينيها تدمعان.
وفي يوم آخر، كانت تغني بكل ما أوتيت من جهد حينها دخل كايلان فجأة.
ارتبكت بشدة، لكن إيماءة منه تطلب منها المتابعة جعلتها تكمل الغناء كمن يُساق إلى مصيره.
كانت تكاد تنسى ما تفعل من شدة مراقبتها له وهو يحتسي قهوته على الأريكة.
وما إن أنهت المقطع حتى شرب ما تبقى من قهوته دفعة واحدة، وقال لها وهو يغادر:
“أغنية جديدة؟ على كل حال، لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا.”
لكن كلماته تلك كانت كفيلة بتمزيق قلبها أكثر من تذمر السيدة بيتس.
فقررت أخيرًا أن تتخلى عن الغناء تمامًا.
فلو لم يستطع حتى تمييز أغنية مشهورة مثل هذه، فالمؤكد أنها بلا موهبة.
“لأفعل ما أجيده فقط…”
عادت إلى الكتب.
كانت تمتلك ذاكرة قوية، وهو ما أقرّت به السيدة بيتس نفسها، لذا ركزت على الحفظ المكثف.
كانت تلقي نظرة بين الحين والآخر على البيانو، لكنها حرصت على تجاهله.
ومرّ أسبوع آخر.
وبينما كانت تقرأ بانغماس شجرة النسب الاجتماعية، فُتح باب غرفة الدروس.
لم تدرك دخول أحد إلى أن سمعت الصوت يقول:
“ارفعي ظهرك. قامتك منحنية.”
“سيدتي!”
قفزت ليلى واقفة وهرعت نحو السيدة بيتس.
كانت سعادتها غامرة بعد كل هذا الانتظار.
قبضت بخفة على يد السيدة العجوز وهزّتها بلطف.
“أنا سعيدة جدًا بقدومك.”
نظرت السيدة بيتس إلى يدها المحتجزة، وارتفعت حمرة خفيفة إلى وجهها، ثم سحبت يدها ببطء.
“لا داعي لكل هذا الفرح.”
انتقلت إلى الطاولة ووضعت ورقة بيضاء فوقها، ثم قالت:
“اليوم… سنرى نتائج دراستكِ الذاتية.”
وبينما ارتسمت على محياها ابتسامة خفيفة، شحب وجه ليلى تمامًا.
* * *
“أولئك الأوغاد الملعونون.”
كانت السيدة بيتس تغلي غضبًا إلى حدّ لم تعد تستطيع احتماله.
فهي بالكاد تنام ليلًا بسبب ذكريات ذلك اليوم التي تهاجمها كلما أغلقت عينيها، وها هي في الآونة الأخيرة تجد تلك الحثالة يأتون كل حين ليعيثوا فوضى أمام البوابة الرئيسية.
إنها تحاول جاهدة كتم الأمر كي لا تلاحظ الفتاة شيئًا، ولكن…
“هاه…”
يكفيها أن تتذكر أنهم لا يعودون إلا بعدما ترشّهم بدلو ماء كامل حتى يتصاعد الغضب في صدرها مجددًا.
وكيف لا!
يكفي ما احترق قلب الفتاة بما حدث رغم أنه لا يد لها فيه، ومع ذلك تبتسم بصفاء وكأن شيئًا لم يحدث… وكلما رأتها كذلك، ازداد غيظها على أولئك الاوغاد.
“هؤلاء لا يستحقون حتى لقب والدين.”
تمتمت مرارًا وهي تحاول أن تفرّغ بعضًا من غضبها.
لكنها لم تجد له مخرجًا، بل ازداد تراكمًا يومًا بعد يوم.
“ذلك… لا يمكن أن يكون والدًا حقيقيًا. ولن أموت قبل أن ألقّنهم درسًا يجعلهم يندمون.”
كانت خطوات السيدة المسنّة في شوارع المدينة خشنة وسريعة.
تعثرت أحيانًا بحجر بارز هنا أو هناك، لكنها لم تُبطئ.
“كيف يجرؤون على إثارة الفوضى في أرض ليست لهم؟“
قد يستخفّ البعض بليانتون، لكن للسخافة حدود.
ما إن رأت السيدة بيتس لافتة مألوفة حتى انفرج وجهها عن ارتياح واضح.
“مكتب كيفن بيتس للمحاماة“
كان ذلك مكان عمل ابنها الوحيد، الابن الذي لم يزل في قلبها مزيج من الفخر والاعتذار تجاهه.
“أمي.”
ناداها رجل في منتصف العمر كان يخرج من الطابق الأرضي.
ابتسم عند رؤية والدته وقد وصلت في وقت مناسب.
“كيف حالك؟ تبدو بصحة جيدة.”
ورغم نبرة كلامها اللاذعة، لم يفارق الابتسام وجهه.
“ما زلتِ كما أنتِ تمامًا.”
لم يكن عمره كبيرًا مثلها، لكنه بدوره صارت حول عينيه بعض التجاعيد الخفيفة.
ربّتت السيدة بيتس على ظهره برفق قبل أن تسبقَه بخطواتها.
“لا تقل ذلك. يقال إن من يتغير فجأة يموت مبكرًا.”
“صحيح. لذا، أتمنى أن تعمّري طويلًا.”
“حسنًا.”
رنَّ صوت الأجراس عند دفع الباب.
دخلت السيدة بيتس إلى المكتب بمرافقة ابنها.
سرعان ما لفت انتباهها الاتساع الواضح للمكان، الذي تمكن ابنها من الحصول عليه دون أن يضطر لتأجيره.
تحقيقه لمثل هذا النجاح بعد انهيار مكانة العائلة كان مصدر فخر حقيقي لو أنكرت ذلك فستكون كاذبة.
تابعت النظر إلى ظهره المنحني قليلًا، ثم صرفت بصرها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 24"