𓆟 الفصل 23 𓆝
حين فكّرت في الأمر، بدا لها ما حدث ضربًا من الانتقام المبهج.
فأن تُحدّق ليلى نوريس مباشرة في عيني والديها وتردّ عليهما بتلك الجرأة… أمرٌ ما كانت لتحلم به يومًا.
وبما أنّها تحملت ما تحملته عبر السنين، فكيف لا ينفجر ما تراكم في صدرها؟ لذا فهي تشعر الآن ببعض الارتياح، ولو قليلاً.
غير أنّها لم تستطع أن تستسلم لهذا الشعور وحده، فذلك هو ما كان يعذبها.
كان يراودها خاطرٌ سريع: ليتني قلت لهما هذا… ليتني فعلت ذاك في تلك اللحظة… لكن هذه الأفكار لم تدم طويلًا، فقد هبط مزاجها بشكل مفاجئ إلى القاع.
فالعاطفة – على ما يبدو – تبحث دائمًا عن مكانها المألوف، وهكذا اجتاحها إحساس خانق بالمهانة والندم.
لقد ضاق صدرها؛ فهي اليوم قد كشفت أمام الدوق وأمام كل من في القصر أبغض ما في حياتها، وأظهرت لهم ما لم تكن تريد لأحدٍ أن يراه.
باتت تشعر بالخجل والحرج، ولا تقوى على رفع رأسها أمام أحد.
انقبضت نفسها حتى لم تعد قادرة على النوم.
وعلى الرغم من حرارة الجو التي كانت تهبط بثقلٍ فوق جسدها، ظلت تغطي رأسها بالبطانية حتى أقصاها.
كل ما كانت تشتهيه هو أن تختفي.
والآن، ماذا تفعل وقد بات الجميع مطّلعًا على ماضيها؟ لقد انتزعت حياتها العائلية وانتُهكت أمامهم عنوةً، ولم يكن لذلك وقعٌ حسن عليها.
“هل… سيدفعونني بعيدًا؟“
رأت العيون الباردة تحدّق بها.
ورأت الأيدي التي كانت تدفئها وتنقذها تُبعدها عنها، وتشيح بوجهها.
ارتجفت ليلى.
كان شعور اختلاط الحاضر بظلال ماضيها البغيض كابوسًا.
لم تعد تعرف من تُلام، أو على من تلقي غضبها.
كانت لهاثاتها المضطربة تتردد داخل البطانية، ومع ذلك لم تستطع أن تكشف وجهها.
* * *
ومع حلول الصباح، جلست أمام كايلان لتناول الطعام وهي منكسرة.
كل نفس يطلقه، كل نظرة، كل حركة منه كانت تشعرها بأنها واقعة تحت المحاسبة.
ولم تجرؤ على أن تلتقي عينيه.
قال لها ساخرًا بنبرة خفيفة:
“ستثقُبِين صحنك نظرًا إليه هكذا.”
فرفعت نظرها متفاجئة.
“لماذا تعذبين الخضار المسكينة؟“
فتمتمت مرتبكة، ولم تلبث أن لاحظت الثقوب الصغيرة التي أحدثتها شوكتها في طبق السلطة.
قال لها بهدوء:
“إن لم يكن لك رغبة في الطعام، فيمكنك المغادرة. سأجعلهم يرسلون لك ما تحتاجينه لاحقًا.”
أومأت برأسها فقط.
لم ترغب في أن تسبب له انزعاجًا.
وكان يتملكها خوفٌ أن تكون قد أفسدت عليه شهيته.
لذا غادرت إلى غرفتها بخطى خفيفة.
بعد قرابة وقتٍ قصير، جاءت آنا بالحلوى، لكنها لم تستطع لمسها أيضًا.
فالجوع شيء… والقدرة على ابتلاع الطعام شيء آخر تمامًا.
وحين حضرت درس السيدة بيتس، كان الحال نفسه.
فكثرة الشرود جعلت صوت السيدة العجوز يجلجل غضبًا.
“بهذه الذهنية، ما الذي تتوقعين أن تحققيه؟!”
“أعتذر… حقًا، أعتذر يا سيدتي.”
“مرة أخرى! دائمًا هكذا!”
لم تستطع ليلى الإجابة.
فالسيدة بيتس ضربت صدرها بقبضتها غيظًا، ثم تركت ليلى وحدها في غرفة الدروس وخرجت بغضبٍ عارم.
لم تستطع ليلى رفع رأسها.
كانت النظرات القاسية تلسعها كالسياط.
“غضبها مبرّر.”
فهي أكثر من يتمسك بشرف العائلة، ومشهد الأمس لابد أنه ترك في نفسها جرحًا عميقًا.
زفرت ليلى زفرة ثقيلة وأغمضت عينيها ببطء.
* * *
“ما زالت على هذه الحال؟“
سأل الدوق وقد لاحظ أن حالة ليلى تسوء يومًا بعد يوم.
ولأنها شعر بضيقها من مواجهته، ألغى وجبة الإفطار لبعض الوقت.
نظر إلى السيدة بيتس التي بدا وجهها محمرًا من الغضب وسألها عن حال ليلى.
ففتحت عينيها بغضب أكبر وقالت:
“يكفي يا سيدي! بهذه الروح لن تستطيع حتى أن تطأ طرف فستان الآنسة كلاوديا!”
فردّ الدوق:
“ألا تظنين أنك تبالغين؟“
هتفت السيدة بيتس وقد استشاطت:
“مبالغة؟! كل شيء واضح أمامي! وماذا عن الكونت ألمار إن علم بما جرى؟! آه… لماذا جلبت فتاةً مخطوبة أصلًا؟ هل أردت قتلي رعبًا؟!”
لقد علمت السيدة بيتس الحقيقة كلّها بعد أن سألت إيساك بإلحاح، وكادت تُغمى عليها.
قال لها الدوق ببرود:
“اهدئي، سترتفع لك الحرارة.”
فصرخت:
“لقد ارتفعت بالفعل! انظر لحال البيت! انظر إلى هذا الفوضى!”
“وما الخطأ؟“
“الجميع يمشي على أطراف أصابعه، لا أحد يتكلم! ألا ترى هذا؟!”
رفع الدوق حاجبيه.
“وما المشكلة في هذا؟“
وضعت السيدة بيتس يدها على عنقها مأخوذة:
“حقًا…؟ هل ستتجاهل كل هذا؟“
ثم أكملت بجدية أشد:
“هذه الحادثة ستجرح تلك الفتاة بشدة. وفي النهاية ستكون هي من ينال احتقار المجتمع. ألا تزال غير مدرك لما يعنيه ذلك؟“
ارتفع حاجب الدوق قليلاً.
“لن نعرف هذا قبل أن يحدث.”
لم يكن الدوق غافلًا تمامًا.
كان يعرف أن ليلى هشّة، لكنه وجد في شخصيتها قدرًا من الصبر والاحتمال يعجبه.
وربما تكون الصدمة قوية الآن، لكنّه لم يتوقع أنها ستظل غارقة في عزلتها طويلًا.
كان يرى أنها تحتاج فقط إلى بعض الوقت.
لكن السيدة بيتس لم توافقه.
“لا، لا داعي لانتظار شيء. لقد انتهت المدة التي وعدت بها. من الأفضل أن ننهي الأمر هنا. وإن كنت تحتاج إلى معلمة، فابحث عن غيري.”
وغادرت غاضبة.
رفع الدوق يده ليدلك جبينه.
“هذا سيئ…”
فتدخّل إيساك قائلًا:
“ولِمَ يعدّ سيئًا؟ السيدة محقّة.”
نظر إليه الدوق مستنكرًا.
“حتى أنت؟“
قال إيساك بثبات:
“إن كانت تنهار بهذه السهولة، فربما من الأفضل إيجاد بديلة.”
صمت الدوق.
“كل شخص يمر بتجارب صعبة يا سيدي. ولن تكون هذه آخرها. عليك تقبّل هذا.”
انخفض بريق عينَي الدوق قليلاً.
كان الجميع يرددون الكلام نفسه، مما جعله يشعر بأن عليه ربما إعادة النظر في حكمه.
‘هل أخطأتُ التقدير…؟‘
لكن قلبه لم يكن مستعدًا لقبول هذا.
فـ ليلى نوريس التي رآها بعينيه لم تكن من النوع الذي ينهار هكذا للأبد.
‘لا أدري…’
تجعد جبينه.
صورة وجهها المتحفز للتعلم ولطفها، وجدّيتها… كانت تلك الصور عالقة في ذهنه.
أما فكرة استبدالها، فلم تكن تروق له بتاتًا.
ومع ذلك… إن كان الجميع يصر على رأيه…
“سأراقب الوضع قليلاً بعد.”
ففي النهاية، القرار لن يفوته.
قال إيساك محاولة للمتابعة:
“ولكن يا سيدي—”
فقاطعه الدوق:
“يكفي. أعطني ما أحضرته.”
ولمّا أشار كايلان إلى الملف الذي يحمله إيساك، ناوله إيّاه بوجهٍ غير راضٍ.
كانت مسألة تلك الفتاة مهمة، نعم… لكن مشروع الفندق الجديد كان مهمًا بالقدر نفسه، ولذلك أزاحها من تفكيره مؤقتًا.
* * *
لا تدري كم مضى منذ أن أرغمت نفسها على النهوض، حينها دخلت آنا إلى الغرفة بوجهٍ شاحب لتخبرها بموعد الصباح.
رفعت ليلى الغطاء عنها بشقّ الأنفس ونهضت، وجسدها كله مبلل بالعرق.
ظنّت أن مرور الوقت سيخفف عنها… لكن ما حدث كان العكس؛ شعرت وكأنها تغوص أعمق في مستنقع لا قرار له.
ولهذا لم تستطع فهم ما كانت آنا تحاول قوله لها.
“ماذا… قلتِ؟“
سألتها ليلى وهي تمسك رأسها المثقل بالدوار، ومع ذلك ظلّت آنا صامتة، مترددة في النطق.
“هل… يمكنكِ إعادة ما قلتِ؟“
عندها فقط تمتمت آنا بصوت خافت، وعيناها مليئتان بالأسف:
“السيدة… قررت إيقاف الدروس.”
“…لماذا؟“
“هذا… هو الأمر…”
كان الجواب صعبًا كما يبدو. فأطرقت ليلى برأسها وهي تسترجع الأحداث، ولم تلبث حتى تذكرت صرخات السيدة بيتس التي ترددت مرارًا البارحة.
انطبقت أسنانها على شفتها بقوة، وانخفض رأسها.
هكذا إذًا… في النهاية، لم تتقدم ولو خطوة واحدة.
وبقيت كلمات سابرينا تطوف في رأسها طيلة اليوم:
هل فكرتِ في الضرر الذي ستسببينه للدوق؟
‘كنت أعلم أنه سيؤول إلى هذا… كنت أعرف أنني سأفسد كل شيء…’
إنها لا تصلح لشيء.
لا تفيد أحدًا، بل تؤذي من حولها بلا توقف.
‘ترى… هل يندم الدوق الآن؟ هل يندم لأنه أخذني معه؟‘
إلغاؤه لوجبة الإفطار معها… أليس ذلك دليلًا على أنه لم يعد يريد رؤيتها؟
قالت آنا بلطف:
“سأجهز لك ماءً دافئًا لتغتسلي. ستشعرين بتحسن بعد ذلك.”
“حسنًا…”
دخلت ليلى الحمّام بعد قليل.
وما إن غسلت وجهها وجسدها بالماء البارد حتى بدأت تستعيد شيئًا من صفائها كما قالت آنا.
حدّقت في انعكاسها في المرآة.
عيناها كانتا خافتتين فاقدتين للتركيز وزوايا فمها هابطة تبدو عليها كآبة ثقيلة.
متى أصبحت بهذا الشكل؟
لقد بدت كما لو أنها عادت إلى الماضي البائس الذي ظنت أنها تركته خلفها.
“……”
“لا…!”
لماذا تتصرف وكأنها هي المخطئة؟
لماذا تتقوقع وتدمر نفسها بينما المعتدون هم غيرها؟
كادت تبكي من شدة الغضب على نفسها.
‘كفّي عن التصرف كالبلهاء.’
مرّرت يدها على المرآة المبتلة وأخذت نفسًا عميقًا.
شيئًا فشيئًا لمع بريق أكثر وضوحًا في عيني المرأة التي تحدق بها.
بعد أن ارتدت ملابسها المنزلية، أسرعت ليلى بالخروج متجهة مباشرة إلى غرفة السيدة بيتس.
لقد عرفت الآن معنى التعلم، وذوقه، وفرحته… ولم تكن مستعدة لأن تتخلى عنه بهذه السهولة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 23"