𓆟 الفصل 22 𓆝
“……”
“رغم أنني ربيتكِ على ذلك، ما زلتِ لا تجيبين.”
انتقلت سابرينا إلى المقعد المقابل مباشر ةً أمام ليلى ثم وضعت يدها على كتف إبنة زوجها.
مرّرت يدها على كتفها الذي بدا ممتلئًا أكثر مما تتذكر ثم ضغطت بقوّة.
شعرت ليلى بألم مزعج جعل حاجبيها ينقبضان، فرمت المرأة الماكرة بنظرة حادّة.
لكن سابرينا تجاهلت ذلك، ويديها الآن تلامسان جفنَيْ ليلى بخفة مريبة، تتحركان قرب عينيها حركة مستفزة، وكأنهما ترقصان على حافة الأذى.
“لقد اكتسبتِ عادات سيئة منذ جئتِ إلى هنا.”
اخترق صوتها الناعم مسامع ليلى، فاستعادت تركيزها.
دفعت يد سابرينا بعيدًا بقوّة، وانقبض وجه هذه الأخيرة من الوجع لوهلة حتى بدا كأنه ورقة تنطوي.
“لا تلمسي… أشيائي.”
“ولماذا أفعل؟ أنا فقط أحاول التخلص من أشياء أنتِ تخلّيتِ عنها.”
عادت سابرينا إلى مقعدها وقد استعاد وجهها هدوءه.
“هيا، اجلسي. أتحاولين إرغامي على رفع رأسي إليكِ؟“
كانت ما تزال منزعجة لعدم قدرتها على ردّ جميع الإهانات، لكنها الآن تحتاج لجواب من فم هذه الفتاة العنيدة.
ولم ترغب بالبقاء طويلًا في مكان خانق كهذا.
“هيا، اقطعي لي عهدًا. عودي معي.”
“إذن… عليكِ أن تقطعي عهدًا أيضًا.”
“عليّ؟“
يا لها من جرأة.
لكن سابرينا لم تستطع إفساد الأمر الآن، فاكتفت بابتسامة ضيقة.
“وما هو هذا العهد؟“
“أن تعيدي إليّ… تذكار أمي.”
“أهذا فقط؟ بالطبع.”
“وهناك شيء آخر.”
“قولي ما لديك.”
“أنكِ لن… تبيعيـني لأحد.”
انطبقت شفتا سابرينا فجأة كما تنطبق صَدَفة بحر.
‘إذن… كانت تكذب. كما توقعت.’
لم يشكّ عقل ليلى لحظة في أن لهذه المرأة سببًا آخر لاقتحام هذا المكان وطلب أخذها مجددًا، رغم أنها كانت دائمًا تنزعج من مجرد رؤيتها.
ولم تنسَ ليلى ما حدث—تجارة، بيع، ومصير كانت تُسلَّم إليه كسلعة.
تذبذبت مشاعرها للحظة، صحيح.
فمهما حاولت التخلي، لم يكن يسهل عليها تجاهل تذكار أمها الراحلة، إذ كان الشيء الوحيد الذي يربطها بامرأة لم ترَ وجهها قط، ولكنها أنجبتها إلى هذا العالم.
لكنها الآن اتّخذت قرارها.
أعتذرت لأمها في قلبها، لكن حياتها أهم.
وهي قد عقدت اتفاقًا مع الدوق: أن يقف إلى جانبها وتحتمي به، مقابل أن تنفعه.
إلى أن تساعده على التخلّص من تلك المرأة الأخرى… فهي تابعة له.
شدّت ليلى قلبها.
ابتسمت سابرينا من جديد ابتسامة رخوة مطمئنة زائفة، ثم قالت:
“أعدك. إن رغبتِ بذلك، فلن أمانع.”
“لا. سنعتبر هذه المحادثة لم تحدث.”
بدّلت ليلى كلماتها بسرعة ووقفت.
إن كانت سابرينا قد استخدمت حتى تذكار والدتها كسلاح للضغط عليها، فليس هناك ما يستحق النقاش.
وقد رجّحت أن ذلك هو سلاحها الأول والأخير.
“اجلسي. ما زلتُ أتحدث.”
تجمدت ملامح سابرينا من التغيير المفاجئ.
“لا، هذا يكفي. عودي من حيث أتيتِ. ولا تعودي… أبدًا.”
ولم تنتظر ردّها.
خرجت فورًا من الغرفة
. سمعت خلفها تذمّرًا غاضبًا وصوتًا حانقًا لكنها تجاهلته.
بل إنها لم تمتلك الطاقة للتوقف.
استندت إلى جدار الممرّ والتقطت أنفاسها ثم عادت تتماسك واتجهت نحو غرفة الاستقبال—إلى الرجل الوحيد الذي وعدها أن يكون سندًا لها.
* * *
لم ينبس كيلان ولا البارون نوريس بكلمة.
كانا ينتظران عودة المرأتين اللتين غادرتا وكلٌ منهما غارق في أفكاره لا يلقي بالًا للآخر.
كان كيلان يتساءل عمّا دار بين الاثنتين، وكيف ستتصرّف ليلى.
أما البارون نوريس فكلّ ما كان يرجوه هو أن تتمكن سابرينا من إقناعها أخيرًا.
ومع ذلك، كان يضطر أحيانًا لافتعال سعالٍ قصير كلما التقت عيناه بعيني الدوق، غير قادر على تجاهله تمامًا.
يبدو أن صياحه قبل قليل أمام الدوق كان يزعجه بشدة.
فرغم صغر سنّ الدوق مقارنة به، إلا أنّه… دوق، وهذا وحده يكفي ليُحني كتفيه.
لكنه لم ينتبه إلى أنّ كيلان لم يأبه كثيرًا.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب وعادت ليلى وحدها.
حدّق البارون في ابنته للحظات، ثم التفت نحو الخلف.
لكن سابرينا لم تظهر.
‘يا إلهي… سابرينا…’
عرف فورًا.
فقد فشلت في إقناعها.
وبدأت ملامحه تتشوّه تدريجيًا.
اقتربت ليلى من الدوق وقالت بصوتٍ هادئ:
“سيغادر الضيوف… الآن.”
ففكّ كيلان ساقًا فوق الأخرى ونهض بتمهّل ثم ألقى نظرة على البارون.
“على ما يبدو… هذا ما تقرر.”
ربما كان في نبرة الصوت شيء من السخرية، ما جعل البارون يشعر بالمهانة، فصبّ غضبه على ليلى مباشرةً.
“يا… يا ليلى.”
لكنّه لم يتمكن من إكمال كلمته؛ فقد دخل الخدم وسحبوه كما لو كانوا يقتادون شخصًا مخرّبًا، وأخرجوه إلى الخارج.
وما إن لمح زوجته واقفة عند الباب، تحاول كتم غضبها، حتى ازداد وجهه عبوسًا.
والأسوأ أنه أدرك أنه مضطر للمغادرة هكذا مهانًا.
قال كيلان بصوتٍ خالٍ من الاهتمام:
“أتمنى لكما عودة هادئة.”
ثم استدار، بينما وقفت ليلى تراقب الزوجين يُسحبان للخارج. أرادت—ولأول مرة—أن تشهد قبحهما بأمّ عينَيها، بغير خوف ولا انكسار.
وفجأة، وقبل أن يعبر البارون العتبة الخارجية، استدار واندفع نحو ليلى.
كان الغيظ يعميه.
لم يحتمل فكرة أن تُهان كرامته هكذا ثم تغادر ابنته دون حتى أن تنحني احترامًا.
كيف تجرؤ هذه الصبية التي ربّاها على معاملته بهذه الطريقة؟
ورفع يده ولطم وجهها بقسوة.
“يا ناكرة الجميل! حتى البهائم خيرٌ منك!”
دوّى صوته الغاضب داخل القاعة، فتوقّف كيلان في مكانه.
وتجمّد وجوه الخدم الذين كانوا يودّعون الضيوف.
“هكذا تعاملين والديك؟! أتظنين أنك ستسلمين بعد هذا؟!”
لم يستطع البارون السيطرة على نفسه.
أخذ يصرخ ويدفعها بإصبعه كما لو كانت جرمًا صغيرًا.
“أطعمناك وربّيناك فكيف لا تردّين الجميل؟ ألا تخجلين من الكونت الذي أرادك زوجة رغم كل شيء؟!”
“……”
“كم ذنبًا آخر تنوين ارتكابه بحق؟“
رفعت ليلى يدًا إلى خدّها المتورّم ثم رفعت رأسها ببطء ناظرةً مباشرة إلى عينيه—العينين اللتين تشبهان عينيها.
وبصوتٍ مبحوح قالت:
“أيّ ذنب… ارتكبته أنا؟“
لم تفهم.
هل رغبتها في العيش تُعدّ ذنبًا؟
هل بحثها عن طريقٍ للنجاة خيانة؟
هل الفرار من والدين باعوها يُعد خطيئة؟
لم تهرب من نظره بل قالت مرّة أخرى بصوتٍ أهدأ لكن أشدّ وقعًا:
“هل يمكن… أن يُسمّى والدان من يبيعان ابنتهما… مقابل حياتهُما؟“
ابتلعت غصة حارقة وكلمتها تتشقق لكنها تابعت:
“هل كنتما… يومًا ما… تعتبراني ابنتكما؟ ولو لمرة واحدة؟“
“ماذا قلتِ؟“
“هل تظنّ أنك… تستحق لقب أبـي؟“
بردت عيناها كالجليد.
وتجمّدت شفتا البارون غير قادر على الردّ.
ثم سرعان ما انتفض غضبه من جديد ورفع يده ليصفعها مرة أخرى.
لكن قبل أن تهوي يده، قبض كيلان على معصمه بقوة.
“توقّف.”
انحدر صوته باردًا قاسيًا.
عندها فقط عاد البارون إلى رشده، وسحب ذراعه، وهو يرمق ليلى بشراسة.
قال كيلان:
“لن أغضّ الطرف عن الوقاحة بعد الآن… يا بارون.”
ثم أومأ للخدم.
فجاؤوا فورًا وأمسكوا كلا ذراعي البارون.
حاول التراجع والتمسّك بالأرض فسُحب على البلاط، لكنه لم يكفّ عن توجيه نظرات حاقدة إلى ليلى.
أما كيلان، فوضع ذراعه حول كتف ليلى علنًا، كمن يعلن ملكيته أمام الجميع، ثم ابتسم ساخرًا باتجاه الرجل الذي يفقد كل كرامته.
ترسّخت تلك الصورة في ذهن البارون.
فتحوّل غضبه كله نحو لايلا، وصاح:
“أنتِ… أنتِ! سأجعلكِ تدفعين الثمن!”
“توقف، يا رجل!”
صاحت سابرينا وقد خرجت أخيرًا من ذهولها، واقتربت تجرّ زوجها بعيدًا.
ولم تنسَ أن تنحني للدوق بخجل قبل أن تغادر معه.
أُغلق الباب بإحكام لكن صراخ البارون ظل يتردّد للحظات.
أطلقت ليلى أنفاسها التي كانت تحبسها.
تاخذها رعشة؛ فقد اشتد توترها إلى حد أن جسدها تيبّس كله.
راحتها مشبعة بالعرق ودماغها يدور وخدّها لا يزال ينبض بألم الضربة.
لكن الألم الداخلي كان أشد.
كأن أحدًا غرس خنجرًا في صدرها وتركه ينزف في مكان لا يُرى.
ربّت كيلان على كتفها بخفة ثم سحب يده.
“لقد أحسنتِ يا ليلى.”
كان يبتسم، هادئًا غير متأثر بما حدث.
التفتت إليه ليلى أخيرًا وانحنت عميقًا.
“أنا… آسفة. تسببتُ لك في الكثير…”
لم تستطع رفع وجهها، كان الخجل والذنب يخنقانها.
أما كيلان فهز رأسه ضاحكًا بخفة، وكأن اعتذارها غير ضروري أصلًا.
“عودي اليوم إلى غرفتكِ واستريحي. سأهتم أنا بأمر السيدة.”
استدار كما لو أن شيئًا لم يحدث.
وكان جبينه منقبضًا بشدة لكن ليلى لم ترَ ذلك.
فقد كانت ترفع رأسها ببطء وتحدّق فقط في ظهره المتباعد.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 22"