𓆟 الفصل 20 𓆝
ساقٌ متقاطعة باسترخاء، يدٌ تسند الذقن فوق الطاولة، وجسدٌ مائل قليلًا إلى الجانب.
ثم تلك النظرة الدافئة التي كانت تتأمل ما تمسكه اليد الأخرى بهدوء، حتى إن قلب من يراقبها يكاد يدغدغ من فرط اللطف.
‘لعلّه أحنّ مما توقعت.’
هكذا بدأت ليلى تفكر.
فقد بدا لها أن الظل الذي كان يلفّه في البداية لم يعد معتمًا كما كان.
صحيح أن ملامحه كانت تشتد برودة بين الحين والآخر، إلا أن رؤيتها لوجهه على هذا النحو الهادئ كانت كفيلة بأن تزرع هذا الشعور فيها تلقائيًا.
وبينما كانت تضغط على صدرها محاولة تهدئة خفقان قلبها التفت كايلان فجأة.
وحين نهض ونظره يلتقي بنظرها، سارعت بالاقتراب منه.
“قيل لي إنك طلبتني.”
“نعم.”
كانت على وشك أن تسأله عن السبب، لكنها ما إن وقعت تحت نظرته المتفحصة حتى أنزلت عينيها جانبًا.
لعل حرارة الشمس التي اشتدت جعلت وجهها يسخن على هذا النحو.
وبعد لحظات، عاد كايلان ليدور حول الطاولة ويقف أمامها.
“ظننت أنك قد تحتاجين هذا.”
ثم وضع على رأسها قبعة من القش كان يحملها.
قبعة لطيفة يحيط بها شريط وردي بين الحافة ونتوءها الدائري وزُيّنت من أحد الجوانب بزهور صغيرة أنيقة.
“تليق بك.”
ورغم خشونة صوته ولمسته، احمرّ وجه ليلى على الفور.
ولحسن الحظ، كانت حافة القبعة العريضة كافية لإخفاء ملامح خجلها.
لكن حين بدأت اليد الكبيرة التي كانت مستقرة عند خصره ترتفع ببطء نحوها، اتسعت عيناها من الدهشة حتى إنها لم تستطع أن ترمش.
“لا بد من إنهاء الأمر.”
قالها وهو يربط الشريط أسفل ذقنها بابتسامة في عينيه.
في تلك اللحظة، أخذ قلب ليلى يركض بعنف.
لم يكن الأمر أكثر من ربط شريط تحت الذقن، ومع ذلك خُيّل لها أن المواضع التي لامسها جلده كانت تشتعل حرارة.
وحين انحنت برأسها لا إراديًا، رفعت اليد الكبيرة ذقنها برفق إلى الأعلى.
ضحك كايلان ضحكة خافتة وهو يرى ارتباكها الواضح.
“كما توقعت، ليس سيئًا. ارتديه من الآن فصاعدًا.”
ثم أدار جسده متظاهرًا بتجاهل احمرار وجهها، وناداها بصوت منخفض قائلًا إن لديه ما يريها إياه.
“ماذا تنتظرين؟“
“…نعم.”
تحركت ليلى ببطء تتبعه بخطوات مترددة.
كان صباحًا يشعر فيه المرء بحرارة الهواء على نحو غير معتاد.
لم يتبادلا حديثًا يُذكر أثناء السير.
ومع أن الموقف كان غريبًا ومحرجًا في البداية، بدأت ليلى تستعيد هدوءها تدريجيًا وراحت تلاحق خطواته المتراخية.
وفجأة، توقف كايلان.
وقف أمام حديقة مزروعة بأزهار متعددة الألوان، وسأل بهدوء:
“هل أعجبك؟“
“ماذا؟“
نظرت إليه ليلى بحيرة فاكتفى بأن أشار بذقنه نحو الحديقة.
“ظننت أنك قد تحتاجين أحيانًا إلى مكان تلتقطين فيه أنفاسك.”
مالت ليلى برأسها وهي تحول بصرها نحو الحديقة.
كانت المساحة مربعة تحيط بها شجيرات مشذبة بعناية تصل إلى مستوى الركبة، وفي الداخل توزعت نباتات وأزهار مختلفة ونافورة صغيرة ومقاعد بيضاء ناصعة تتلألأ تحت أشعة الشمس.
“جميلة. تشعرني بأنها مُحبّة… كأنها موضع عناية.”
كان هذا كل ما استطاعت قوله وهي تتخيل مقدار الجهد الذي بُذل في العناية بها والغرض الذي أُنشئت من أجله.
“إذًا فهذا يطمئنني.”
قالها كايلان، ثم دخل الحديقة وحده مرة أخرى.
وقف أمام النافورة الصغيرة ثم استدار نحوها بينما كانت أشعة الشمس تنهمر فوق رأسه.
“من الآن فصاعدًا، هذا المكان لك. يمكنك استبدال الأزهار بما تحبين، أو حتى غرس الأشجار إن أردتِ.”
كانت ليلى تتبعه إلى الداخل لكنها توقفت فجأة.
شعرت وكأن الكلمات التي سمعتها تسبح في رأسها.
‘ماذا قال للتو؟‘
وحين اكتفت بالرمش دون أن تنبس ببنت شفة، جاءها صوته اللطيف من جديد.
“ألا رغبة لك؟ من أعرفهم كانوا ليقبلوا به فورًا.”
“هل قلتَ… إن هذه الحديقة…؟“
“ملككِ.”
“……”
لفح النسيم الخفيف كايلان الذي كان يرتدي سترة حريرية داكنة بلا معطف.
تمايل شعره الأسود بهدوء ولمعت عيناه الذهبيتان كأنهما مرصعتان بالكهرمان.
لم تستطع ليلى أن تصرف نظرها عنه.
وكان شريط القبعة المتدلّي أسفل ذقنها يدغدغ صدرها مع كل حركة.
* * *
كانت ضحكات خفيفة تتسرب منها دون وعي.
لم تفارق ذاكرتها تلك اللحظة التي تجولت فيها في الحديقة برفقة الدوق.
لمسة يده وهو يضع القبعة وربطه للشريط والإحساس الخفيف حين لامس ذقنها، كلها كانت تثير خفقانًا خفيًا في صدرها.
‘ارتديه من الآن فصاعدًا.’
قالها بابتسامة دافئة، ثم زاد الأمر دهشة حين منحها تلك الحديقة الصغيرة مكافأة على اجتهادها في دروس السيدة بيتس الصارمة.
‘إنها إعارة مجانية فقط، فلا تسيئي الفهم. لا يمكن بيع أرض القصر أو شراؤها بحرية. هل خاب ظنك؟‘
وكيف يمكن أن تخيب؟ بل إنها شعرت بشيء من العبء.
لم يكن ذلك مقابل صفقة عادلة، وهي لم تنجز بعد ما يستحق كل هذا.
ومع ذلك، كانت سعيدة.
صحيح أن قوله لها إن بإمكانها استخدامها بحرية دون مراعاة أحد كان يثقل قلبها قليلًا، لكنها لم تستطع إلا أن تشعر بالامتنان للرجل الذي أهدى لها مساحة تخصها وحدها.
ألقت نظرة على قبعة القش الموضوعة فوق البيانو، فارتسمت ابتسامة جديدة على شفتيها.
“توقفي!”
جاء صوت التوبيخ الحاد ليوقظ أفكارها، وفي اللحظة نفسها انغلقت شفتاها الوردية التي كانت تغني.
“أين عقلكِ؟ هل حفظتِ النوتة أصلًا؟“
ارتبكت ليلى وأدارت عينيها.
صحيح أنها كانت شاردة، لكنها كانت قد حفظت اللحن جيدًا.
بل ظنت أنها تغني على نحو لا بأس به.
تقلصت كتفاها وهي تتفحص تعبير السيدة بيتس، متسائلة إن كان خطؤها يستحق كل هذا الغضب.
“آه، لا فائدة.”
هزّت السيدة بيتس رأسها بأسف قائلة إنها لم تسمع قط بنشاز كهذا.
“لا تجيدين العزف ولا الغناء. ما الذي يمكن اعتباره موهبة لديكِ؟“
حينها فقط أدركت ليلى أنها تعاني نشازًا حادًا.
ففي الماضي، كانت تتلقى المديح من المعلمين، فظنت نفسها في المعدل المتوسط، لكن السبب لم يكن سوى تدني مستوى الجميع آنذاك.
ثم تمتمت السيدة بيتس مرة أخرى:
“لا مفر… لا يصلح إلا الحفظ.”
راحت العجوز تمشي ذهابًا وإيابًا في غرفة التدريب، فيما وقفت ليلى تراقبها بصمت.
“من الغريب أن تكوني ضعيفة إلى هذا الحد في كل ما يتطلب حركة.”
“…..”
“هل أكرس وقتًا أطول لفن الحديث؟ لا، بهذا الطبع ستصدقين لو قيل لك إن الماء نار. أخشى أن تُخدعي بدل أن تخدعي غيرك… آه، لا يخطر لي شيء مناسب.”
كانت الأحكام قاسية، وكأن السيدة بيتس لا تعي أنها تفكر بصوت مسموع.
راقبتها ليلى بهدوء، معتبرة الأمر فرصة لفهم نظرتها إليها.
ومع ذلك، شعرت بشيء من الانكسار.
كانت تبذل جهدها، ومع ذلك لم تكن في نظر العجوز سوى ليلى نوريس الناقصة.
في تلك اللحظة، دخل كايلان غرفة التدريب.
استفاقت السيدة بيتس وسألته عن الأمر، فاكتفى بإيماءة خفيفة، ثم اتجه مباشرة نحو ليلى.
“ليلى.”
كانت نظرته هذه المرة أبرد من الصباح، ما جعلها تتوتر.
“البارون وزوجته قد حضرا لاصطحابك. ما رأيك؟“
“والدَيّ…؟“
“نعم.”
شحبت ملامح ليلى في الحال حتى بدت أشد بياضًا من المعتاد.
كيف عرفا مكانها؟ لم تتخيل يومًا أن يُكشف أمرها بهذه السرعة.
ضغطت على صدرها المتقلب، ورفعت نظرها المرتجف إلى كايلان.
“ألا ينبغي أن تذهبي لتحيتهما على الأقل؟“
“هل… يجب ذلك؟“
“ليس بالضرورة.”
كان صوته محايدًا على نحو مزعج.
لم تعرف ليلى ما الذي ينبغي عليها فعله.
فكل ما تريده هو ألا ترى وجهي والديها مرة أخرى.
لكن لماذا؟
بدا وكأن في عيني الدوق الذهبيتين مسحة خفيفة من خيبة الأمل.
ثم هل من المعقول أن يكون هادئًا إلى هذا الحد؟
راقبت ليلى كايلان الذي لم يظهر عليه أي ارتباك، ثم أومأت برأسها أخيرًا.
“سأذهب… لألقي التحية.”
أم لعلّه كان يعلم بالأمر منذ البداية؟
نعم، ربما.
فمثل هذه الأمور لا بد أنه كان قد توقعها منذ وقت طويل.
وإذ أدركت أنها وحدها من كانت تتجول في بستان أوهامها، اجتاحها شعور مفاجئ بالخجل والاعتذار.
“فتاة مطيعة.” [ الله ياخذك ]
قالها ببرود، ثم مدّ يده نحو ليلى.
وفي تلك اللحظة، اخترق صوت السيدة بيتس الحاد المسافة بينهما.
“يا له من أناس يفتقرون إلى أبسط قواعد الذوق. يأتون إلى هنا بهذه الوقاحة من دون طلب أو إذن.”
كانت ليلى مترددة، لا تدري أتمسك بتلك اليد الكبيرة المتينة أم لا، فالتفتت نحو السيدة بيتس.
“أحقًا؟ إن كنا سنحاسب بهذه الدقة، فأنا أيضًا لست بريئًا تمامًا.”
قالها كايلان بابتسامة خفيفة، ثم توجه بالكلام إلى ليلى التي بدت حائرة.
“تعالي.”
وحين اقتربت منه بتردد، ظنّت أنه سيأخذ بيدها، لكنه اكتفى بأن مسح على قمة رأسها برفق.
راودها خاطر عابر بأنه يتعامل معها كما لو كانت حيوانًا أليفًا، لكنها سارعت إلى طرده من ذهنها.
“اذهبي وقولي كلمة واحدة فقط. سأكون إلى جانبك.”
“…نعم.”
“هيا بنا.”
ألقت ليلى نظرة خاطفة على السيدة بيتس التي عقدت حاجبيها بامتعاض، ثم خرجت مع كايلان إلى الخارج.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"