𓆟 الفصل 19 𓆝
* * *
“أوه، يا إلهي…ليلى.”
اهتزّت حدقتا سابرينا بعنف.
أخذ نَفَسُها يضيق شيئًا فشيئًا، واشتعلت في رأسها نيران هائجة.
استنشقت الهواء مرةً ثم زفرته بعمق قبل أن تُنزل بصرها مجددًا إلى الرسالة التي في يدها.
مهما أعادت قراءتها، لم يتغيّر مضمونها.
كايلان بلاسكي.
كيف انتهى بها الأمر إلى أن تكون مع الدوق ليانتون؟
كان من الطبيعي أن ترتجف يدها بلا توقف.
الغضب الذي تعجز عن كبحه جعل رأسها يغلي.
ثبتت عينيها على الجملة القصيرة المكتوبة في آخر الرسالة، بخطّ الكونت:
“نرجو تنفيذ العقد في أقرب وقت ممكن.”
تحذيرٌ صريح بأن تُمسك بالابنة الهاربة وتُقدَّم سريعًا.
فقد تفضّل الكونت، بدافع “الكرم”، بإعطائهم المعلومات، وبالتالي طالبهم بإعادتها إلى موضعها الأصلي بأي وسيلة كانت.
لم يكتب ما سيحدث إن أخفقوا، لكن القشعريرة سرت في أوصال سابرينا.
فإلى جانب عربون العقد الذي لم يُستلم، فإن محاولة تمرير زواج احتيالي في حقّ الكونت جريمةٌ ستكون عواقبها واضحة كالشمس.
حتى لو كان الطرف الآخر هو من تقدّم بطلب الزواج أولًا، فلن يتغيّر شيء. فالسلطة التي يملكها الكونت كافية لقلب كل الموازين.
“هووه…”
أطلقت سابرينا زفرة طويلة ثم التفتت بنظرها إلى زوجها الذي لم يذق طعامًا يُذكر منذ أيام.
كيف تشابكت الأمور إلى هذا الحد؟
منذ عودته من لومونت قبل فترة، ازدادت حالته سوءًا.
كان يقول إن ديون المرابين التي اضطروا إلى اقتراضها ستُحلّ بمجرد ذهابه إلى المقر الرئيسي، لكنه عاد هذه المرة محمّلًا بأخبار غير سارة.
‘لو أنه يتكلم… كيف لي أن أعرف؟’
وفي الوقت الذي تتضخم فيه الفوائد ككرة ثلج، إلى متى سيبقى غارقًا في هذا الإحباط؟
جزّت سابرينا على أسنانها، ثم أرخَت ملامحها وتقدّمت نحو زوجها.
“لم ينتهِ كل شيء بعد يا عزيزي.”
انزلقت أناملها الناعمة برفق على كتف البارون نوريس. ومع ذلك، لم يرفع رأسه. لم يفعل سوى أن أطلق تنهيدة ثقيلة، ثم قال موجّهًا حديثه إليها:
“وبأي طريقة سننتزعها من بيت الدوق؟“
“أنت الطريقة بعينها. أبٌ جاء ليبحث عن ابنته، ماذا بوسعهم أن يفعلوا؟ سأرافقك بنفسي فلا تقلق. وبعدها نسلّم تلك الفتاة إلى الكونت، وتنتهي كل الأمور، أليس كذلك؟“
كانت كلماتها هادئة ومقنعة إلى حدّ ما، لكن القلق لم يفارق وجه البارون نوريس. بل إنه وجّه إلى زوجته التي بدت له ساذجة أكثر من اللازم توبيخًا خافتًا:
“أنتِ تنظرين إلى العالم ببساطة مفرطة. ألا تدركين أنهم يستطيعون الإنكار وحسب؟“
“……”
“من الأساس، كان خطأ أن أصغي إلى كلامك. طمعنا بشيءٍ لا أصل له، فكانت النتيجة ما نراه الآن.”
“عزيزي…”
“فكّري بالأمر. حتى الخدم بدأوا يرحلون، يقولون إنهم لم يعودوا قادرين على البقاء. ومن دونهم، كيف سيدور شؤون هذا البيت؟“
كان صوته المتمتم مشبعًا بالمرارة واللوم. لكن في تلك اللحظة، لم يكن ما قاله هو ما جمّد ملامح سابرينا، بل ذكرى باغتتها فجأة.
عندما غادرت إلى توريا قبل فترة، سرقت إحدى الخادمات حُليّها وهربت.
كانت منذ البداية تثير في نفسها شعورًا غير مريح. نظراتها أحيانًا كانت تبعث على النفور.
‘وقحة.’
بل ربما كان الأدق أن تقول إنها شعرت بالكراهية. صحيح أن بعض الخدم لا يرضون عن أسيادهم، فغضّت الطرف عن الأمر.
لكن التفكير الآن يوحي بأن لتلك الفتاة غايةً أخرى حين دخلت هذا المكان.
لا، بل الأمر مؤكد.
لم يخطر ببالها قط أنها لصّة، فتركتها تذهب وهي تصطحب دورا معها.
ومع ذلك، كانت فتاة تُنجز ما يُوكل إليها بإتقان، ولهذا لم تشكّ بها كثيرًا.
كان إهمالها ذاك أكبر أخطائها.
عقدت سابرينا العزم على ألا تترك تلك الفتاة تمرّ بسلام إن وقعت في يدها يومًا ما، ثم أعادت بصرها إلى زوجها.
عانقته من الخلف، وهمست بهدوء:
“أنا أكثر من يعرف ما في قلبك. لكن ألا ترى أننا لا نستطيع الوقوف مكتوفي الأيدي؟ الكونت أخبرنا بمكان تلك الفتاة، ويطالب بتنفيذ العقد قريبًا. هذا يعني أنه لم يتخلَّ عنها بعد. لذلك، يجب علينا انتزاعها بأي ثمن.”
“هاه!”
“عزيزي.”
“حسنًا، لنفترض ذلك. وهل تظنين أن الفتاة الهاربة ستتبعني طوعًا؟“
“لا تقلق بشأن هذا. أليست العصا هي الحلّ الأمثل للماشية التي لا تسمع الكلام؟“
ومع تدليكها اللطيف لصدره، بدأ قلب البارون نوريس يلين قليلًا.
ألقى نظرة جانبية على سابرينا التي أسندت وجهها إلى رأسه وسألها:
“هل فكّرتِ بخطة؟“
ابتسمت سابرينا ابتسامة خفيفة.
“بالطبع. أنوي أن ألوّح أمامها بشيءٍ عزيزٍ عليها.”
“وماذا تقصدين؟“
“هاها، ستعرف قريبًا. لذا انهض الآن، ليس لدينا وقت لنضيعه.”
ارتسمت ابتسامة قاسية على وجه سابرينا وهي تُمسك بزوجها وتساعده على النهوض.
* * *
في غرفةٍ معتمة، تمايل ضوء الشموع بهدوء.
كانت السيدة بيتس بثوب نوم أبيض ناصع تسند يدها إلى صدغها بينما تحرّك القلم على الورق بإيقاعٍ متواصل.
لا يُعرف منذ متى وهي على هذه الحال؛ أحيانًا تعقد حاجبيها، وأحيانًا تتوقف يدها فجأة.
تأملت العجوز ما دوّنته حتى الآن، وقطّبت جبينها.
‘ما الذي أفعله بالضبط…؟’
لم يمضِ وقت طويل على رفضها لدور المرافِقة، ومع ذلك فهي تبذل هذا الجهد.
لكن أمرًا واحدًا كان واضحًا.
‘ليس سيئًا تمامًا.’
صحيح أن الملاحظات التي يمكن توجيهها لا تزال كثيرة، لكن التقدّم الملحوظ جعلها رغم اقتراب نهاية الشهر الذي وعدت به تشعر بطمعٍ خفي.
كانت تُرتّب المواد الثقافية التي ترى ضرورة تدريسها بعد أن قررت تغيير مسار الدروس ابتداءً من الغد حين باغتها وعيٌ مفاجئ بالواقع.
‘أنا لست معلّمة خاصة أصلًا… تسك.’
ومع ذلك، كلما تذكرت تلك الفتاة التي تلتهم المعرفة التي تُلقى إليها كما يمتص الإسفنج الماء، وجدت يدها تتحرك من تلقاء نفسها.
ثم وقد بلغ الضيق منتهاه وضعت السيدة بيتس القلم على المكتب بقوة.
“أمرٌ لا جدوى منه.”
إنها امرأة لم تبدأ سوى للتوّ بتدريبات النطق.
وبالنظر إلى تصرّفات كايلان، يبدو أنه يخطط لتقديمها في موسم الصيد الخريفي.
والوقت المتبقي لا يكاد يكفي لأي شيء.
“هاه…”
تعمّق قلق العجوز.
ومع ذلك، فإن رغبة الفتاة في التعلّم قوية إلى حدّ أنها لا تُظهر تذمرًا مهما سمعت من كلامٍ قاسٍ.
صحيح أنها تُصاب بالإحباط، لكن سرعان ما تلمع عيناها من جديد. ولعل في ذلك متعةً خفيّة لمن يعلّمها.
“لكن مع ذلك…”
رغم أن بعض العادات المتجذّرة بدأت تتغيّر تدريجيًا، فإن صفاء رأسها الزائد كان يقلقها.
فليس من الصعب تخيّل ما سيُقال: من أين جلبوا هذه الساذجة ليجعلوها عشيقة الدوق؟
“حقًا، أنتِ مشكلة حقيقية يا ليلى نوريس.”
في النهاية، شددت السيدة بيتس خطوطًا طويلة تحت المنهج الذي كانت تُعدّه، ثم بدأت تضع خطة جديدة تركز فيها على ما يمكن فعله الآن، مقدّمةً الأحاديث التي تتبادلها النساء في سنّ الزواج.
القراءة الجهرية، الأغاني الكلاسيكية، الغناء، الرقص، آلة موسيقية بسيطة، الخط، الأدب، البستنة…
رغم أنها حذفت الكثير، لا يزال ما يجب تعلّمه وفيرًا.
على الأقل، بدا أن التطريز والحياكة من الأمور التي تجيدها، وهذا أمر يُبعث على الارتياح.
فكرة أنها تتقن شيئًا واحدًا على الأقل خفّفت قليلًا من ضغط دمها الذي كان في ارتفاعٍ مستمر.
“نعم، على الأقل يجب أن تمتلك هذا القدر من المؤهلات.”
حتى إن تعذّر إتقان كل شيء، فلا بدّ أن يكون المظهر الخارجي لائقًا وبراقًا.
وذلك من أجل اسم ليانتون، إن لم يكن لشيء آخر.
وضعت العجوز نظارتها على المكتب، ثم مضت إلى سريرها لتستلقي وهي تتمتم شاتمةً تنوّع الطرق التي يُستغلّ بها كبار السنّ.
* * *
وُضع فنجان شاي أمام ليلى التي كانت تفرك عينيها المتعبتين.
لقد اعتادت الآن على الشاي الأسود إلى حدّ ما.
شكرت آنا بابتسامة.
“خذي قسطًا من الراحة. ستُتلفين عينيكِ بهذا الشكل.”
“لا بأس. أنا أستمتع بالأمر. ولا يزال أمامي الكثير لأدرسه.”
ابتسمت ليلى ابتسامة خافتة.
في الآونة الأخيرة، تغيّرت دروس السيدة بيتس.
في البداية كانت تركّز على آداب المجتمع الراقي، أما الآن فقد باتت تملأ فترة ما بعد الظهر كاملة بالدروس الثقافية.
وبسبب ذلك، كان لا بدّ لها أن تزيد من الوقت الذي تخصصه للدراسة الذاتية بما يتناسب مع تصاعد مستوى ما يُطلب منها.
فما تزال هناك أمور كثيرة ينبغي لها تعلمها، وفوق ذلك صاروا يسألونها أحيانًا عن آرائها في الأعمال الأدبية أو في موضوعات عميقة وثقيلة، فلم يعد هناك مجال لإهدار الوقت.
ولهذا، ومنذ فترة قريبة، طلبت من آنا أن تقرأ معها الصحف اليومية قراءة متأنية.
كان ذلك وقتًا جعلها تدرك بوضوح مدى جهلها ومدى سذاجتها حين عاشت لا ترى إلا خطوة واحدة أمامها وكأن العالم لا يتجاوز ما تحت قدميها.
ومع ذلك، كان التعرف على عالمٍ عاشت فيه جاهلة طوال حياتها أمرًا ممتعًا أيضًا.
لقد أحبّت شعور التقدم خطوة بعد خطوة، بعد حياة لم تعرف سوى الانكفاء والنظر إلى الأسفل.
وحين بدأت النتائج تظهر شيئًا فشيئًا، وحين يأتي ذلك الوقت الذي تجد فيه نفسها قادرة على التفاهم مع السيدة بيتس، كان الفرح الذي يغمرها يفوق الوصف.
ولهذا السبب، لم تكن أضواء غرفة ليلى تنطفئ إلا في ساعات متأخرة من الليل يومًا بعد يوم.
وبينما كانت تريح عينيها قليلًا بالنظر من النافذة، سُمِع طرق خفيف على الباب من الخارج. نهضت ليلى لتتلقى تحية خادمٍ شاب أنيق يرتدي معطفًا رسميًا متقنًا.
وعلى غير المعتاد، كان كايلان قد استدعاها على انفراد.
“إلى أين نذهب؟“
كانت تتوقع بطبيعة الحال التوجه إلى غرفة الاستقبال، فسألت الخادم الذي كان يقودها نحو الحديقة الخلفية.
فابتسم وقال:
“ستعرفين حين تصلين.”
وبعد قليل، استطاعت ليلى أن تعثر على كايلان في حديقة صغيرة خلف الجناح الشرقي.
تابعت بنظرها الخادم وهو يعود بعد أن أنهى مهمته، ثم سرعان ما حوّلت بصرها إلى كايلان.
كان ينبغي لها أن تتقدم نحوه، لكن قدميها لم تطاوعاها وكأنهما التصقتا بالأرض.
لماذا؟
ما إن وقعت عيناها على الابتسامة المرسومة على وجهه، حتى بدأ التوتر الذي كان متراكمًا في صدرها يذوب بهدوء.
وقفت للحظة في مكانها تكتفي بالنظر إليه وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"