𓆟 الفصل 18 𓆝
ومع تراكم الأيام يومًا بعد يوم، بدأت التغييرات تطال جسد ليلى ونفسيتها على حدٍّ سواء.
كان ذلك بفضل السيدة بيتس التي لم تكتفِ بالشرح النظري لآداب السلوك والإتيكيت، بل حرصت على خلق مواقف متنوعة تساعدها على الفهم والتطبيق.
وفوق ذلك، صارتا تتناولان العشاء معًا منذ فترة، غير أن العجوز الصارمة لم تكن لتضيّع هذا الوقت هدرًا.
من أحاديث بسيطة إلى موضوعات عميقة، كانت السيدة بيتس تطرح قضايا تمس المجتمع بأسره.
لكن في كل مرة، كانت ليلى إما تصمت أو تكثر من الاستفهام، إذ كانت الأسئلة تُوجَّه إليها بكلمات لا تعرف معناها.
وفي إحدى المرات، قالت لها السيدة بيتس بلهجة حازمة:
“وهل ستكتفين بالاستفسار هكذا حتى لو دُعيتِ إلى صالون اجتماعي؟“
كان المقصود أن تتوقف عن السؤال، وأن تبحث بنفسها عن المعنى وتحاول الاستنتاج.
فعدم الإلمام بالمفاهيم الاجتماعية أو القضايا العامة، فضلًا عن الجهل بالمفردات ذاتها، يجعل متابعة الحديث أمرًا مستحيلًا، وهو عيب واضح في نظر الجميع.
وماذا لو استخدم أحدهم ألفاظًا صعبة عمدًا لإقصائها؟ عندها عليها أن تتحلى بالحد الأدنى من الفطنة.
ومنذ ذلك الحين، بدأت ليلى تقرأ أكثر وتكثر من مراجعة القواميس، لتدرك بمرارة أن العالم مليء بكلمات لا تعرفها.
كما كانت تناقش مع السيدة بيتس مضمون الأعمال الأدبية التي تقرؤها صباحًا، غير أن الأمر في الحقيقة لم يكن تبادلًا للآراء بقدر ما كان إنصاتًا من جانب واحد.
ومع ذلك، لم تُبدِ السيدة بيتس امتعاضًا من هذا الأمر.
ظنت ليلى أن السبب يعود إلى إدراك السيدة بيتس لمستواها المعرفي، لكن الواقع أن العجوز كانت تستمتع بالحديث وحدها لا أكثر.
فقد ابتعدت طويلًا عن الأوساط الاجتماعية، وها هي تجد أخيرًا من تصغي إليه بينما تستعرض اقتباسات وأفكار كتّابها المفضلين، وهو ما لم يكن سيئًا بالنسبة لها.
وبفضل ذلك، اكتشفت ليلى أن ذائقة السيدة بيتس تميل على نحو غير متوقع إلى الكاتبات، وأن هؤلاء النسوة كنّ موضع إعجاب لديها، بل تجسيدًا لطموحات لم تستطع تحقيقها.
وهكذا خرجت ليلى من قاعة العشاء في ذلك اليوم أيضًا وهي منهكة تمامًا.
ورغم تعب جسدها، فإنها كانت راضية لما سمعته من أحاديث ومعارف.
وبينما كانت تعبر الردهة، ظهر فجأة رجل من العدم، مقتربًا منها بحركة مبالغ فيها.
“أوه! الآنسة ليلى!”
كان يلوّح بيديه عاليًا بحماس، وينظر إليها وكأن بينهما معرفة سابقة، ثم اندفع مسرعًا حتى وقف أمامها.
“تشرفت بلقائكِ، آنسة. سمعت عنكِ الكثير. هذه أول مرة أراكِ وجهًا لوجه.”
حدّقت ليلى فيه بذهول، وقد مدّ يده طالبًا المصافحة.
كان شخصًا لم تره من قبل، ومع ذلك بدا مفرط الود على نحو أربكها.
“من… حضرتك؟“
تراجع الرجل وسحب يده، ثم ابتسم بإحراج وهو يحك رأسه.
“آه، لم أعرّف بنفسي. أنا ميكيل روزيديل. يمكن القول إني عامل مجتهد يعمل بإخلاص تحت إمرة الدوق.”
“……”
“لا داعي لكل هذا الحذر.”
ضحك ميكيل وأخرج من جيبه بطاقة عمل، ثم قدمها إليها.
“هكذا تكون هويتي واضحة، أليس كذلك؟“
نظرت ليلى إلى البطاقة، فقرأت اسم “روزيديل كابيتال“، وتحته بخط واضح: “المدير التنفيذي: ميكيل روزيديل“.
“كابيتال؟“
أليس هذا… مجالًا خطيرًا بعض الشيء؟ ولماذا يدخل شخص كهذا إلى مقر الدوق؟
نظرت إليه ليلى بنظرة متحفظة.
“على أي حال، أنتِ أجمل بكثير على الحقيقة. لا عجب أن الدوق يعتني بكِ كل هذا الاعتناء.”
“ماذا؟“
لم تفهم ليلى ما يقصده.
ماذا يعني بالدوق؟ وإلى جانب ذلك، احمر وجهها قليلًا من الإطراء المفاجئ.
“كنت أرغب في التعرف عليكِ منذ زمن. لو علمت أنكِ بهذا الجمال، لكنت جئت أبكر.”
“……”
“يؤسفني أن لي جسدًا واحدًا فقط. فهل يعاملكِ الدوق جيدًا؟ بالنظر إلى أنه يرهقني بالعمل، فلا بد أنه يوليكِ رعاية خاصة.”
“هذا…”
في تلك اللحظة، أمسك شخص ما بأذن ميكيل وشدها بقوة.
كان إيساك فايدرا.
“آخ! ما الذي تفعله؟“
“هذا القصر لا يحتاج إلى شخص مزعج مثلك. اخرج فورًا.”
دون أن يلتفت إلى ليلى، جرّ إيساك ميكيل من أذنه مبتعدًا.
كان المشهد مثيرًا للشفقة قليلًا، لكن الجو لم يكن يسمح لها بالتدخل.
تنفست ليلى الصعداء بهدوء، شاكرة إيساك في سرها لأنه أنهى الموقف المحرج.
لكن في تلك اللحظة، سمعت صوتًا مألوفًا، فقبضت على صدرها مرة أخرى.
استدارت بسرعة.
“يبدو أنكِ لا تجيدين قول ما لا يعجبكِ.”
“نعم؟“
“لو كان هناك من يتحرش بكِ، كان عليكِ أن تطرديه بركلة، ولو في أسفل بطنه.”
كان كايلان يقف عند المدخل يراقب ما حدث بين الرجلين. ولهذا لم يرَ احمرار وجه ليلى من شدة الارتباك.
“أ… أركله؟ كيف؟“
قال ذلك وكأنه أمر عادي، فاحتارت ليلى في كيفية الرد.
وبينما كانت تحاول إخفاء وجهها المحمّر بيدها، حوّل كايلان نظره إليها مبتسمًا ابتسامة خفيفة.
“إذًا، من هو الأقرب إلى ذوقك؟“
“ماذا؟“
“هذا ثرثار اجتماعي، وذاك شخص كئيب نفعي لكنه يؤدي عمله بإتقان. فمَن تختارين؟“
“أنا…”
هل كان لا بد من الاختيار؟ شعرت بالذنب تجاه الاثنين، فعضّت شفتها في حيرة، لتسمع ضحكة منخفضة بجانبها.
“سأحتفظ بالسر.”
ترددت ليلى دون قصد.
وبدا أن الدوق لن يتحرك خطوة قبل أن يسمع جوابها، فكان لا بد من الرد.
وأخيرًا، فتحت فمها.
“لا هذا… ولا ذاك.”
“حقًا؟ ولماذا؟“
بدا كايلان متفاجئًا من الإجابة.
“لا أريد… أن أختار.”
في تلك اللحظة، ضحك كايلان بخفة وهو يتمتم بصوت منخفض “عديم الفائدة.”
أساءت ليلى فهم كلماته، فشهقت، إذ بدا وكأنه يقصدها. لكنها سرعان ما احمرّ وجهها مجددًا حين تابع حديثه.
“إذًا… أنا؟“
“……”
“هذا محرج. إن وقعتِ في رجل مثلي، فستعانين كثيرًا.”
كانت يده التي مرّت على ذقنه لطيفة على غير المتوقع، وشفته مرفوعة بابتسامة واضحة.
“لم أفكر في ذلك من قبل…”
أنزلت ليلى رأسها لتتجنب النظر إليه.
كان قلبها يخفق بغرابة، لكن الخجل كان أقوى.
تمنت لو يتوقف عن هذه المزاح الثقيل.
راقبها كايلان للحظة، ثم قال بلا اكتراث:
“ستتأذين يا ليلى.”
“نعم؟“
لم يكن كلامه وحده ما أربكها، بل طريقة مناداته لها.
رفعت رأسها فجأة، فرأت شفتيه تنطقان اسمها بسهولة.
“ما بكِ؟“
“لقد…”
عجزت ليلى عن إكمال الجملة غير قادرة على تفسير ما تشعر به.
وبينما كان كايلان يعيد التفكير في كلامها، تمتم بخفة:
“آه.”
“ناديني باسمي أنتِ أيضًا. سأسمح لكِ بذلك خصيصًا.”
“لكن…”
“أليس هذا أليق بعلاقة بين عاشقان؟“
كانت نظرته المائلة تسألها ذلك بوضوح.
لم تجد ليلى جوابًا.
بدا الأمر أكبر من قدرتها.
“جربي.”
“ماذا؟“
“هيا.”
حرّكت شفتيها بتردد.
مجرد نطق اسمه كان يتطلب شجاعة كبيرة.
وحين طال صمتها، سألها بنبرة متشككة:
“أتعرفين اسمي أصلًا؟“
“…نعم.”
“وما هو؟“
كانت نظرته ملحّة.
دارت عيناها قليلًا، ثم نطقت أخيرًا:
“…كـ، كايلان بلاسكي.”
“أحسنتِ.”
لانَت حدة عينيه وربت على رأسها بلطف فارتجفت كتفاها.
في هذا الوقت القصير، شعرت وكأن قلبها انقبض مرات لا تُحصى.
ظهر فجأة، أجبرها على الاختيار، ناداها باسمها دون تكلّف، ثم جعلها تنطق اسمه أيضًا.
ربما كان ذلك طبيعيًا بين عاشقان كما قال، لكنه بالنسبة لها تطلب قدرًا كبيرًا من الجرأة.
ولهذا، ظلت شفتاها تشعران بالخجل لأنها نطقت اسم الدوق بلا تحفظ.
في تلك اللحظة، كان كايلان يمرر يده على خصلات شعرها الذهبي الناعمة، لكنه توقف فجأة وكأن أمرًا خطر بباله فسحب يده على عجل.
“آه، نسيت أنني قلت إنني لن ألمسك.”
كان قد ظن أن انكماش عنق ليلى سببه ذلك، فأساء الفهم.
رفعت ليلى عينيها نحوه بنظرة خجولة، ثم أنزلت بصرها مجددًا.
“لا بأس… حقًا.”
“أهذا إذن سماح؟“
حين أومأت برأسها بخجل، تبدلت أجواء كايلان في لحظة.
“يشرفني ذلك.”
كانت كلماته ملتبسة، لا يُدرى أهي سخرية أم شيء آخر.
وفي تلك الأثناء، اقترب ميكيل وإيساك اللذان كانا يراقبان المشهد من بعيد.
ظلّت نظرة ميكيل الفضولية معلقة في ليلى.
صرف كايلان بصره عنها أخيرًا، وتحرك مبتعدًا وهو يقول:
“يكفي هذا. اذهبي الآن.”
نبرة صوته الخالية من المزاح كانت كما هي عادته، عصيّة على الفهم.
راقبت ليلى ظهره وهو يبتعد، ثم استدارت بدورها.
“إذًا، من يكون؟“
“من تقصد؟“
“الشخص الذي وقع عليه اختيار الآنسة.”
“لا حاجة لأن تعرف.”
حين سمعت تلك الكلمات، احمرّ وجه ليلى حتى اشتعل، فأسرعت خطاها دون سبب واضح.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
توضيح: سرد الرواية من عند الكاتبة كذا غير مفهوم ف اذا فيه سؤال اسألوني بجاوب لكم، حاولت اوضح ولكن ترجمت كل شي متل ماهو بأكثر طريقه مفهومه، حتى فكرت اترك الرواية بسبب سوء سردها بس قلت دامها 164 فصل اكيد حيتحسن ان شاء الله.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"