𓆟 الفصل 17 𓆝
* * *
دخلت عربة سوداء رباعية العجلات إلى الشارع التجاري الصاخب في لومونت. وعلى جانبي الطريق الواسع المُعبَّد بعناية، اصطفت متاجر ذات واجهات زجاجية كاملة وقد علّقت زينة متدلية بكثرة لجذب الزبائن.
من محلات الأزياء الحديثة الرائجة هذه الأيام، إلى دكاكين الساعات العتيقة ومتاجر المجوهرات التي تبيع التحف النفيسة، كانت المتاجر التي تستهدف الطبقة المتوسطة تعيش ازدهارًا غير متوقع.
حتى قبل بضع سنوات فقط، كانت المحلات تُغلق أبوابها تباعًا، أما الآن فصارت المتاجر الجديدة تظهر من حين لآخر. وكان هذا التغير نتيجة مباشرة لازدهار كازينو الفندق.
راقب كايلان المشهد العابر بلا اكتراث، ثم ما لبث أن أدار رأسه.
‘إذًا… توصلوا إلى الحقيقة في النهاية.’
جاءه اتصال من ميكيل في مساء الأمس.
قال له إن ذلك الرجل الذي كان يطبق فمه كمن كُمِّم، بدأ أخيرًا يعترف.
وكما كان متوقعًا، اتجهت شكوك الكونت نحوه.
وهذا يعني أن العد التنازلي للحرب قد بدأ.
وفي النهاية، سيُحسم النصر أو الهزيمة بحسب من ينجح أولًا في إحكام قبضته على عنق خصمه.
مرّ ظل قاتم على عيني كايلان الذهبيتين، ثم تلاشى مع بريق خافت من السخرية.
وفي تلك الأثناء، وصلت العربة إلى الفندق.
وما إن دخل الردهة حتى بادره وجه مألوف بتحية حارة.
“وصلتَ!”
كان ذلك ميكيل روزيديل (بغيره من روزيديه ل روزيديل).
اقترب منه بعد أن تبادل التحيات مع النزلاء بوجهه الودود المعتاد.
“أأصبحت تطمع حتى في فندقي الآن؟“
“آه، انكشف الأمر؟ كان سرًّا في الحقيقة.”
“طموحك يكبر بلا داعٍ.”
“أليس الأكبر أفضل دائمًا؟ كل هذا من فضل تعليم الدوق، كما تعلم. أوه!”
كان ميكيل يتحدث بحماسة، لكنه أسكت نفسه متأوهًا حين طُرق صدره بخفة.
“لماذا أنت هنا إذًا؟ ماذا عن ذلك الرجل؟“
“تركته نائمًا بهدوء. لن يستفيق قبل المساء.”
“هل استخرجت منه شيئًا آخر؟“
“ولولا ذلك، هل كنت سأتكبد عناء المجيء حتى هنا؟“
تبع ميكيل كايلان إلى مكتب المدير وبدأ يروي ما جرى فجرًا وكأنه قصة بطولة.
اشتكى من عناء انتزاع الاعترافات من شخص فتح فمه ثم عاد فأغلقه بإحكام، وكأن الأمر ليس دلالًا بل تعذيبًا.
“لذلك قررت ألا أدعه ينام. أظن أن هذا أسلوب إنساني جدًا، أليس كذلك؟“
كانت نظرته تستجدي المديح، ما بدا مثيرًا للسخرية. فهو وإن قال إنه لم يُنِمه، إلا أنه يعلم جيدًا أن أي غفوة كانت تعني تعذيبًا مضاعفًا.
“أحسنت.”
“هاها، أليس كذلك؟ كنت أعلم أنك ستقدّر الأمر.”
تلاشت ملامح التباهي عن وجه ميكيل سريعًا. فالأمر الآن يتطلب الجدية.
التفت إلى رئيسه الذي بدا عليه الضجر، وواصل حديثه.
“هناك منظمة يدعمها الكونت ألمار سرًا. ويخطط حاليًا لتوسيع نطاقها. وصناعة الشارات جزء من ذلك المشروع.”
“همم…”
“كيف عرفت؟“
“ماذا تقصد؟“
“علاقة الكونت بالغوست. لم أتخيل قط أنه سيصل إلى حد تربيتهم وصناعتهم فعليًا.”
“……”
“هل كنت تعلم بذلك منذ رحلتنا إلى توريا؟“
“بالطبع لا.”
استدار الكرسي الجلدي جانبًا.
أسند كايلان ذراعه على المكتب وحدق خارج النافذة.
كيف له أن يكون قد عرف؟ صحيح أنه شك في أن سيد الغوست هو الكونت ألمار، لكنه لم يكن يتوقع هذا المستوى من التنظيم والدقة.
خوليو أسكاسو دي ألمار… إلى أي مدى يمتد نفوذه حقًا؟
وبينما كان غارقًا في التفكير، فتح ميكيل فمه مجددًا.
“ما رأيك أن نبدأ بنشر الشائعات؟ طالما أن الكونت قد أنتبه، أليس من الأفضل أن نسبقه بخطوة؟“
“ولماذا؟“
حين التقت عيناهما، ارتسمت على وجه ميكيل ابتسامة ماكرة كاشفًا عن أنيابه الحادة.
“لأنه سيغتاظ أكثر. تخيّل أن تُنتزع منه عروسه ثم تنتشر الأقاويل في المجتمع النبيل. لو كنت مكانه، لارتعدت غيظًا.”
ما إن رأى ميكيل تعبير كايلان المشدود، حتى تراجع بسرعة.
“كنت أمزح فقط. أرخِ ملامحك.”
في الحقيقة، لم يكن مزاحًا تمامًا، ولم يفهم سبب النظرة التي بدت وكأنها ستقتله فآثر الصمت.
وخلال تذمر ميكيل الداخلي، بدأ كايلان يرسم المشهد في ذهنه.
صحيح أن نشر الشائعات قد يكون خيارًا مناسبًا، لكنه لم يشعر بالارتياح.
فكرة إلقاء امرأة لم تكتمل جاهزيتها بعد في وكر مليء بثعالب المكر لم ترُق له.
لا شك أن الاصطدامات والانكسارات قادمة لا محالة.
وفي نهايتها، إما أن تقف شامخة أو تسقط أرضًا.
وحين فكر فيها الآن، وجدها أقرب إلى الاحتمال الثاني.
لذا قرر منحها مزيدًا من الوقت.
فاختبارها الأول سيكون محاولة استمالة السيدة بيتس صاحبة النزعة الأرستقراطية المتعصبة.
ومن بعدها… سيكون كل شيء مرهونًا بها.
* * *
منذ اليوم التالي، بدأت أيام ليلى تسير وفق جدول صارم.
في الصباح، كانت تقرأ كتب الإتيكيت والأدب التي تحضرها السيدة بيتس، وفي فترة ما بعد الظهر تبدأ جلسة الشاي يتبعها تدريب على آداب السلوك الأساسية للآنسات، إضافة إلى تعلم مختلف قواعد التعامل المتداولة في المجتمع الراقي.
تدفّق المعرفة المتلاحق أربكها بشدة.
كان من الصعب تغيير عادات راسخة، لكن الأصعب كان تلك النظرات اللاذعة والتوبيخ الصارم الذي يرافق كل خطأ.
“افردي كتفيك وارفعِي رأسك. من الأدب النظر في عين من تتحدثين إليه.”
ويبدو أن أكثر ما كان يزعج السيدة بيتس هو افتقار ليلى للثقة، حتى أنها بدت مصممة على إعادة تشكيل شخصيتها بالكامل.
نشأت ليلى في بيئة جعلتها شديدة الخجل، دائمة الانشغال بمراقبة ردود فعل الآخرين، وكان من الطبيعي أن يثير ذلك الاستياء.
“نعم، نعم!”
“يكفي جواب واحد، ولا تتلعثمي. التصرف المتردد يجعل الآخرين يسخرون منك. لا تجعليهم يستهينون بكِ.”
“ف–فهمت… لا، أعني، فهمت يا سيدتي.”
“أعيدي الإجابة.”
“نعم، فهمت يا سيدتي.”
“هاه…”
هزّت السيدة بيتس رأسها، وقد بدا الصداع واضحًا عليها من أسلوب الكلام الذي لا يتحسن.
شعرت ليلى بالخجل من نفسها.
ففي اللحظات التي تتوتر أو تخاف فيها، كان لسانها يتجمد دون وعي منها.
لذلك، قبل النوم كانت تكرر الجمل نفسها مرارًا، وتشرب صباحًا ومساءً شايًا يساعد على تهدئة الأعصاب.
ومع ذلك، لم تتحسن عاداتها الكلامية بسهولة، ما جعلها تمضي أيامها خائبة الأمل من ذاتها.
“لماذا لا أستطيع؟“
سألت انعكاسها في المرآة مع علمها أن الجواب لن يأتي.
رفعت زاوية شفتيها بإصبعها، محاولة تهدئة نفسها.
“أنتِ تبذلين جهدًا. وستصبحين أفضل.”
كان عليها أن تصدق ذلك، وإلا فلن تتقدم خطوة واحدة طوال حياتها.
“أنتِ قادرة على النجاح.”
وبفضل ذلك، بدأت تتحمل توبيخ السيدة بيتس بدرجة أفضل، وإن لم يختفِ إحباطها من نفسها تمامًا.
وباستثناء ذلك، كانت سرعتها في استيعاب الدروس جيدة.
بدأت العادات الخاطئة تتلاشى وأصبحت القراءة أسهل وترسخت في ذهنها قواعد المجتمع التي لم تعرفها من قبل.
صحيح أن الوقت كان قصيرًا لاكتساب سلوك النبلاء بالفطرة، لكن حتى السيدة بيتس اعترفت بذلك ضمنيًا.
إذ أخذ صوتها العالي يهدأ شيئًا فشيئًا.
وبهذا، يمكن القول إن ليلى نوريس بدأت تكتسب ملامح الأرستقراطية.
وفي أحد الأيام، قررت السيدة بيتس اختبار نتائج التدريب، فرتبت موقفًا تمثيليًا بسيطًا.
كانت ليلى ضيفة والسيدة بيتس مضيفة، واستُعين ببعض الخادمات لإكمال المشهد.
وبسبب واقعيته، شعرت ليلى بالارتباك في البداية، لكنها سرعان ما تماسكت وتصرفت بهدوء وفق ما تعلمته حتى الآن خطوة بخطوة، ملتزمة بقواعد اللياقة.
لحسن الحظ، كان الموقف الأول متعلقًا بآداب الزيارة، لذلك لم يكن صعبًا إلى حدٍّ كبير.
لكن كلما تتابعت مشاهد المحاكاة، أخذ مستوى الصعوبة يرتفع تدريجيًا.
وُضعت ليلى أمام مواقف متعددة: كأن يرفض صاحب المنزل اللقاء فجأة، أو تضطر إلى المكوث ضيفة لعدة أيام على غير توقع، أو تُقدَّم لها وجبة دون المستوى اللائق، وما يترتب على كل ذلك من كيفية التصرف.
بذلت ليلى قصارى جهدها ضمن ما تعرفه، غير أن ذلك لم يكن كافيًا لإرضاء السيدة بيتس.
فمن إيصال الرأي بوضوح مع الحفاظ على اللياقة، إلى استشفاف نوايا المضيف الذي يعتذر عن اللقاء، وصولًا إلى تقديم البقشيش لخدم القصر تعبيرًا عن الامتنان؛ كل هذه التفاصيل كانت ما تزال تشكل عثرة أمامها.
“تذكري أن المواقف لا تأتي أبدًا وفق قاعدة ثابتة. وطريقة تصرفك في كل مرة هي ما يحدد مستوى رقيك.”
“نعم…….”
“أسلوب الحديث يجب أن يكون واضحًا دائمًا. قلت لك مرارًا إن الأهم أن يفهمك الطرف الآخر بدقة! آه… احرصي من الآن فصاعدًا على نطق سليم، ولا تطيلِي نهايات الكلمات.”
“نعم!”
“نبرة صوتك مرتفعة وحادة أكثر من اللازم. لا تدعي اضطراب مشاعرك يصل إلى الطرف الآخر. يجب أن يكون الصوت دائمًا صافياً وأنيقًا. ولا تنسي أن الصوت الجميل لا يخرج إلا من وضعية جلوس مستقيمة.”
“نعم.”
“يمكنك خفض ذقنك قليلًا.”
“نعم.”
“جيد. سننتقل الآن إلى غرفة الاستقبال مجددًا.”
ما إن أدركت ليلى أن الاختبار لم ينتهِ بعد، حتى انخفضت كتفاها بتعب واضح.
وفي تلك اللحظة، استدارت السيدة بيتس التي كانت تتقدمها.
“قلتُ افردي كتفيكِ. إن كنتِ تفكرين في تشويه سمعة اسم ليانتون، فتوقفي عند هذا الحد.”
أسرعت لياى بخطواتها كي لا تفقد السيدة بيتس التي مضت مبتعدة دون التفات.
وكان يومًا بدا لها أطول من أي يوم مضى.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"