𓆟 الفصل 16 𓆝
‘ما أدهى هذه العجوز.’
نقر بلسانه في صمت، وفي تلك اللحظة سُمع طرقٌ خفيف على الباب، ثم دخل ايساك وليلى إلى غرفة الاستقبال.
كانت السيدة بيتس قد أضاعت فرصة النهوض في الوقت المناسب، فاكتفت بتفحّص الفتاة المرتجفة أمامها بتأنٍّ.
كانت هذه أول مرة تواجهها عن قرب، لذلك تحرّكت عيناها البنيتان الداكنتان بسرعة وهي تتأمل ملامحها.
“ألقي التحية. هذه السيدة الجليلة ستكون معلمتك من الآن فصاعدًا.”
ارتبكت ليلى للحظة من كلام كايلان ثم انحنت انحناءة مترددة.
لم يكن واضحًا أهي خائفة، أم أنها لم تستوعب بعد أنها باتت تملك معلمة.
“تعلمي منها أصول اللياقة أولًا. قد لا يبدو الأمر كذلك، لكنها في شبابها كانت اسمًا لامعًا في الأوساط الاجتماعية.”
“ش–شكرًا جزيلًا يا سعادة الدوق. أرجو… حسن توجيهكِ يا سيدتي.”
ما إن انتهت من التحية حتى تقطّب جبين السيدة بيتس بقسوة.
فهي لا تعرف حتى طريقة الإلقاء الصحيحة، وطريقتها في الكلام ساذجة ومتعثرة على نحو يبعث على الأسف.
لم يكن فيها ما يدل على رقيّ النبلاء.
‘الطريق أمامنا طويل.’
ما إن خطرت الفكرة ببالها حتى ارتجفت كتفاها.
‘ما الذي أفكر فيه أنا؟‘
نفضت الفكرة سريعًا ثم نهضت من مكانها.
لم ترَ داعيًا للبقاء أكثر. ألقت تحية مقتضبة على كايلان وغادرت غرفة الاستقبال دون إبطاء.
أضاف كايلن بنبرة مازحة:
“تفهّمي الأمر. من عادتها أن تُظهر النفور أولًا.”
“ل–لا بأس. أنا… بخير.”
“جيد. إن كنتِ ترين الأمر كذلك فأنا ممتن.”
“…….”
“يمكنك الانصراف الآن. سيخبرك إيساك بجدول الدروس.”
“…نعم.”
شعرت وكأن شيئًا اقتحم صدرها فجأة ثم انسحب سريعًا.
أجابت ليلى بنصف وعي وانحنت مودِّعة لكنها توقفت فجأة حين تذكرت أمرًا لم تقله بعد.
عادت إلى أمام كايلان وانحنت بعمق حتى كاد نصف جسدها ينطوي، فتدلّت خصلات شعرها المرفوع نصف رفعة وانسابت إلى الأسفل.
“أ–أعتذر يا سعادة الدوق.”
ارتفع حاجباه بدهشة من هذا الاعتذار المفاجئ.
راقب وجهها الصغير الذي ازداد شحوبًا عمّا كان عليه قبل قليل، ثم قال:
“عن ماذا؟“
“…….”
“هل أخطأتِ في حقي بشيء؟“
أسند ذقنه إلى يده وهو يعقد ساقًا فوق الأخرى في جلسته المائلة.
بدا عليه انزعاج خفيف.
فقد أقنع السيدة بيتس بصعوبة لتتولى تعليمها، فهل ستعلن الآن رفضها؟
لم تلحظ ليلى التبدل التدريجي في ملامحه، واكتفت بالانحناء أعمق. وحين كادت جبهتها تلامس الأرض، خرج صوتها أخيرًا بصعوبة:
“أنا… لقد، لقد أضعتُ كتابًا قيّمًا.”
“…….”
“الكتاب… سأحاول بأي طريقة كانت، أن….”
“أن ماذا؟“
ارتفع طرف شفتيه باهتمام خفي وتبدلت نظراته الحادة في لحظة.
أكان كل ما يشغل بالها هو هذا الأمر؟
لقد لاحظ اضطرابها مؤخرًا، لكنه لم يخطر بباله قط أن السبب هو كتاب.
استحضر في ذهنه الكتب المكدّسة في زاوية غرفته، ثم سأل مجددًا:
“كيف ستتصرفين إذًا يا آنسة نوريس؟“
رنّ صوته العميق منخفضًا.
وحين حاول كتم ابتسامته، خرجت نبرته أكثر صرامة مما قصد، فهوت ليلى على ركبتيها.
“إن أذنتَ لي… سأعمل وأجني المال لأشتري نسخة مماثلة….”
تعمل؟ أليس معها حتى ثمن كتاب واحد؟
“آه….”
أطلق كايلان زفرة خافتة.
لقد خرجت من فمها مشكلة لم يتوقعها.
“يا له من أمر.”
كان قد أوصى بتوفير كل ما تحتاج إليه دون نقص، وعدّ ذلك جزءًا من اتفاقٍ بينهما واستثمارًا فيها.
لكنه أدرك الآن أن الآنسة تحتاج إلى مصاريف أخرى أيضًا.
أشار بيده إلى إيساك الذي كان واقفًا بلا حراك، وطلب منه أن يُبلغ السيدة بيتس بإعادة تقدير الميزانية اللازمة ليلى وأن يُصرف لها مبلغ أسبوعي ثابت، فهي في النهاية تحت رعايته.
أجاب إيساك بالإيجاب وغادر أولًا.
وبعد أن راقب كايلان ليلى المرتجفة قليلًا، نهض بدوره.
“ستُحضِر السيدة بيتس كتبًا جديدة. لا داعي للقلق بشأن الكتاب المفقود.”
رفعت ليلى رأسها ببطء ونظرت إلى الرجل الواقف أمامها بعينين ترتجفان.
“أنا من رميتُه.”
كان وجهه خاليًا من المزاح تمامًا.
تأمل شحوبها الذي قارب البياض التام، ثم استدار ومضى.
وبعد لحظات، سُمع خلفه صوت أنفاس متقطعة خافتة.
* * *
مرّ أسبوع على الموعد المحدد لبدء دروس اللياقة، ومع ذلك لم يصل من السيدة بيتس أي خبر.
أفرغت ليلى فترة بعد الظهر كاملة انتظارًا لرسالة منها، لكن المعلمة لم تظهر.
كانت تلمحها أحيانًا من بعيد في أروقة القصر، وحين تتلاقى أعينهما تدير السيدة بيتس وجهها وتمضي دون أن تذكر شيئًا عن الدروس.
بدأ القلق يتسلل إلى قلب ليلى.
كانت تدرك ضعفها جيدًا، لكن أوامر الدوق صدرت بالفعل، فلا يمكنها الانتظار بلا نهاية. لذلك قصدت السيدة بيتس بنفسها.
غير أن السيدة بيتس كانت تطردها بحجة أنها تحتاج إلى وقت للتفكير، وتوبخها قائلة إن النبيلة الحقيقية لا تُلحّ ولا تُظهر تبرمًا.
لم يكن أمام ليلى سوى الانتظار بضعة أيام أخرى.
وبعد ثلاثة أيام، استُدعيت أخيرًا.
جلست في غرفتها وقلبها يرتجف ثم توجهت إلى غرفة الدروس بخوف ممزوج بشيء من الترقب.
دخلت بهدوء، فوجدت السيدة بيتس تصدر تعليماتها للخادمات.
كانت الأيدي تنشغل بفتح النوافذ ورفع الأقمشة البيضاء المغطية للأثاث.
وقفت ليلى عند الباب للحظة تتأمل المكان.
في أحد الأركان وُضع بيانو قديم مع حامل للنوتات الموسيقية، وفي جانب آخر مساحة واسعة خالية، أما الركن الثالث فاحتوى على أريكة وطاولة.
لم يسبق لها أن رأت داخل الغرفة لأنها كانت مغلقة دائمًا، لكنها الآن بدت أوسع مما تخيلت.
ما إن انتهت الخادمات من عملهن حتى غادرن دفعة واحدة.
كانت السيدة بيتس تقلب بعض النوتات والكتب من إحدى الخزائن، ثم اتجهت إلى الأريكة وقالت:
“تفضلي إلى هنا.”
جلست ليلى أمامها بتردد.
“أود أن أوضح مسبقًا أنني لا أنوي أن أكون وصيّتكِ الاجتماعية. أنا الآن… مجرد معلمة مؤقتة بطلب من سعادة الدوق، فليكن ذلك واضحًا.”
“…نعم.”
أطلقت كلماتها كتحذير، ثم اكتفت بمراقبة ليلى في صمت.
شعرت ليلى بالاختناق.
ظنت أنها أخيرًا ستبدأ تعليمًا حقيقيًا، لكن الصمت طال.
وبينما كانت نظرات السيدة تفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها، خرجت زفرة ضيق من فمها.
ارتجفت كتفا ليلى لا إراديًا.
“سنكتفي اليوم ببعض الأسئلة. أريد أن أقدّر مستواكِ، لذا عليكِ أن تجيبي بصدق دون إخفاء شيء.”
“…نعم.”
“هل تلقيتِ دروسًا خاصة في المنزل، أو التحقتِ بمدرسة للفتيات؟“
“لا، لم ألتحق بمدرسة. أما الدروس المنزلية… فقد حضرتُ لبضعة أيام دروسًا كانت تتلقاها أختِ….”
“هووه—.”
خرج منها تنهد منخفض متتالٍ، فازدادت ليلى انكماشًا.
“لكنني… أستطيع القراءة والكتابة….”
“إلى أي حد؟“
“قليلًا… لكن إحدى الخادمات كانت تشرح لي جيدًا، لذا أستطيع قراءة قصص الأطفال….”
“مهلاً.”
قطع صوتها الحاد كلام ليلى فجأة.
نظرت إليها السيدة بيتس بذهول واضح وسألت:
“هل تقولين إنكِ تعلمتِ القراءة والكتابة على يد خادمة؟“
لم يسبق ليلى أن شعرت بالخجل لأنها تعلّمت القراءة والكتابة على يد سايا.
لم ترَ في الأمر ما يُعيبها يومًا.
لكن الطريقة التي أظهرت بها السيدة بيتس انزعاجها علنًا جعلتها تشعر على غير عادتها وكأنها ارتكبت خطأ. فسارعت تضيف تبريرًا مرتبكًا:
“لم تكن لدينا… القدرة على استئجار معلمٍ خاص….”
سواء كان جواب ليلى مقنعًا أم لا، بدا واضحًا أن السيدة بيتس غير معنية بشؤون عائلتها.
قطّبت حاجبيها قليلًا، ثم انتقلت مباشرة إلى السؤال التالي.
“وماذا تعلمتِ من المعلم الخاص؟“
“…بعض الحساب البسيط، والعزف على البيانو… وشيئًا من التطريز فقط. قالوا إنه يجب أن أواكب دروس أختِ….”
“آه، يكفي.”
قطعت السيدة بيتس كلامها بإيجاز، وكأنها لم تعد بحاجة إلى سماع المزيد.
فالمستوى الذي سمعته حتى الآن كان كفيلًا بأن يصيبها بالصداع.
فتاة تكاد تفتقر إلى أبسط أسس التعليم، ولم تتقن القراءة إلا قبل أيام قليلة فحسب.
أحقًّا تنتمي هذه إلى أسرة نبيلة؟
عاد الشك يتسلل إلى ذهنها مرة أخرى.
‘يا تُرى كيف ربّوا ابنتهم… تبا.’
بل لعل السؤال الأصح: هل عاملوها يومًا على أنها ابنتهم أصلًا؟
‘مع أن الأمر….’
حتى لو لم تكن قد سمعت شيئًا إضافيًا من إيساك، فإن براعتها المفرطة في التنظيف وحدها كانت تكشف بوضوح نوع الحياة التي عاشتها والمعاملة التي لقيتها. وهذا أمر لا تخطئه عين امرأة بلغت من العمر ما بلغته السيدة بيتس.
تقلّصت عيناها قليلًا وهي تحدّق في ليلى بصمت.
صحيح أنها جلست هنا أخيرًا بعدما ألحّ عليها كايلان حتى رضخت، لكن شعورها بعدم الارتياح لم يتبدد.
لم تكن تدري من أين تبدأ، ولا ماذا تعلّمها، ولا كيف يمكن إصلاح هذا النقص الهائل.
‘لقد وافقتُ بالفعل… ولا مجال للتراجع الآن.’
فركت جفنيها بكفّيها بعدما باغتها إرهاق مفاجئ، ثم أشارت إلى ليلى أن تنصرف.
كانت بحاجة إلى بعض الوقت لتفكّر.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"