راقب كايلان المرأة النائمة بصمت وقد اتخذت من ذراعها وسادة.
هل كان السرير مريحًا إلى هذا الحد؟ أم أنها أرادت تغيير مكان نومها؟ لم يكن الأمر إيذاءً للنفس، ومع ذلك لم يستطع فهم كيف تنام امرأة في مكان كهذا.
انخفض بصره قليلًا.
تحت ذراعها النحيلة كانت هناك كتابٌ مفتوح كأنه تُرك في منتصف القراءة. وما إن لمح الكلمات والرسوم الظاهرة حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة خاطفة.
كأنها في اليومين الماضيين، حتى على مائدة الإفطار، كانت تقلده في كل لقمة، وفي النهاية لم تكتفِ بذلك، بل جاءت إلى المكتبة لتقرأ مثل هذه الأمور.
ومع ذلك… يبدو أن لديها وعيًا بمكانتها كنبيلة، على الأقل؟
‘ذكية.’
كان يظن أن تصرفاتها لا تختلف عن خادمة واهنة بالكاد تقف على قدميها، حتى حسب أن عقلها لا بد أن يكون كذلك أيضًا، لكن يبدو أنه أخطأ.
رفع عينيه فقط وتأمل جانب وجه ليلى بتأنٍّ.
كان خدها مضغوطًا بشكل غير جميل بسبب اتكائها على ذراعها، ومع ذلك لم يكن مظهرها سيئًا.
رموشها بلون شعرها نفسه كانت كثيفة على نحوٍ لا بأس به.
‘……..’
انسابت نظرته الثقيلة من جفنيها الرقيقين إلى أنفها الصغير، ثم توقفت عند شفتيها المائلتين إلى الحمرة.
كانتا لامعتين قليلًا تحملان مسحة من براءة حديثة، وفي الوقت نفسه شيئًا من الإغراء الخفي.
‘لو نظرتُ إليها هكذا فقط، لبدت فتاة مدينة خالصة… لكن ما إن تفتح عينيها حتى يتغير كل شيء.’
نقر لسانه ساخطًا على هذا التناقض الظاهر، ثم ألقى نظرة أخرى على الكتاب العالق تحتها.
‘الأفضل التخلص من هذا الهراء.’
كتب الآداب القديمة المليئة بالتكلف العقيم، لا يليق بامرأة مثلها.
ربما كان تحطيمها لكل القوالب المألوفة بطباعها وتصرفاتها الخاصة أكثر متعة للمشاهدة.
‘سيكون الأمر مسليًا.’
ترك أفكاره تنساب على هواها ورفع زاوية فمه وهو يتخيل بعض المشاهد:
أن تكون حركات ذراعيها مبالغًا فيها على مائدة تضم آنسات نبيلات، أو أن تصبّ النبيذ بنفسها وتشربه دفعة واحدة أثناء الطعام، أو أن تتثاءب بلا اكتراث أمام نبلاء متعجرفين لا يفعلون سوى الوعظ والتلقين.
“هاهـاهـ—”
حين فكّر في شخصيتها، بدا المشهد غير مناسب لها… لكنه في الوقت نفسه، بدا مناسبًا بشكل غريب فخرجت منه ضحكة مكتومة دون قصد.
‘تبًّا.’
كتم ضحكته على عجل وتأكد من أن المرأة لم تستيقظ ثم أخرج يده التي كان يضعها في حزام سرواله وقد همّ بإيقاظها.
لكن ما إن رأى كتفيها يعلوان ويهبطان مع أنفاسها الهادئة حتى توقف.
مال رأس كايلان قليلًا.
ماذا يفعل بهذه المرأة؟ كان بإمكانه تركها كما هي، لكن مجرد النظر إليها جعله يشعر بعدم الارتياح.
في النهاية، انحنى وأدخل يده تحت إبطها وتحت ركبتيها، ثم حملها بين ذراعيه دون تردد.
* * *
تسللت أشعة الشمس عبر ستائر رقيقة.
وعندما استيقظت ليلى، ظلت تحدق في الفراغ لبرهة عاجزة عن الفهم.
كانت تتذكر أنها غفت في المكتبة، لكنها لم تستطع تذكّر ما حدث بعد ذلك وكأن ذاكرتها انقطعت فجأة.
ولم يكن الأمر مستغربًا؛ فتعلم قواعد الإتيكيت وحدها لم يكن سهلًا.
كتب الآداب كانت مليئة بكلمات غريبة، و… بصراحة، كانت مملة إلى حد يدعو إلى النعاس.
وهكذا، بينما كانت تبحث في القاموس، استسلمت للنوم.
“أوغ…”
تأوهت وهي تمسك رأسها بكلتا يديها، لكن مهما حاولت، لم تتذكر شيئًا.
‘من المستحيل أنني عدتُ إلى هنا وحدي.’
في النهاية، لم تجد بدًا من سؤال آنا التي دخلت لمساعدتها على التجهز.
“لماذا… أنا في غرفتي؟“
لكن آنا بدت حائرة مثلها تمامًا، وأجابت بأنها لا تعرف عما تتحدث.
ازدادت أفكار ليلى تشابكًا، ثم خطرت لها فجأة فكرة الكتب.
أسرعت إلى المكتبة.
وهنا… وقع ما لم تتوقعه.
الكتب التي أخرجتها بالأمس اختفت، بل وحتى الكتب التي كانت قد وضعتها جانبًا لتقرأها لاحقًا لم تعد موجودة.
وهكذا، اتخذ قلقها منحًى آخر تمامًا.
‘ضاعت…’
خانتها قدماها، فانهارت جالسة على السجادة الناعمة.
‘كيف حدث هذا؟‘
لم تكن قد أكلت الكتب، ولا يمكن أنها ألقتها من النافذة أثناء نومها. لكن بدل الحزن على اختفاء كتبها التعليمية الثمينة، كان شعورها بالذنب لأنها أضاعتها بخطئها هو الأثقل.
وبهذا القلق، اضطرت إلى حضور إفطارها مع كايلان.
بينما كان يرفع قطعة من لحم القد المشوي بإتقان، سألها بلامبالاة:
“ما بكِ؟“
مسحت ليلى وجهها الذي لم تستطع إخفاء تعابيره، وأجابت بتردد:
“لا شيء…”
“هذا وجه من فقد العالم.”
“لا، حقًا، لم يحدث شيء…”
توقفت فجأة وأغلقت شفتيها.
كانت تشعر أنه ينبغي أن تخبره، لكنها لم تستطع.
‘سأبحث قليلًا… ثم أخبره.’
لا بد أنها ستتذكر أين وضعتها.
لا، بل يجب أن تتذكر.
فهي كضيفة تعيش على حساب غيرها أضاعت ممتلكات صاحب البيت، وهذا خطأ لا يُغتفر.
لكن كايلان غير المدرك لما يجول في خاطرها، ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل طعامه.
ومضت الأيام، هادئة في ظاهرها، وثقيلة في باطنها.
كانت ليلى تعيش وكأن حجرًا ضخمًا جاثم على صدرها، فقد فتشت القصر بأكمله دون جدوى.
حتى عندما أخبرتها آنا لاحقًا أن تلك الكتب مجرد كتب للزينة ولا داعي للقلق، لم يخفف ذلك عنها شيئًا.
لم يبقَ أمامها سوى أن تعترف بالحقيقة وتشتري نسخًا بديلة.
‘أنا المخطئة… ومن الطبيعي أن أُوبَّخ.’
لذا، لا داعي للخوف.
كانت تواسي نفسها بهذه الأفكار، وهي تشرح لـ ليتي استخدامات البطاطس، حينها دوّى صوت خطوات أحذية على أرضية خشبية مصقولة.
تقدم رجل ذو ملامح حادة، يحمل ملفًا في يده بخطوات ثابتة.
ما الذي يحدث هذه المرة؟
اختفن الخادمات على عجل، وكأنهن تلاشن في الهواء.
نظرت ليلى إلى الرجل الضخم الذي وقف أمامها مباشرة، ثم انحنت دون وعي.
كان وسيم الملامح، لكن يحيط به بردٌ منفّر.
وفوق ذلك، كانت تشعر بثقل ذنبها، فلم يكن بوسعها أن تكون مطمئنة.
“آنـستي.”
نادى بصوت يحمل نفاد صبر خفيف.
رفعت ليلى رأسها، فرأت إيساك يرفع نظارته بإصبع واحد، ويقول ببرود:
“الدوق يطلب حضورك.”
سواء انقبض قلبها أم لا، استدار وغادر بعد أن قال جملته وكأنه أنهى واجبه.
لكن حين لاحظ أنها لم تتحرك، تدارك الأمر وأضاف:
“تفضلي باتباعي.”
لم يكن أمام ليلى خيار آخر سوى أن تخطو إلى الأمام.
* * *
كانت السيدة بيتس في غاية الاستياء.
فمجرد أن يُطلب منها وهي التي قاربت السبعين، أن تقوم بدور المرافِقة كان أمرًا يثير السخرية، لكن ما زادها ضيقًا هو ذلك التصرف المتغطرس الذي يفترض مسبقًا أنها ستوافق بلا نقاش.
ثم إنها ليست خادمة عابرة، بل الشخص الذي يتولى إدارة هذا القصر العريق نيابةً عن سيدته، فكيف يُنتظر منها أن تلهث خلف امرأة جاهلة لا تعرف شيئًا؟ ومع ذلك، كان كايلان يجلس بهدوء يحتسي قهوته بلا اكتراث.
ضيّقت السيدة بيتس عينيها ورمقته بنظرة جانبية.
‘سأتظاهر بأنني لم أسمع شيئًا. وإن كان الأمر ضروريًا إلى هذا الحد، فابحث عن شخصٍ آخر.’
“تعلمين أنه لا يوجد من هو مناسب. لماذا كل هذا التشاؤم؟“
“أكرر للمرة الأخيرة، أنا لا أرتاح لتلك المرأة. يكفي أن أتخيل أن الدوق الراحل يعلم بذلك حتى أفزع من نومي.”
“إن كان هذا هو السبب، فلا أرى فيه مشكلة. لو كان أبي كما أعرفه، لفتح لها ذراعيه مرحِّبًا.”
“……”
آثرت السيدة بيتس الصمت، وأطبقت شفتيها. فرغم أنها استحضرت اسم الدوق الراحل، إلا أن تجاهله للفوارق الطبقية يشبه تمامًا طبع دوق ليانتون السابق الذي يعرفه كايلان.
كيف آل حال هذه العائلة إلى ما هي عليه الآن؟
بل إنها وجدت نفسها تفكر بأن أيام ارتياده للنوادي، وانغماسه في الشراب والنساء، كانت أفضل من هذا الوضع.
فعلى الأقل، آنذاك كان يختلط بأناس من مستواه.
صحيح أنه عاش حياة منفلتة، لكنه كان –بنظرة أوسع– جزءًا من عالم اجتماعي معيّن؛ أماكن كان يرتادها أبناء العائلات العريقة الذين سيقودون هذا البلد يومًا ما في الخفاء.
“نعم… ليت تلك الأيام تعود.”
فهي أهون بكثير من هذه التصرفات العبثية.
لكنه منذ يومٍ ما، قطع صلته بكل ذلك فجأة.
وبالتحديد منذ اليوم الذي لقي فيه دوق ليانتون السابق حتفه في ظروف غامضة.
“آه… موت ميغيل ليس ذنبه.”
خرجت من شفتي السيدة بيتس زفرة خافتة.
حزنها لم يكن قليلًا، لكنها كانت تشفق على كايلان الذي يهدر شبابه الثمين وهو يتشبث بتلك الحادثة بإصرار موجع.
في تلك اللحظة، قطع صوتٌ خشن نسبيًا أفكارها.
“اصرفي بعض هذا الحماس الذي تُغدقينه عليّ… وامنحيه لتلك المرأة أيضًا.”
“لا أفهم ما تعنيه.”
“تفهمين، فلماذا تتظاهرين بالجهل؟“
“……”
“ألم تقولي إنكِ كبرتِ ولم يعد لديك ما تفعلينه؟“
“هل قلتُ شيئًا كهذا حقًا؟“
لمجرد أنها وبّخته قبل أيام، ها هو يتخذ من كلامها ذريعة ليوقعها في هذا المأزق.
وكأن الشيخوخة التي أثقلت جسدها لا تكفي حتى يقابلها بكل هذا الثبات.
انعقد حاجباها بامتعاض.
“حسنًا، لنفعل ذلك هكذا. علّميها لمدة شهر واحد فقط، وبعدها نقرر.”
“…..”
“وإن وجدتِ نفسكِ راغبة في الاستمرار بعدها، فلا بأس.”
“هذا مستحيل.”
ما إن خرجت الكلمات من فم السيدة بيتس حتى تشوهت ملامحها.
فقد كانت منشغلة بالاعتراض، إلى درجة أنها وافقت ضمنيًا على اقتراحه دون أن تشعر.
وحين ألقت نظرة جانبية، وجدت كايلان يبتسم ابتسامة ماكرة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 15"