ما إن دخل كايلان من المدخل الرئيسي حتى سمع صوتًا باردًا ينساب من خلفه فتوقّف في منتصف خطوته واستدار.
“هل أنتِ شبح؟ ألا تنامين؟ ما الذي تفعلينه واقفةً هناك؟“
قالها بنبرة جافة وهو ينظر إلى السيدة بيتس التي اقتربت منه بخطى ثابتة.
“كنتُ بطبيعة الحال في انتظارك يا سموّ الدوق.”
لم يتغيّر وجه العجوز المتجعّد قيد أنملة.
حدّقت فيه بنظرةٍ مستنكرة كما تفعل كلما تأخر في عودته، ثم بدأت حديثها الطويل:
“الدوقات السابقون كانوا يقدّمون سلام العائلة على كل شيء. لم يكونوا يبدّدون أوقاتهم عبثًا، وحتى في أشدّ أيامهم ازدحامًا كانوا يحرصون على العودة في الوقت المحدد. كانوا يؤمنون إيمانًا راسخًا بأن استقرار الأسرة هو أساس استقرار الدولة.”
“…….”
تابع كايللن سيره غير آبهٍ بما يُقال خلفه.
بدا واضحًا أن الليلة لن تختلف عن سابقاتها، وأنه سيستمع إلى الموعظة نفسها حتى يملّ سمعه.
“أما الدوق الخامس عشر الحالي، فأخشى أن أسلافه لو علموا بحاله لنهضوا من قبورهم فزعًا.”
“……”
“أتسمعني؟“
“نعم.”
“اللورد ايساك يعمل وحده طوال اليوم. يؤلمني حقًا أن أراه هكذا. لو كنتُ أصغر بعشر سنوات لساعدته بكل ما أستطيع، لكن بصري لم يعد كما كان، ولم يبقَ لي إلا أن أراقب.”
“……”
“ألا ترى أنه حان الوقت لتولي شؤون العائلة مزيدًا من الاهتمام؟“
“أنا أهتم بها بالفعل.”
“أعتذر، لكن سمعي لم يعد جيدًا. أيمكنك أن تعيد ما قلت؟“
“……”
ساد صمت قصير، ثم أطلقت السيدة بيتس زفرةً مسموعة وكأنها تتعمد أن يسمعها.
“إن كنتَ تقصد إدارة الفندق، فمن الأفضل أن تتركها لغيرك. تدخلك المباشر لا يبدو لائقًا في أعين الناس.”
“….…”
شعر كايلان بوخزٍ في ظهره كأن إبرًا غُرست فيه.
يقال إن الكبار في السن ينامون مبكرًا، لكن هذه العجوز لا تنام، بل يزداد لسانها طولًا يومًا بعد يوم.
أسرع في خطاه محاولًا التخلّص من ملاحقتها، لكنها زادت سرعتها هي الأخرى دون أن يبدو عليها أدنى تعب.
“لهذا لا أتوقف عن ممارسة الرياضة. فكلما تقدّم بنا العمر قلّت الأمور التي نستطيع القيام بها. إن أردنا أن نعيش طويلًا وبصحة جيدة، فعلينا أن نتحرك، أليس كذلك؟“
“….…”
“وأحيانًا أرى أن كثرة الوقت نعمة حقيقية. فهي تتيح لي فرصة كافية لأرشدك لتكون فردًا صالحًا في المجتمع.”
“حسنًا، هذا خبرٌ سار.”
أيّ خبرٍ سار؟ لم يكن يسمع، لكنه اضطرّ إلى تحمّل موعظتها حتى دخل غرفته.
“هل انتهيتِ الآن؟“
خلع معطفه وألقاه على الأريكة، ثم استدار إليها واضعًا يديه في جيبي سرواله ناظرًا إليها بنفاد صبر.
“لا، ما زال هناك المزيد.”
“إذًا قولي ما عندك بسرعة وغادري. أنا متعب.”
“يمكنك ببساطة أن تعود أبكر.”
وحين همّ الحديث أن يعود إلى النقطة ذاتها، رفع كايللن يده مقاطعًا.
رمقته بنظرةٍ ضيّقة، ثم انتقلت إلى صلب الموضوع:
“وصلت دعوة من عائلة شيونيل. يطلبون حضورك إلى بريكنا قبل نهاية هذا الموسم.”
“وماذا في ذلك؟“
“كيف ماذا في ذلك؟“
“بمَ أجبتِهم؟“
“هذا أمرٌ يعود إليك. لا يحقّ لي الردّ نيابةً عنك، فذلك تجاوزٌ لصلاحيتي.”
أطلق كايلان زفرةً خافتة وهو ينظر إلى وقفتها المستقيمة وهيئتها الأنيقة. فهي تعرف جيدًا متى تلتزم حدودها، لكنها في العادة تعامل ابن أخيها البالغ ستةً وعشرين عامًا كأنه طفل.
لو أنها عاشت بوقارٍ ككبار العائلة بدل أن تتعب نفسها بهذه المتاعب…
‘مجرد شطب اسمٍ من هنا وهناك، ما الذي يهمّ؟‘
منذ وفاة زوجها الفيكونت بيتس، عادت لتعيش في هذا القصر الذي نشأت فيه وكرّست سنوات طويلة لخدمة عائلة ليانتون.
فاعتزازها بالعائلة لا يوصف، وإن كان ذلك مرهقًا أحيانًا.
“حسنًا. أهذا كل شيء يا سيدتي؟“
لوّح بيده باستخفاف وهو يهمّ بالدخول إلى الحمام، لكنه لاحظ أنها ما زالت واقفة مكانها.
“هل بقي أمرٌ آخر؟“
تقدّمت ببطء وأمسكت بيده قائلة بحزم:
“تلك الفتاة لا تصلح.”
“عمّ تتحدثين؟“
“الآنسة نوريس قد تحمل لقبًا نبيلًا، لكن الأصل لا يتغير.”
ارتفع حاجباه بزاوية حادة.
“تحدثي بوضوح.”
“سمعتُ أن لقبهم اشتراه والدها الراحل ببضع قطع من المال.”
“أسمعتِ ذلك من إيساك؟“
نظر إليها بريبة، لكنها لم تعبأ.
“وهل يهمّ المصدر؟ مهما كان السبب المتعلق بالآنسة كلاوديا، لا يمكن لتلك الفتاة أن تبقى إلى جانبك. إن أردت، فابحث عن ابنةٍ من عائلة عريقة. أو لِمَ لا تفكر في الزواج؟“
“أهذا كل ما خرجتِ به بعد كل ما راقبتِه؟“
تملّكه الضيق.
ظنّها صامتة لأنها فهمت، فإذا بها تخطّط لهذا الأمر.
ضحك بسخرية.
صحيح أن الزواج قد يكون الوسيلة الأضمن لإبعاد امرأة مزعجة عن ناظريه، لكنه لم يكن مستعدًا لتقييد نفسه برباطٍ كهذا لأجل امرأة واحدة.
فكما تكرر السيدة بيتس دائمًا، فإن الإخلاص للعائلة تقليد راسخ في هذه الدار، وهو أمر محفور في ذهنه أيضًا.
ولهذا، حتى إن اقترب من سنّ يُعدّ فيه أعزبًا مزمنًا، فقراره بالزواج لا بد أن يكون بالغ الحذر.
“لا أقول ذلك عبثًا، بل لأنه الخيار الأمثل. وإن كانت العلاقة تعاقدية فحسب، فكان عليك أن تكون أكثر حذرًا.”
“كفى. لن أتراجع.”
سحب يده من قبضتها بنفاد صبر.
لم يكن يتوقع منها أن تتفهمه، لكن معارضتها وهي التي تعرفه أكثر من غيرها، آلمته قليلًا.
“إذًا لن تلبّي دعوة عائلة شيونيل؟“
“بالطبع لا.”
“…فهمت.”
غاصت نظرتها في عمقٍ ثقيل.
تأمّلها للحظة، ثم استدار.
“يمكنكِ الانصراف.”
“كما تشاء. استرح جيدًا.”
ابتعدت بخطواتٍ هادئة.
ظلّ يراقب كتفيها النحيلتين لبرهة، ثم دخل الحمام.
* * *
انفتح باب الحمّام بطرقةٍ خفيفة، وانسابت إلى الخارج رائحةُ كولونيا الاستحمام الخفيفة.
خرج كايلان وهو يجفف شعره فوقع بصره على ظرفٍ موضوع فوق الطاولة الجانبية.
وبما أنه لم يكن يحمل طابعًا بريديًا، فقد بدا أنه الدعوة التي تحدثت عنها السيدة بيتس.
ظلّ يحدّق في الظرف للحظة، ثم مزّق بخشونةٍ ختم الشمع الذي يحمل طابعًا مألوفًا له حدّ السأم.
وما إن أخرج البطاقة حتى كانت أول ما وقعت عليه عيناه زهرةُ الزنبق نفسها المنقوشة على الختم.
ومن الواضح دون حاجة إلى تخمين، أن دافيرا كلاوديا قد رسمتها بعنايةٍ بنفسها، فانعقد حاجباه من غير وعي.
“لعلّ السماء نفسها تتأثر بكِ يا كلاوديا.”
تمتم ساخرًا بصوتٍ خافت، ثم ألقى نظرةً على المحتوى.
بطاقة قصيرة تبدأ بعبارات مجاملة، ثم تذكر موعد الحفل الراقص ومكانه لا أكثر.
اكتفى بإلقاء نظرةٍ عابرة، ثم رماها مباشرةً في سلة المهملات.
ما الذي يدفعها في كل مرة إلى أن تأتي برسالةٍ إلى بيت غيرها ثم تترك وراءها ما يشبه القمامة؟ كان تجاهله لها كافيًا لأن يدفع أيّ امرأةٍ إلى اليأس، لكنها كانت مثابرةً على نحوٍ يبعث على الضجر.
ولم تكن بينهما خطبةٌ معلنة، ولا علاقةٌ عاطفية.
ولهذا كان يكفيه أن يتجاهلها كما يفعل الآن. غير أن مدينة بريكنا كانت تتوقع في الخفاء زواجه من دافيرا.
فالسبب الأكبر يعود إلى أن دوق ليانتون لم يُعلن حتى الآن عن خطيبة رسمية، إلى جانب تعاطف الرأي العام مع دافيرا كلاوديا، وهو أمر لا يمكن إغفاله.
‘من ستكون سيدة قصر ليانتون المقبلة؟‘
‘علاقة قدّرها القدر! كايلان بلاسكي دي ليانتون ودافيرا كلاوديا الابنة الوحيدة للدوق شيونيل!’
‘نقتحم يوميات دافيرا كلوديا: “ما زلتُ أنتظر ردَّه اليوم أيضًا“.’
‘فتى مجتمع بريكنا الطائش، الدوق ليانتون! فهل ستنجح الآنسة كلاوديا في تهذيبه؟‘
مثل هذه العناوين كانت دائمًا مادةً دسمة لصحف الفضائح من العبارات المستهلكة إلى أحدث ما يشدّ الأنظار.
كانوا يختلقون العناوين والمضامين كما يحلو لهم في مشهدٍ يبعث على السخرية.
توقّف كايلان عن التفكير وهزّ رأسه بقوة.
لم يكن يريد أن يستحضر صورة امرأةٍ لا يرغب حتى في التفكير بها؛ فقد بدأ رأسه يؤلمه لمجرد ذلك.
بدّل ملابسه إلى أخرى أكثر راحة، ثم خرج من الغرفة.
لم يكن لديه مقصدٌ محدد، لكنه ببساطة لم يشأ أن يبقى في المكان نفسه مع شيءٍ أرسلته تلك المرأة.
سارت قدماه بلا هدفٍ عبر الممرّ المظلم. وحين وصل لتوّه إلى الطابق الأول، لفت نظره ضوءٌ شاحب يتسرّب من جهة الجناح المؤدي إلى المبنى الرئيسي.
باستثناء عددٍ قليل من الخدم، كان هذا الجناح الشرقي مخصّصًا له وحده. فمن الذي قد يكون هنا في هذا الوقت المتأخر؟
تقدّم بخطواتٍ ثابتة وفتح باب غرفة المكتب.
وهناك رأى امرأةً نائمة، منحنيةً فوق الطاولة.
“ألا تخشى شيئًا؟“
كان من المفترض أن تستيقظ عند إحساسها بحضوره، لكنها لم تتحرّك قيد أنملة.
وبعد لحظة، انسدل عند قدميه بساطٌ قصير من المخمل الرمادي يشبه لون فراء الذئب.
ومع كل خطوةٍ يخطوها، كانت شمعةٌ داخل قنديلٍ زجاجي على الطاولة ترتجف ارتجافًا خفيفًا بفعل النسيم المتسرّب.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
موضوع هل ليلى مُتبناة ولا بنت نوريس من زوجة ثانيه لسة ماوضح بالرواية. يكفي انو السرد قديم بشكل مايخلي الترجمة منيحه حتى.
التعليقات لهذا الفصل " 14"