𓆟 الفصل 13 𓆝
* * *
“هل ستذهبين إلى المكتبة مرةً أخرى؟“
سألت آنا حين همّت ليلى بالنهوض بعد أن أنهت عشاءها.
كانت ترفع الأطباق النظيفة وتنظر إليها.
“نعم. ما زال هناك الكثير لم أقرأه.”
كانت ليلى متعجّلة.
فكلما تذكّرت كيف تصرّفت بسذاجة على مائدة الإفطار مع كايلان بالأمس، تملّكها خجلٌ جعلها ترغب في الاختباء في أي مكان.
صحيحٌ أنها حاولت على عجلٍ تقليد كل حركةٍ من حركاته، مراقبةً إيّاه بطرف عينها، لكن حتى طفلًا صغيرًا كان سيبدو أفضل منها حالًا.
ولمّا رأت آنا حالها رقّ قلبها، فأشارت عليها بعد ظهر أمس بمكتبة الاستقبال.
كانت ملاصقةً للجناح الشرقي حيث يقيم الدوق، ولذلك لم يكن من السهل على ليلى أن تطأها، غير أنّ تشجيع آنا منحها بعض الجرأة.
ومنذ ذلك الحين، أسرعت ليلى إلى المكتبة فورًا.
لم تكن بعدُ قادرةً على قراءة النصوص بطلاقة، لكن مجرّد المحاولة كان كفيلًا بتخفيف شيءٍ من همّها.
ولحسن الحظ، كانت الرفوف تعجّ بكتبٍ تعليمية متنوعة، من «آداب المائدة لدى الأسر النبيلة المرموقة» إلى «دليل الحياة للآنسات النبيلات».
شعرت أنه ما يزال بإمكانها تصحيح عاداتها الخاطئة وسدّ ما ينقصها، ولو بدءًا من الآن.
ولأجل ذلك، كان عليها أن تقرأ اليوم وغدًا وكل يومٍ بعده؛ أن تتمرّن على جلستها وأن تحفظ الكلمات التي تجهلها.
فمهما طال الزمن، لا يمكنها أن تسبّب للدوق حرجًا.
“سأذهب إذن.”
قالت ليلى ذلك وهي تسوّي تنّورتها المجعّدة بعناية.
ثم التقطت المصباح وخرجت مسرعةً إلى الممرّ قبل أن تنتظر ردّ آنا.
فآنا تقضي يومها كله في خدمتها، ولا يصحّ أن تُبقيها معها حتى ساعةٍ متأخرة من الليل.
شدّت ليلى عزيمتها مرةً أخرى وفتحت باب المكتبة.
* * *
توهّجت لافتة ‘روزيديل كابيتال‘ بضوءٍ خافتٍ متقطّع.
فالليل وقت المقامرة واللهو، ولذلك كان كثيرون يقصدون المكان منذ ساعةٍ مبكرة.
كان معظمهم يدخلون ويخرجون وهم يخفون وجوههم بقبعاتهم العالية المائلة وبياقاتهم المرفوعة.
غير أنّ الموظفة الجالسة خلف النافذة كانت تعرف وجوههم في الغالب.
فالمرّة الأولى هي الأصعب، أمّا الاستدانة ثانيةً وثالثة فليست أمرًا نادرًا.
كانت تسخر في سرّها من أولئك النبلاء الذين لم يكتفوا بتبديد ثرواتهم، بل بدا وكأنهم مستعدون لبيع زوجاتهم وأطفالهم الصغار أيضًا.
ومع ذلك لم يكن بوسعها أن تُظهر شيئًا من ازدرائها، فاكتفت بابتسامةٍ لطيفةٍ مرسومةٍ بإتقانٍ على شفتيها.
“هل هذه زيارتك الأولى؟“
“نعم.”
“هلاّ دوّنت بعض المعلومات هنا من فضلك؟“
“لا، لم آتِ للاقتراض من المال…”
كان الرجل الذي انحنى قليلًا يتجنّب النظر في عيني الموظفة.
بدا وكأنّ تردّده إلى محلّ إقراضٍ ربوي يجرح كبرياءه كنَبيل.
ظلّ يحدّق في الأرض ويتمتم وكأن الكلمات تأبى الخروج من شفتيه.
“سيدي؟“
نادته الموظفة حين طال تردّده.
“أودّ مقابلة المدير.”
“هل لديك موعد؟“
“لا، لكن قيل لي إنني أستطيع لقاءه إن أتيت إلى المقرّ الرئيسي.”
مالت الموظفة رأسها قليلًا عند سماع كلامه، ثم كأنها تذكّرت شيئًا، فقالت “فهمت.”
وأخذت تنقر بأصابعها على الورقة الموضوعة فوق المكتب.
“مع ذلك، لا بدّ من تدوين المعلومات الأساسية.”
ابتسمت ابتسامةً رقيقة وحدّقت فيه.
فبيانات الهوية أمرٌ لا يمكن إغفاله مع أيٍّ كان. فالاسم هو الضمان، وهو الوسيلة لتعقّب النبلاء الذين يستدينون ثم يفرّون.
تنفّس الرجل زفيرًا خافتًا وأمسك القلم ببطء. كتب اسمه وعمره ولقبه ومحلّ إقامته الفعلي وسبب الزيارة بإيجاز، ثم سأل بصوتٍ منخفض:
“هل يكفي هذا؟“
كانت الموظفة ترتّب قبّعتها البنيّة الصغيرة فوق رأسها.
لمحت الاسم المدوّن، ثم عادت إلى ابتسامتها المصطنعة.
“نعم. في العادة لا يُسمح بذلك من دون موعد، لكن سنمنحك استثناءً خاصًا. غير أنّ عليك إبقاء هذا الأمر سرًّا.”
“شكرًا لكِ.”
ارتجف صوته قليلًا، كأنّه شعر بالارتياح وظنّ أن الأمر قد انتهى.
ابتسمت له ابتسامةً قصيرة، ثم أضافت:
“لكن المدير في اجتماعٍ الآن. قد تضطر إلى الانتظار طويلًا، فهل يزعجك ذلك؟“
“لا بأس. يكفيني أن أراه. أأنتظر هناك؟“
ارتفعت عيناه الخضراوان الداكنتان من تحت ظلّ القبعة والياقة، وقد تغيّرت ملامحه بوضوح عن لحظاتٍ مضت، وأشار بطرف إصبعه إلى كرسيٍّ أسود وُضع بجانب نباتٍ داخلي.
كان ذلك مكان انتظار الزبائن، وقد كان كثيرون غيره ينتظرون دورهم بالفعل.
صحيحٌ أنّ هناك غرفةً مخصّصة لكبار الضيوف، غير أنّ الموظفة تجاهلت ذلك وأجابت باقتضاب:
“نعم، تفضّل.”
وما إن أنهت كلامها حتى استدار الرجل.
ظلّت تحدّق فيه للحظة، ثم استدعت أحد الحراس القريبين وهمست في أذنه:
“ساعتان تكفيان، أليس كذلك؟“
أومأ الحارس برأسه، فتأكّدت بعينيها من إشارته، ثم نادت الرقم التالي:
“العميل رقم 52!”
تردّد صوتها الصافي في أرجاء القاعة، فتقدّم رجلٌ آخر على عجل، بملابس لا تختلف كثيرًا عمّن سبقه.
* * *
“ممف! مممف! ممف!”
كان الرجل المقيّد بالحبال يهزّ الكرسي بعنف محاولًا المقاومة.
ارتجف جسده من الخوف، ومع ذلك ظلّ يرفع رأسه إلى الأعلى كأنه يحاول إيصال إشارة ما.
كان ميكيل يتبادل أطراف الحديث مع كايلان، لكنه ما لبث أن اقترب من الرجل وصفعه بقسوة على مؤخرة رأسه.
“ماذا؟ هل تظن نفسك الرقم خمسة وسبعين؟ كفّ عن الإزعاج واجلس بهدوء، اتفقنا؟“
“ممف! مممف!”
رفع الرجل رأسه المنحني من جديد وأطلق أصواتًا مكتومة.
تنهد ميكيل بضيق وقال:
“يا لك من عنيد لا يفهم الكلام.”
وقد بلغ به الضجر حدّه، فاستلّ خنجره.
أدار النصل اللامع أمام عيني الرجل للحظة، ثم غرسه في مسند الكرسي بجانبه.
“أمف!”
اتّسعت عينا الرجل قبل أن يغمضهما بإحكام، إذ أدرك أن انحرافًا طفيفًا كان كفيلًا بأن يخترق النصل فخذه.
أخذ صدره يعلو ويهبط بعنف، ثم انفلتت منه شهقات متقطعة.
“هـ… هـيك!”
ارتسمت على شفتي ميكيل ابتسامة رضا وهو يراقبه.
“كان عليك أن تسمع الكلام حين قلناه بلطف.”
ابتسامته الوديعة في ظاهرها بدت ماكرة على نحوٍ خبيث؛ تلك الابتسامة التي كثيرًا ما كان كايلان يعلّق عليها ساخرًا.
وبعد أن تأمّل وجه الرجل المبتلّ عرقًا ودموعًا، عاد ميكيل إلى كايللن.
“فتّشنا المنطقة المحيطة، ولا أثر لبقية أفراد. دخوله وحده وبهذا التهور يرجّح أنه من فرقة استطلاع.”
“همم.”
“لكن كيف اكتشف هذا المكان؟ لا يبدو أنه جاء وهو يعرف شيئًا محددًا.”
“من يدري.”
غاصت نظرة كايلان في عمق التفكير.
جلس على الكرسي الخشبي الصلب يحدّق في الرجل الذي كان يحرّك عينيه بقلق.
هذه هي المرة الثانية.
راح يقلّب الشارة المعدنية بين أصابعه ويفكّر.
‘لا يمكن أن يكون الأمر مصادفة.’
إن كان الكونت قد توصّل إليه فعلًا كما قال ميكيل، فقد يربك ذلك خطته.
صحيح أن طبع الكونت لا يميل إلى فضح الأمر في المجتمع أو رفع دعوى علنية، لكن كل الاحتمالات الأخرى تبقى واردة.
كيف سيتصرّف حين يكتشف انقطاع الاتصال بأحد أتباعه؟
شدّ كايلان قبضته فاختفت الشارة في راحة يده.
ارتفع طرف شفتيه قليلًا، كأنما يستمتع بالموقف.
أعاد الشارة إلى جيبه وفكّ ساقيه المتشابكتين ثم نهض.
“أسترحل الآن؟“
“نعم. استنطقه حتى يخرج بكل ما عنده.”
“أمرُك مطاع. دخل إلينا بنفسه، وهذا يسهّل علينا العمل. تفضّل أنت بالراحة في المقر.”
أدّى ميكيل تحيةً مسترخية خلفه، ثم اتجه نحو الرفّ الحديدي يتفحّص الأدوات ليستأنف ما انقطع من حديث.
في تلك اللحظة، سُمع صوت فتح الباب، وتردّد صوت كايلان من جديد:
“ما الأمر؟“
التفت ميكيل، فرأى الحارس واقفًا عند المدخل يؤدي التحية بجمود، فعقد حاجبيه.
يبدو أن مشكلة جديدة ظهرت في الطابق العلوي.
“هناك من يرغب في مقابلة المدير.”
“من هو؟“
ألقى الحارس نظرة خاطفة على ميكيل الذي اقترب منه، ثم أكمل تقريره بنبرة رسمية:
“البارون نوريس القادم من ماريس.”
“البارون نوريس؟ ولماذا؟“
السؤال خرج من ميكيل، وقد وقف إلى جانب كايلان يستمع إلى الشرح.
“يتعلّق الأمر بسداد قرض. ويُقال إن فرع توريا أحاله إلى هنا.”
“آه، صحيح.”
تذكّر ميكيل الأمر أخيرًا، ونظر إلى كايللن يسأله بصمت عن قراره.
فقد تم إشعار البارون بتقديم موعد استحقاق القرض بحجة الركود الاقتصادي في ماريس، مع فرض فائدة تأخير مرتفعة في حال العجز عن السداد؛ ما كان كفيلًا بخنقه ماليًا.
فلو أخفق، فلن يخسر قصره الوحيد فحسب، بل حتى لقبه.
صحيح أن الأمر كان مقصودًا منهم، غير أن إثارة غضب الدوق لم تكن خطوة حكيمة.
تمتم ميكيل بأسفٍ عابر على حال البارون نوريس.
قال كايلان بهدوء:
“اذهب وقابله. وسِر وفق الجدول كما هو.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ثم تلاشت سريعًا.
ظلّ ميكيل يراقب ظهر قائده وهو يمضي في الممر بخطوات ثابتة، ثم مدّ يده إلى الحارس.
ناوله الحارس لحيةً مستعارة وقبعةً عالية.
ثبت ميكيل اللحية بإتقان فوق شفته ووضع القبعة على رأسه حتى حجبت معظم ملامحه، ثم صعد إلى الطابق العلوي.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"