𓆟 الفصل 12 𓆝
* * *
“هل أضيف السكر؟“
رفع كايلان نظره نحو ليلى وقد التقط قطعة سكر مكعّبة من الوعاء الصغير.
كان سؤالًا بسيطًا ومباشرًا بلا تكلف ومع ذلك لم تستطع ليلى أن تجيب فورًا.
فهي لم تذق القهوة في حياتها، ولا تعرف طعمها أصلًا.
كل ما سمعته عنها كان من لينديا التي وصفتها بأنها شديدة المرارة لذا أومأت برأسها متأخرة قليلًا.
سقطت قطعة السكر في الفنجان الساخن مُحدِثة دوائر صغيرة على السطح، ثم أخذ يحرّك القهوة بملعقة صغيرة بضع مرات قبل أن يضع الفنجان أمامها.
“اشربي.”
ارتشف كايلان قهوته أولًا وهو يراقبها.
ومن مظهرها—إذ لم تمد يدها حتى نحو الفنجان—بدا واضحًا أنها لم تجرّب القهوة من قبل.
“لن تموتي منها، فلا داعي لكل هذا الخوف. هناك من يذهبون إلى بيوت القهوة خصيصًا للاستمتاع بها.”
لعل كلماته منحتها بعض الجرأة.
رفعت ليلى الفنجان بحذر وقرّبته من شفتيها.
وما إن لامس السائل المرّ طرف لسانها، حتى انعقد حاجباها لا إراديًا.
كان كايلان يراقبها متظاهرًا بعدم الاكتراث، لكنه أطلق زفرة خافتة داخل فنجانه، وقد ارتسمت على عينيه مسحة تسلية.
“ما زلتِ صغيرة.”
“لـ، ليس الأمر كذلك…”
أرادت أن تدافع عن نفسها، لكن لم تجد ما تقوله.
صحيح أن شعورها بالإحراج كان واضحًا، لكن كلماته لم تكن خاطئة.
ضغطت على شفتيها في صمت بينما ظلّ هو يحدّق بها.
وكلما ازداد احمرار شفتيها، وجد نفسه يعجز عن صرف نظره عنها.
شدّد ملامحه فجأة، ثم سألها:
“أتشعرين بالملل؟“
رفعت رأسها على نبرته الباردة قليلًا.
“عفوًا؟“
“بلغني أنكِ منشغلة بأمور غريبة هذه الأيام.”
“……”
“لم أوقّع معكِ عقدًا لأجعلكِ خادمة على حد علمي.”
تسللت نظرته الحادة عبرها كأنها تمسحها من رأسها حتى أخمص قدميها.
“أم أنكِ تتمنين أن تعيشي خاضعة تحت أقدام الآخرين إلى الأبد؟ إن كان هذا ما تريدينه، يمكننا فسخ العقد. لا حاجة لي بامرأة كهذه.”
“……”
شفتان مطبقتان بإحكام، وعينان تهتز فيهما أفكار كثيرة.
لكنها على الأقل فهمت مقصده.
صحيح أنه تعمّد أن يكون حادًا قليلًا ليكبح اهتمامها بأمور لا تعنيها وليجعلها تدرك أن وضعها ليس بهذه البساطة… لكن الإحساس الذي خلّفه كلامه كان أمرّ من طعم القهوة.
ومع ذلك، واصل حديثه وهو يرى الكآبة ترتسم على وجهها.
“أتذكرين؟ ما الذي يفترض بكِ أن تقومي به.”
“…نعم.”
“جيد. إذن، ابتداءً من الغد سنتناول الإفطار معًا.”
قالها وكأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليذكر ذلك.
فتحت عيناها على اتساعهما وقالت بدهشة:
“معًا؟“
فأضاف بهدوء:
“ليس من اللائق أن يتحفّظ العاشقان عن بعضهما. ألا ترين ذلك؟“
“……”
ما إن أنهى سؤاله حتى شحب وجهها.
راقب ملامحها الرقيقة التي بدت شفافة لدرجة تكاد تكشف ما بداخلها ثم قال ببرود:
“هذا كل شيء. يمكنكِ الانصراف.”
* * *
كانت تلك أول مرة تراه فيها بهذا الوضوح منذ دخولها القصر.
ذهبت إليه بقليل من الترقب، لكنها لم تسمع منه سوى ملاحظات على تصرفاتها.
ومع ذلك، لم يكن سبب حزنها هو توبيخه بحد ذاته—وهنا تكمن المفارقة.
راحت ليلى تتجول في غرفتها كجروٍ مضطرب لا يعرف أين يستقر.
“الإفطار… معًا؟“
كيف لها أن تتصرف؟ فكرة أن تبدأ كل صباح إلى جانبه جعلت قلبها يهبط في صدرها مرة تلو الأخرى.
“ماذا أفعل؟“
حتى في بيت البارون لم تجلس يومًا إلى مائدة واحدة مع عائلتها.
واستمر الأمر على حاله حتى بعد تحسّن معاملتها.
لم تكن تشعر بالأسى تجاه ذلك؛ فقد اعتادت منذ صغرها أن تتناول طعامها وحدها، فكان الأمر طبيعيًا بالنسبة لها.
لكن لماذا طلب منها أن تتناول الإفطار معه؟
صحيح أنه ذكر مسألة “العاشقين“، لكن لا يبدو أن ذلك هو السبب الوحيد…
وضعت يدها على وجهها الذي أخذ يسخن منذ قليل.
شعرت وكأن الحرارة تتجمع في رأسها، حتى خُيّل إليها أن هناك خللًا أصاب جسدها.
“هذا غريب…”
ارتمت على الأريكة الطويلة ودفنت وجهها في الوسادة.
“هل يمكن أن أموت هكذا؟“
قلبها كان يتسارع ثم يبطؤ فجأة ثم يهبط وكأنه يسقط في فراغ ليعود ويخفق بسرعة مرة أخرى.
لو استمر هذا الحال، فلن يكون موتٌ غريب كهذا مستحيلًا.
انتفضت فجأة ضجرة من أفكارها المتفلّتة، لكنها لم تستطع تهدئة نفسها.
“لن… يوبخني لأني لا أعرف آداب المائدة، أليس كذلك؟“
تسللت المخاوف إلى عقلها دون استئذان.
هي نبيلة لا تملك ما تفخر به، فماذا لو اكتشف أن حتى آداب الطعام لديها سيئة؟
تخيّلت نظراته الباردة تحدّق بها كما لو كانت أمامها حقًا.
وهكذا دون أن تشعر بمرور الوقت، قضت ليلتها ساهرة حتى بزغ الصباح واندفعت آنا نحوها مذعورة حين رأت حالها.
كانت الهالات الداكنة التي امتدت حتى أسفل عينيها قبيحة حتى بنظرها هي. غير أن لمسات آنا بدت وكأنها سحر؛ فما هي إلا لحظات حتى اختفى أثرها تمامًا.
تنفست ليلى الصعداء وعدّت ذلك عزاءً بسيطًا، ثم نزلت إلى قاعة الإفطار.
كان جسدها مثقلًا كأنه يحمل أطنانًا، لكن التوتر الذي اجتاحها كان أشد وطأة؛ حتى إنها لم تعد تدري أكانت تضع الطعام في فمها أم في أنفها.
على النقيض، كانت حركات كايلان رشيقة ومتقنة على نحوٍ لافت.
راحت ليلى تلاحق بعينيها حركة يده الممسكة بالشوكة والسكين وتقلده بصمت وهي تمضغ ولم يترك لها ذلك فرصة لتذوّق الطعام أو الاستمتاع به.
“ألا يعجبكِ الطعام؟“
التقت عيناهما للحظة، فسألها بلهجة عابرة.
“لا! إنه لذيذ… لذيذ جدًا.”
“حقًا؟ هذا مطمئن.”
استأنفا تناول الطعام، فتنفست ليلى في سرّها بارتياح. ثم أخذت تراقبه بطرف عينها بحذر تتفقد كيف يرفع كأس النبيذ وكيف يمسح شفتيه بالمنديل بين الحين والآخر.
إن رفع الشوكة، رفعتها هي، وإن تناول السلطة، أخذت من طبقها سلطة.
وإن مدّ يده إلى لحم السمان المشوي، فعلت مثله.
وإن قطع قطعة من النقانق، قطعتها وبدأت تمضغها بدورها.
وهكذا من غير أن تشعر، انتهى الإفطار.
كانت قد أكلت أكثر من المعتاد، حتى شعرت بأن بطنها امتلأ تمامًا، فأخذت تربّت عليه برفق.
“أأكلتِ كثيرًا؟“
كانت تفكر أنها إن نهضت الآن فقد تمشي متمايلة، فأجابت بإيجاز:
“نعم.”
“وكان الطعام مناسبًا لذوقكِ؟“
أومأت مرة أخرى مكررة الإجابة ذاتها.
أسند كايلان ذقنه إلى يده وتأملها للحظة، ثم أطلق ضحكة خفيفة كأنه وجد الأمر طريفًا.
“أأجوبتكِ قصيرة على الدوام؟ يبدو أن شهيتكِ قصيرة أيضًا.”
“ماذا؟ لا، ليس كذلك. لقد أكلت كثيرًا. أما إجاباتي… فأعتذر.”
“لم أقل لكِ اعتذري.”
“نعم، أعتذ…!”
وما إن خرجت كلمة الاعتذار مجددًا، حتى سارعت إلى تغطية فمها بيدها.
“دعكِ من هذا. كيف تجدين الإقامة هنا؟“
“جيدة. الجميع يعاملونني بلطف.”
“وغير ذلك؟“
“إنهم طيبون، وودودون… وأيضًا…”
‘ماذا أيضًا؟‘
حاولت أن تستجمع أفكارها، لكن الكلمات خانتها.
مهما أعملت عقلها، بدا وكأن لسانها—بل عقلها كله—تجمّد تحت وطأة التوتر.
“هل أخيفكِ؟“
“ماذا؟“
ارتجف كتفاها كما لو أنه أصاب موضعًا حساسًا.
هل بدت عليها تلك المشاعر إلى هذا الحد؟
“يمكنكِ أن ترخي كتفيكِ قليلًا. وأنتِ على هذا الحال، أشعر وكأنني رجل سيئ فعلًا.”
قالها بنبرة مازحة فلوّحت ليلى بيديها نفيًا على عجل.
“لا، أبدًا. سمو الدوق شخص… طيب أيضًا.”
“أتمنى أن تقولي ذلك أمام ايساك.”
“عفوًا؟“
“لا شيء. على أي حال، هل تحتاجين إلى شيء؟ ما يخصّكِ كآنسة مثلًا، أو أشياء تركتها في بيت البارون؟ كما ترين، أنا وحيد، ولم تتح لي فرصة تجربة وجود أخت. إن كان هناك ما ينبغي أن أعرفه، فأخبِريني دون تردد.”
أضاف ذلك وفي كلامه قدرٌ يسير من المبالغة.
صحيح أنه لا يملك أختًا، لكن قلة الخبرة بالنساء لم تكن أمرًا دقيقًا تمامًا. ومع ذلك، انتظرها بصبر وهي تغرق في التفكير.
بعد لحظة، فتحت ليلى شفتيها.
“…نعم.”
كان جوابًا فاترًا، كأنها تدفن شيئًا في صدرها.
لمح في ملامحها انقباضًا خفيفًا، لكنه تظاهر بعدم الانتباه.
“يبدو أن اليوم ليس مناسبًا لمواصلة الحديث. لنؤجله إلى وقتٍ آخر. هل يناسبكِ ذلك؟“
“نعم…”
راقب التجعّد الخفيف بين حاجبيها، ثم نظر إلى ساعته ونهض من مقعده.
ظلّ يحدّق فيها للحظة وهي لا تزال جالسة بلا حراك، ثم غادر.
عندها فقط رفعت ليلى رأسها.
بقيت تحدّق في المكان الذي كان يقف فيه، ثم أطلقت الزفير الذي كانت تحبسه.
“لم… يتخلَّ عني، أليس كذلك؟“
تسرّب القلق الذي لم تستطع قوله بصوتٍ خافت من بين شفتيها المرتجفتين.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"