𓆟 الفصل 11 𓆝
رفعت الخادمة الصغيرة رأسها.
“آنستي؟“
يبدو أن الأمر كان مفاجئًا لها، إذ ارتسمت على وجهها الدهشة والحيرة في آنٍ واحد.
“…ظننت أنكِ قد تحتاجين إليه.”
“نعم؟“
“أعتذر… أثناء نزولي رأيتكِ مع السيدة العجوز…”
“آه…”
أنزلت ليلى بصرها بخجل وحدّقت في يدها الممدودة بتردد.
كانت تتمنى لو أن الخادمة تقرر سريعًا، إما أن تأخذ المنديل أو ترفضه، لكنها لم تفعل سوى أن ترمش بعينيها في ارتباك.
وحين همّت ليلى بسحب يدها، شاعرةً أنها تدخلت بلا داعٍ، سارعت الخادمة أخيرًا وأخذت المنديل.
“شكرًا لكِ.”
قلّبت الخادمة المنديل بين أصابعها، وألقت نظرة خاطفة على ليلى.
بدا عليها الحيرة: لقد قبلته، لكن ماذا تفعل بمنديل فاخر أبيض ناعم كهذا؟ ثم سألتها بحذر:
“هل ظننتِ أنني أبكي؟“
“ماذا؟ آه… نعم.”
“هكذا إذن. يبدو أنكِ طيبة القلب يا آنستي.”
“…….”
شعرت ليلى بوخزة خفيفة في صدرها.
صحيح أنها رأت في هذه الخادمة شيئًا من نفسها، لكن في أعماقها كان هناك أيضًا شعور خفي بالرضا؛ كأنها أخيرًا وجدت ما تفعله.
ابتسمت ابتسامة متكلفة خشية أن يُكشف ما في داخلها.
“لكن الأمر ليس بـجديد. لا أقلق بسبب هذا القدر. هاها.”
ابتسمت الفتاة التي بدت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها ابتسامة مشرقة.
“قد لا أحتاجه الآن، لكنني سأغسله بعناية وأعيده إليكِ.”
“…حسنًا.”
ظلّت ليلى تحدّق بشرود في شفتيها المتحركتين وهي تتحدث بخفة.
كيف تستطيع أن تبتسم بذلك الصفاء حتى في مثل هذه اللحظات؟
شعرت وكأن شيئًا ما يطرق باب قلبها.
طال النظر، فارتسمت علامات الاستغراب في عيني الخادمة فخفضت ليلى بصرها سريعًا نحو قضبان النافذة، ومن غير قصد راحت تبحث بعينيها عن الموضع الذي أشارت إليه السيدة بيتس قبل قليل.
عندها أدركت السبب الذي منعها من التدخل حتى الآن.
‘لهذا السبب إذن.’
لهذا كان القصر يُحافظ عليه بنظافة استثنائية.
تأملت قليلًا الآثار الدقيقة التي بالكاد تُرى، ثم التفتت إلى الخادمة الصغيرة وأخبرتها بطريقة التنظيف التي تعرفها.
“الأجزاء التي أصابها الصدأ… من الأفضل استخدام مواد ذات خصائص حمضية.”
“نعم؟“
“هذا ما سمعته… فقط.”
كانت كلمات ليلى تخرج ببطءٍ وتردد، لكن الخادمة لم تقاطعها ولم تُصغِ إليها باستخفاف.
بل على العكس، كلما مضى الوقت اتسعت عيناها أكثر.
“يا إلهي…”
لم تُخفِ انبهارها.
وسرعان ما انغمست في حديث ليلى وهي تظن في سرّها أنها أساءت الحكم تمامًا على هذه الآنسة الغريبة.
* * *
“هل ستترك الأمر على هذا النحو؟“
سأل ايساك وهو يمدّ إلى كايلان أوراقًا بانتظار التوقيع.
“تحدث بوضوح.”
رفع كايلان حاجبه استنكارًا لسؤالٍ مبتور السياق.
“أعني تلك المرأة.”
“من تقصد؟“
“الآنسة نوريس. أم أنك تتظاهر بعدم المعرفة؟“
رفع كايلان بصره قليلًا عند سماعه نبرة الاستياء في صوت ايساك.
لم يكن معتادًا أن يذكر اسم امرأة في حديثٍ جانبي.
“وما شأنها؟“
أعاد كايلان نظره إلى الأوراق، بينما أخذ ايساك يتحدث بهدوء عن المرأة التي باتت مؤخرًا مصدر قلقه.
“إذا بدأت الشائعات تنتشر قريبًا، فلن تصل إلى الآنسة كلاوديا فحسب، بل ستبلغ أيضًا مسامع الكونت ألمار، أليس كذلك؟“
كانت يد كايلان تواصل تحريك القلم بسلاسة، يقلب الصفحة التالية بلا اكتراث ظاهر.
“وماذا في ذلك؟“
“إن كنت تنوي الاستفزاز، فعلى الأقل ينبغي أن تبدو بمظهرٍ يليق بنبيلة.”
ناوله ايساك الوثيقة التالية وهو يراقب ملامح سيده التي لا يمكن قراءة ما يدور خلفها.
“وهل يعدّ ذلك مشكلة؟“
“بالطبع. فالآنسة كلاوديا ليست ثعلبة عادية.”
“همم.”
مرّ طيف ضيق خفيف على وجه كايلان وهو يفتح الملف التالي.
ظنّ أن انزعاجه سببه سماع اسم دافيرا كلاوديا، لكن ما لبث أن تتابعت في ذهنه صورة ما حدث عند دخوله قبل قليل.
امرأة كانت تضحك وتتحادث بلا جدوى مع خادمة صغيرة.
ما الفائدة من إلباسها أفخر الثياب ومنحها بيتًا فخمًا إن كانت لا تعي حتى مكانتها؟
سذاجتها هذه التي تتصرف بها وكأنها لا تدرك موقعها كانت تثير ضيقه.
صحيح أن التعامل مع امرأة ستثور من تلقاء نفسها لمجرد بقائها ساكنة ليس بالأمر الصعب، لكن قدرة ليلى نوريس على تحمّل الضغط مسألة أخرى تمامًا.
“وماذا عن المعلمة الخاصة؟“
“ما زلنا نبحث. ليس من السهل العثور على شخص يستوفي الشروط.”
“فهمت.”
عاد الصمت ليخيّم على الغرفة ولم يُسمع سوى صوت احتكاك القلم بالورق.
وحين يصمت الدوق، يصمت ايساك أيضًا.
وبعد أن تراكمت الأوراق الموقّعة في كومةٍ مرتبة، رفع كايلان نظره أخيرًا.
أسند جسده إلى ظهر الكرسي وقال بوجهٍ هادئ لا يكشف ما وراءه:
“أحضر المرأة.”
“حاضر.”
* * *
“أحقًّا ما تقولين؟“
توجّهت أنظار الجالسين في غرفة الأدوات إلى ليلى التي كانت تجلس بهدوء ثم عادت لتستقر على الخادمة الصغيرة.
كانت ليتي وقد اجتمعت عليها النظرات في غاية الحماسة تتحدث باندفاعٍ وفرح:
“أقول لك إنه صحيح! الصدأ الذي لم يختفِ مهما فعلنا زال تمامًا! أليس هذا مذهلًا؟ كنت أظن أن الليمون لا يُستخدم إلا في المطبخ، فمن كان يعتقد أنه مفيد في التنظيف أيضًا؟“
كانت منشغلة بسرد ما جرى قبل قليل بحماسٍ شديد، حتى إنها لم تلحظ أن وجه ليلى قد احمرّ خجلًا.
لم يكن يشغلها سوى نقل تجربتها والانبهار بأن الآنسة تعرف طريقة تنظيف بهذه الروعة.
“أظن أننا لن نضطر بعد الآن لاستخدام المنظفات القوية. فهي لا تفعل سوى إتلاف أيدينا.”
نظرت ليتي إلى يديها وقد تقشّر جلدهما وابيضّ، وعبست قليلًا.
“على ذكر ذلك، أظن أنني سمعت شيئًا مشابهًا من قبل. من قال ذلك؟ آه، نعم! أليس هناك كتيّب صدر قبل بضع سنوات بعنوان <دليل أسرار إدارة القصور>؟ أذكر أنهم ذكروا فيه شيئًا كهذا.”
تدخلت إحدى الخادمات الجالسات حول طاولة العمل العريضة، وما إن أنهت كلامها حتى أشرق وجه ليتي أكثر.
“أرأيتن؟ لم أكن أكذب!”
بل ورفعت كتفيها بزهوٍ خفيف، ثم التفتت إلى ليلى بوجهٍ يفيض فخرًا وكأن الإنجاز لها وقالت:
“في الحقيقة، لقد اندهشت كثيرًا اليوم عندما رأيتكِ يا آنستي. كنت أظن أن كل النبيلات متعجرفات ولا يردن الاختلاط بخادماتٍ مثلنا. لكنكِ لطيفة حقًا. حتى إنني أشعر بالأسف لأني أسأت فهمكِ سابقًا.”
انحنت عيناها بابتسامة صادقة.
“بل وأصبحتِ قدوة لي أيضًا. لذلك…آنستي؟“
كانت ليلى تتلوّى في جلستها حرجًا، لا تدري كيف تتصرف، لكنها التفتت حين نادتها ليتي.
“نـ… نعم؟“
“أودّ من الآن فصاعدًا أن أتخذكِ قدوة لي. فهل تسمحين لي بأن أتعلم منكِ الكثير؟“
“آه… نعم.”
“شكرًا لكِ يا آنستي.”
جاء رد ليلى عفويًا، فابتسمت ليتي ابتسامة واسعة كاشفةً عن أسنانها المرتبة.
وفي تلك اللحظة، سُمع طرقٌ على الباب ثم دخل رجل ذو شعرٍ رمادي فاتح يرفع نظارته ذات الإطار الأنفي قليلًا وهو يتقدم إلى الداخل.
“آنسة نوريس.”
كان صوته جامدًا خاليًا من أي عاطفة، فالتفتت إليه ليلى والخادمات معًا.
لم يكن ما أربكهنّ هو مقاطعتهنّ لاستراحة بعد الظهر، بل أن اللورد ايساك بنفسه جاء إلى هذا المكان المتواضع.
تجاهل ايساك تلك النظرات وحدّق في ليلى مباشرةً وهو يقطّب حاجبيه قليلًا.
“الدوق يطلبكِ.”
* * *
وقف كايلان عند النافذة وعيناه تتجولان ببطء في الحديقة الخضراء الممتدة أمامه.
كان هذا المكان يومًا ما مقصدًا يعجّ برجال ونساء المجتمع الراقي، أما الآن وقد أُغلقت أبوابه في وجه الزوار فقد بدا هادئًا على نحوٍ موحش قليلًا.
ومع ذلك، لم يظهر على وجهه الجامد أي أثرٍ للأسف.
راح يطرق ذراعه المطويّة بأصابعه متخيّلًا ما قد يحدث لاحقًا.
ماذا لو تقدّمت ليلى نوريس لتكون مضيفة الحفل؟ كيف سيكون وقع ذلك حين تقف امرأة تكاد تكون صفحة بيضاء وسط جمعٍ من النبلاء المتنافسين على المكانة؟
لم يكن من الصعب توقّع ردود الأفعال، لكن الفكرة خطرت له لأنه يملك القدرة الكافية لدعمها إن أراد.
ثم إن ترسيخ مكانتها بوصفها عشيقته لا يبدو أن هناك وسيلة أنسب من هذه.
جالت عيناه الذهبيتان الباردتان فوق العشب الواسع، وإذا بالمشهد في خياله يتبدّل: طاولات وكراسٍ بيضاء تنتصب في الفضاء الخالي، وخدم يحملون الأطباق جيئةً وذهابًا.
تنساب ألحان عذبة ويتمايل الأزواج وهم يتبادلون الرقص بسرور.
أضواء براقة وزينة فريدة وأعمدة من الزهور المستديرة وحرير ناعم ينساب مع نسيم الليل في حفلٍ فاخر تحت السماء.
ثم تصعد المرأة إلى المنصّة المخصّصة للمضيف، فتتجه إليها أنظار الجميع.
نظرات مذهولة تقابلها عيناها الخضراوان الفاتحتان بنظرةٍ باردة متعالية.
ولو تشابكت أيديهما متظاهرين بالحب وقبّل خدّها أمام الحضور…
انفرجت شفتا كايلان بابتسامة خفيفة.
“هذا ممتع.”
ولسببٍ ما، راوده شعورٌ بأن من سيتمايل ارتباكًا ويتبدل لون وجهه إلى الشحوب لن تكون دافيرا كلاوديا، بل ليلى نوريس.
دوّى طرقٌ على الباب في تلك اللحظة، أعقبه صوت ايساك:
“سيدي الدوق.”
“ادخل.”
راقب كايلان الباب وهو يُفتح ببطء، ثم تحرك بهدوء متجهًا إلى الأريكة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"