𓆟 الفصل 10 𓆝
استيقظت على زقزقة عذبة لطيورٍ خارج النافذة.
ورغم أن بضعة أيام قد مضت منذ وصولها إلى هنا، فإن ملمس الفراش الوثير الذي يلفّ جسدها ورائحة القطن الخفيفة العالقة في الأجواء، ما زالا يبدوان لها غريبين.
تتبّعت ليلى بعينيها ذرات الضوء الصغيرة المتلألئة بين خيوط النور الشفافة، ثم سرعان ما غطّت وجهها بكفّيها بخجل.
‘لا أصدق.’
أن أكون عشيقة الدوق ليانتون…
لم يخطر ببالها قط أن أول قرار تتخذه بنفسها سيضعها في مكانةٍ كهذه، مكانةٍ عظيمة إلى هذا الحد.
فالمعرفة بهيبة عائلة الدوق ليانتون شيء، أما أن تراه وتسمعه وتختبره بنفسها فشيءٌ آخر تمامًا كالفرق بين السماء والأرض.
وكلما تذكرت ما حدث في ذلك اليوم، عاد قلبها يخفق بعنف.
‘يكفي أن تمنحيني كل ما تملكين.’
ذلك الصوت الذي نطق بهذه الكلمات وهو يحدّق فيها مباشرة.
صحيح أن المعنى آنذاك لم يكن كما تشعر به الآن، لكن أفكارها العابثة أضفت على ذكريات ذلك اليوم مسحةً مختلفة، كأنها وضعت عليها مرشّحًا يبدّل ألوانها.
راحت تلوّح بيديها أمام وجهها الذي أخذ يحمرّ شيئًا فشيئًا.
ليس الأمر كذلك… أنت تعلمين جيدًا أنه ليس كذلك.
كررت ذلك في سرّها مرارًا بلا جدوى.
ذلك الخفقان الذي لم تختبره من قبل ظل يطرق صدرها بإلحاح.
‘أظنني بدأت أفهم.’
تذكّرت لينديا وهي تقلب مجلةً تضم صورًا لوجوه شخصيات المجتمع البارزة، وتثير ضجةً وحماسًا لمجرد النظر إليها.
رغم أنها لم تكن سوى رسومٍ مطبوعة، كانت تقول: هذا عريض الكتفين كالمحيط، وذاك طويل القامة، وله لحية جذابة… وتظل تتحدث بلا توقف.
في كل مرة، كانت ليلى تكتفي بالاستماع بلا اكتراث.
لم يكن لها مكانٌ لتتدخل، فدورها لم يتعدَّ إحضار المجلات وقصّ الصور منها.
أما الآن، فتشعر أنها تستطيع أن تفهم شيئًا من مشاعر لينديا.
ففي حياةٍ يرافقها الثراء والطمأنينة، لا يوجد فيه القلق الدائم من الطرد في أية لحظة، تتفتح مشاعر جديدة وتغدو أكثر وفرة.
‘متى سيستدعيني؟‘
منذ وصولها إلى مقر الدوق ليانتون، لم ترَ كايلان ولو مرة.
كان يخرج باكرًا في الصباح، وحتى حين يمكث في القصر، لا يطلبها.
كادت تظن أنه نسي أصلًا وجودها هنا.
لم يُسند إليها عملًا، ولم يخبرها ماذا تدرس لتصبح “شريرة” كما يقتضي الدور.
وهكذا كانت تمضي أيامها بلا مهمة تُذكر.
‘يا لكِ من متطفلة غبية تعيشين على غيرك!’
رنّ صوت لينديا في أذنيها فجأة، فانتفضت جالسة.
“آه…”
أكانت متراخية أكثر مما ينبغي؟ حتى لو كان منصبها مجرد لقبٍ شكلي، فربما أغرتها مظاهر الرفاهية التي يمنحها لها موقع “العشيقة“، فأفقدتها يقظتها.
أدركت ذلك متأخرة.
فمهما كان الرابط بينهما عقدًا، لا أحد يضمن متى قد يتغير قلب الدوق…
قبضت بقوة على الغطاء الناعم ذي الملمس الهشّ، وشعرت بخجلٍ مفاجئ كأن الدوق يسخر منها وهي تبتسم بلهاء.
‘ماذا أفعل؟‘
ذلك الإحساس الغريب بالاستقرار الذي جلبه تغيّر البيئة جعلها تنسى الواقع.
اعترفت بذلك في نفسها.
القلق والتوتر اللذان لازماها من قبل اختفيا، وحلّ محلهما مزاجٌ متقلب يفيض بالحماسة.
‘إنه شخص يفوقني شأنًا.’
وبّخت نفسها.
تذكّرت كيف كانت منذ وقتٍ قصير ترتجف فرحًا لمجرد التعلق باسم “الأمل“، فانخفض مزاجها سريعًا.
هي تعرف جيدًا ما تجرّه الأطماع من عواقب، ولذلك شددت على نفسها حتى لا تسلك الطريق ذاته من جديد.
لكن… إلى متى ستبقى هكذا؟ صحيح أن الخدم يعاملونها باحترام، غير أن في تصرفاتهم ما يوحي وكأنها ضيفة عابرة سترحل في أي وقت.
لا يمكن القول إنهم يخطئون، ومع ذلك كان في الأمر ما يزعجها.
هزّت رأسها بقوة ثم نهضت على عجل من السرير.
‘لا مدة محددة.’
عقدها معه ينتهي في اللحظة التي تُنجز فيها مهمتها.
قد يكون هذا العام، وقد يمتد إلى أعوام.
لذلك، بدل الانشغال بطريقة معاملة الخدم لها، من الأفضل أن تبحث عن عمل تقوم به.
صحيح أن تعلّم آداب النبلاء مهم، لكنها يجب أن تُظهر أن فائدتها لا تقتصر على ذلك.
‘هكذا فقط لن أُنبذ من هنا أيضًا.’
ذلك القلب الذي كان قد لان واستدار عاد في لحظةٍ إلى صرامته.
تمتمت لنفسها كما لو كانت تتلو تعويذة:
“لا تنسي.”
مكانكِ الحقيقي، ومن تكونين.
وفجأة، بدا لها هذا الغرفة التي ألفتها مؤخرًا خانقة على نحوٍ لا يُحتمل.
كتمت قلقها وبدّلت ثيابها سريعًا إلى ملابس بسيطة.
وما إن أدارت مقبض الباب لتنزل مباشرة إلى قاعة الخدم، حتى صادفت آنّا التي كانت تدخل لتلقي تحية الصباح.
نظرت إليها آنّا، وقد بدت ليلى واقفةً بارتباك، وسألت بنبرة عادية:
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟“
ألقت الوصيفة نظرة مستغربة على ليلى التي بدت كأنها ضُبطت متلبسة بشيءٍ ما.
“آ… آه، لا شيء… فقط…”
كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة خرجت متعثرة.
رغم أنها لم ترتكب خطأ، أخذ قلبها يخفق بقوة.
أكان ذلك لأنها قارنت نفسها بالوصيفة الواقفة باستقامة وأناقة؟
أشاحت ليلى بنظرها قليلًا، ثم عادت إلى داخل الغرفة.
راقبت آنّا بطرف عينها وهي تختار لها فستانًا مناسبًا، وتبحث عن الحذاء والزينة الملائمين، ثم توجهت إلى طاولة الزينة.
كان هذا الروتين الصباحي قد صار مألوفًا، لكنه لم يعد يبعث في نفسها المتعة ذاتها بعد الأفكار التي خطرت لها قبل قليل.
نظرت إلى نفسها المنعكسة في المرآة التي كتفاها متراخيان ثم أطرقت رأسها بصمت.
“يا لي من بائسة.”
على الرغم من أنها عقدت العزم على أن تفعل شيئًا، فإن عادتها في الاستسلام السريع ما زالت كما هي.
جلست ليلى على السرير تضم جسدها إلى نفسها، ثم أدارت رأسها نحو النافذة التي صبغها ضوء الغروب.
مرّ يومٌ آخر على هذا النحو من دون أن تفعل شيئًا، تكتفي بتناول ما يُقدَّم لها من طعام وتتنفس فحسب.
“حقًا… هل يصح أن أبقى هكذا؟“
شعرت وكأن سابرينا ولينديا قد تظهران في أية لحظة لتوبخاها.
ظلت تتردد وتراقب الأجواء، ثم في النهاية سألت آنّا على استحياء خلال النهار إن كان هناك ما تستطيع فعله، أو مكان يحتاج إلى مساعدة.
لكن آنّا ابتسمت ومنعتها بلطف.
‘لا تحمّلي نفسك عبئًا. يكفي أنكِ تمضين أيامكِ هكذا.’
‘آه… حسنًا…’
‘هل هناك ما يزعجكِ؟‘
‘ماذا؟ لا… ليس الأمر كذلك.’
كانت آنّا واحدة من قلائل الخدم الذين يعرفون حقيقتها. ولا يمكن إنكار أنها كانت تعتني بها بعناية. ومع ذلك، لم يتلاشَ القلق الذي يعتمر قلبها.
فاليوم أيضًا لم يصلها أي تواصل من الدوق ليانتون، ولم تكن تملك الجرأة على الذهاب إليه بنفسها، بل إن مجرد مواجهة وجهه كان أمرًا بالغ الصعوبة لها.
“هاه… كما توقعت.”
لا، الأمر ليس على ما يرام.
حتى إنها بدأت تظن أن أيامها السابقة حين كانت تساعد في أعمال المنزل وهي تقتات على نظرات الآخرين، كانت أهون من هذا الانغماس في التفكير طوال اليوم.
أطلقت ليلى زفرة طويلة أخرى وأسندت وجهها إلى ركبتيها وبقيت على تلك الحال ساكنةً كأنها غفت في مكانها.
ومضى وقتٌ طويل.
ثم وكأنها ترفع رأسها ببطء من سباتٍ ثقيل، لمعت في عينيها بارقةٌ خافتة توحي بأن قرارًا ما قد تبلور في داخلها.
“لو كانت هناك طريقة أخرى…”
طريقة تحفظ بها كرامتها كآنسة نبيلة وتجد في الوقت ذاته ما تستطيع القيام به.
قد يبدو الأمر تطفّلًا بعض الشيء، لكن لعلها بهذه الطريقة تستطيع أن تجد لنفسها دورًا وأن تعيش بثقة.
‘لن أباشر العمل بنفسي بشكل مباشر.’
ومنذ اليوم التالي، أخذت تتنقل هنا وهناك في أرجاء القصر.
ارتدت ما زيّنته به آنّا، وسارت على أرضية الرخام بخطوات حذائها الرنانة.
لم تعتد بعدُ على الحذاء الذي يترك جروحًا صغيرة في قدميها، وكانت تأمل أن تتأقلم معه سريعًا وهي تتجول بين الوصيفات المنشغلات بأعمال الصباح.
بدت أشبه بصيّادٍ تسلل إلى ساحة صيد.
فبينما كانت تتمنى أن تُمنح فرصةً لتقديم مساعدة ولو ضئيلة، كانت وجوه الوصيفات التي تراقبها تشحب شيئًا فشيئًا.
كان من الطبيعي أن يقلقن.
فالمرأة التي كنّ يظننها مجرد ضيفةٍ عند الدوق قد تبدأ في انتقادهن والتدخل في شؤونهن.
لكن مع مرور الوقت، وحين لم تظهر أي بادرة من هذا القبيل، بدأت ملامح الارتياح تتسلل إلى وجوههن.
أخذن يتهامسن فيما بينهن وهن يراقبن ليلى في صمت.
ومن بين تلك النظرات، كانت هناك عيون أصحاب المناصب الأعلى أيضًا؛ مثل السيدة بيتس المسؤولة عن إدارة شؤون القصر وإيساك فيدرا مساعد دوق ليانتون في أعماله.
كانت نظراتهما، على خلاف بقية الخدم حادةً واضحة.
لم يخفيا امتعاضهما، لكنهما اكتفيا بالوقوف على مسافة يراقبان ما تفعله.
كلما التقت أعينها بأعينهما، كانت تشعر بانقباضٍ غير مبرر.
فمظاهر النفور كانت جلية، ولا سبيل إلى تجاهلها.
أيعود الأمر إلى نسبها؟ إلى كونها من عائلة منسيّة لا شأن لها؟ أم أنهما يعلمان أنها عاشت يومًا تعامل معاملةٍ أدنى من وصيفة؟
أيا يكن السبب، فهما يعلمان بعقدها مع الدوق، ولذلك بدا لها الأمر غريبًا.
بخطواتٍ أثقلها التردد، واصلت ليلى مسيرها.
غير أن أيامًا عدة مضت، ولم تجد ما تقوم به.
كان خدم قصر الدوق بخلاف خدم بيت البارون في غالبيتهم أصحاب خبرة ومهارة.
بدوا عازمين على ألا يتركوا لها ثغرةً تنفذ منها ولو على سبيل المجاملة.
وفي أحد الأيام بينما كانت تنزل الدرج كعادتها تتفحص المكان بنظرها، سمعت فجأة صوت امرأةٍ مسنّة قرب النافذة المجاورة للباب الأمامي.
أسرعت ليلى تختبئ خلف الجدار.
لم ترغب في أن تشهد موقف توبيخ، لكن رؤية وصيفةٍ صغيرة تضم كتفيها تحت وقع صوتٍ حاد جعل قلبها ينقبض.
ربما لأنها استحضرت نفسها يومًا وهي تتلقى التوبيخ من سابرينا.
‘أليست تبكي…؟‘
كادت تمد رأسها لتتأكد لكنها تماسكت وألصقت ظهرها بالجدار ولم تتحرك إلا بعد أن اختفى صوت المرأة الغاضب.
وعلى خلاف ما توقعت، لم تكن الوصيفة الصغيرة تبكي.
لكنها كانت على وشك ذلك، ملامحها متجهمة كأن الدموع ستنفجر في أية لحظة.
تقدمت ليلى ووقفت أمامها، ثم مدت إليها منديلها بهدوء.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"