ورغم أن بضعة أيام قد مضت منذ وصولها إلى هنا، فإن ملمس الفراش الوثير الذي يلفّ جسدها ورائحة القطن الخفيفة العالقة في الأجواء، ما زالا يبدوان لها غريبين.
تتبّعت ليلى بعينيها ذرات الضوء الصغيرة المتلألئة بين خيوط النور الشفافة، ثم سرعان ما غطّت وجهها بكفّيها بخجل.
‘لا أصدق.’
أن أكون عشيقة الدوق ليانتون…
لم يخطر ببالها قط أن أول قرار تتخذه بنفسها سيضعها في مكانةٍ كهذه، مكانةٍ عظيمة إلى هذا الحد.
فالمعرفة بهيبة عائلة الدوق ليانتون شيء، أما أن تراه وتسمعه وتختبره بنفسها فشيءٌ آخر تمامًا كالفرق بين السماء والأرض.
وكلما تذكرت ما حدث في ذلك اليوم، عاد قلبها يخفق بعنف.
‘يكفي أن تمنحيني كل ما تملكين.’
ذلك الصوت الذي نطق بهذه الكلمات وهو يحدّق فيها مباشرة.
صحيح أن المعنى آنذاك لم يكن كما تشعر به الآن، لكن أفكارها العابثة أضفت على ذكريات ذلك اليوم مسحةً مختلفة، كأنها وضعت عليها مرشّحًا يبدّل ألوانها.
راحت تلوّح بيديها أمام وجهها الذي أخذ يحمرّ شيئًا فشيئًا.
ليس الأمر كذلك… أنت تعلمين جيدًا أنه ليس كذلك.
كررت ذلك في سرّها مرارًا بلا جدوى.
ذلك الخفقان الذي لم تختبره من قبل ظل يطرق صدرها بإلحاح.
‘أظنني بدأت أفهم.’
تذكّرت لينديا وهي تقلب مجلةً تضم صورًا لوجوه شخصيات المجتمع البارزة، وتثير ضجةً وحماسًا لمجرد النظر إليها.
رغم أنها لم تكن سوى رسومٍ مطبوعة، كانت تقول: هذا عريض الكتفين كالمحيط، وذاك طويل القامة، وله لحية جذابة… وتظل تتحدث بلا توقف.
في كل مرة، كانت ليلى تكتفي بالاستماع بلا اكتراث.
لم يكن لها مكانٌ لتتدخل، فدورها لم يتعدَّ إحضار المجلات وقصّ الصور منها.
أما الآن، فتشعر أنها تستطيع أن تفهم شيئًا من مشاعر لينديا.
ففي حياةٍ يرافقها الثراء والطمأنينة، لا يوجد فيه القلق الدائم من الطرد في أية لحظة، تتفتح مشاعر جديدة وتغدو أكثر وفرة.
‘متى سيستدعيني؟‘
منذ وصولها إلى مقر الدوق ليانتون، لم ترَ كايلان ولو مرة.
كان يخرج باكرًا في الصباح، وحتى حين يمكث في القصر، لا يطلبها.
كادت تظن أنه نسي أصلًا وجودها هنا.
لم يُسند إليها عملًا، ولم يخبرها ماذا تدرس لتصبح “شريرة” كما يقتضي الدور.
وهكذا كانت تمضي أيامها بلا مهمة تُذكر.
‘يا لكِ من متطفلة غبية تعيشين على غيرك!’
رنّ صوت لينديا في أذنيها فجأة، فانتفضت جالسة.
“آه…”
أكانت متراخية أكثر مما ينبغي؟ حتى لو كان منصبها مجرد لقبٍ شكلي، فربما أغرتها مظاهر الرفاهية التي يمنحها لها موقع “العشيقة“، فأفقدتها يقظتها.
أدركت ذلك متأخرة.
فمهما كان الرابط بينهما عقدًا، لا أحد يضمن متى قد يتغير قلب الدوق…
قبضت بقوة على الغطاء الناعم ذي الملمس الهشّ، وشعرت بخجلٍ مفاجئ كأن الدوق يسخر منها وهي تبتسم بلهاء.
‘ماذا أفعل؟‘
ذلك الإحساس الغريب بالاستقرار الذي جلبه تغيّر البيئة جعلها تنسى الواقع.
اعترفت بذلك في نفسها.
القلق والتوتر اللذان لازماها من قبل اختفيا، وحلّ محلهما مزاجٌ متقلب يفيض بالحماسة.
‘إنه شخص يفوقني شأنًا.’
وبّخت نفسها.
تذكّرت كيف كانت منذ وقتٍ قصير ترتجف فرحًا لمجرد التعلق باسم “الأمل“، فانخفض مزاجها سريعًا.
هي تعرف جيدًا ما تجرّه الأطماع من عواقب، ولذلك شددت على نفسها حتى لا تسلك الطريق ذاته من جديد.
لكن… إلى متى ستبقى هكذا؟ صحيح أن الخدم يعاملونها باحترام، غير أن في تصرفاتهم ما يوحي وكأنها ضيفة عابرة سترحل في أي وقت.
لا يمكن القول إنهم يخطئون، ومع ذلك كان في الأمر ما يزعجها.
هزّت رأسها بقوة ثم نهضت على عجل من السرير.
‘لا مدة محددة.’
عقدها معه ينتهي في اللحظة التي تُنجز فيها مهمتها.
قد يكون هذا العام، وقد يمتد إلى أعوام.
لذلك، بدل الانشغال بطريقة معاملة الخدم لها، من الأفضل أن تبحث عن عمل تقوم به.
صحيح أن تعلّم آداب النبلاء مهم، لكنها يجب أن تُظهر أن فائدتها لا تقتصر على ذلك.
‘هكذا فقط لن أُنبذ من هنا أيضًا.’
ذلك القلب الذي كان قد لان واستدار عاد في لحظةٍ إلى صرامته.
تمتمت لنفسها كما لو كانت تتلو تعويذة:
“لا تنسي.”
مكانكِ الحقيقي، ومن تكونين.
وفجأة، بدا لها هذا الغرفة التي ألفتها مؤخرًا خانقة على نحوٍ لا يُحتمل.
كتمت قلقها وبدّلت ثيابها سريعًا إلى ملابس بسيطة.
وما إن أدارت مقبض الباب لتنزل مباشرة إلى قاعة الخدم، حتى صادفت آنّا التي كانت تدخل لتلقي تحية الصباح.
نظرت إليها آنّا، وقد بدت ليلى واقفةً بارتباك، وسألت بنبرة عادية:
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟“
ألقت الوصيفة نظرة مستغربة على ليلى التي بدت كأنها ضُبطت متلبسة بشيءٍ ما.
“آ… آه،لاشيء… فقط…”
كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة خرجت متعثرة.
رغم أنها لم ترتكب خطأ، أخذ قلبها يخفق بقوة.
أكان ذلك لأنها قارنت نفسها بالوصيفة الواقفة باستقامة وأناقة؟
أشاحت ليلى بنظرها قليلًا، ثم عادت إلى داخل الغرفة.
راقبت آنّا بطرف عينها وهي تختار لها فستانًا مناسبًا، وتبحث عن الحذاء والزينة الملائمين، ثم توجهت إلى طاولة الزينة.
كان هذا الروتين الصباحي قد صار مألوفًا، لكنه لم يعد يبعث في نفسها المتعة ذاتها بعد الأفكار التي خطرت لها قبل قليل.
نظرت إلى نفسها المنعكسة في المرآة التي كتفاها متراخيان ثم أطرقت رأسها بصمت.
“يا لي من بائسة.”
على الرغم من أنها عقدت العزم على أن تفعل شيئًا، فإن عادتها في الاستسلام السريع ما زالت كما هي.
جلست ليلى على السرير تضم جسدها إلى نفسها، ثم أدارت رأسها نحو النافذة التي صبغها ضوء الغروب.
مرّ يومٌ آخر على هذا النحو من دون أن تفعل شيئًا، تكتفي بتناول ما يُقدَّم لها من طعام وتتنفس فحسب.
“حقًا… هل يصح أن أبقى هكذا؟“
شعرت وكأن سابرينا ولينديا قد تظهران في أية لحظة لتوبخاها.
ظلت تتردد وتراقب الأجواء، ثم في النهاية سألت آنّا على استحياء خلال النهار إن كان هناك ما تستطيع فعله، أو مكان يحتاج إلى مساعدة.
التعليقات لهذا الفصل " 10"