1
𓆟 المُقدمة 𓆝
غرفة نُزلٍ متداعية.
سرير رخيص مهترئ وطاولة خشبية متسخة.
مصباح زيت قديم يتراقص ضوؤه المرتجف، وسكون غريب يخيّم على المكان.
حيّز غريب، ورائحة غريبة.
وأمامها…
رجل لا تعرفه قط.
كانت مطرقة الرأس، لا تقوى حتى على لمس كأس الماء الذي أحضره طالبًا منها أن تهدأ.
وبينما ظلّ الصمت الثقيل جاثمًا بينهما، كان هو أول من قطعه قائلاً:
“هل أنتِ مستعدة؟“
“عفوًا؟“
“أودّ أن نتحدث الآن. هل يناسبك ذلك؟“
“آه… نعم.”
كان يبدو قبل لحظات متجهمًا مضطرب المزاج، لكنه الآن ارتسمت على شفتيه ابتسامة ناعمة.
“بدوتِ مذعورة، لكن هذا يبعث على الاطمئنان.”
حين انفرجت عيناه الحادتان بانحناءة لطيفة، تبدّل انطباعه في لحظة.
تلك العينان الذهبيتان اللتان ظنّتهما باردتين قاسيتين، استعادتا دفئهما الطبيعي وأخذتا تتلألآن بسحرٍ أخّاذ.
أما هيئته التي كانت توحي بخطر يشبه عتمة الليل، فقد غدت مهيبة رصينة كأنها تذيب في ملامحها وقارًا نبيلًا.
غير أن مظهره أيًّا كان، لم يكن يعني شيئًا لامرأة تحبس أنفاسها قلقًا تنتظر حكمًا قد يُقضى عليها به.
“ما الذي دفعكِ إلى الهرب من بيت البارون؟“
كما توقعت، انحدر الحديث إلى هذا السؤال.
ارتجفت أهداب ليلى بخفة.
“ذلك…”
انخفض بصرها أكثر وعضّت شفتها في صمت.
كان عقلها يدرك أنها مطالبة بالإجابة، لكن قلبها ظلّ يتهرّب منها بإصرار.
‘لا أريد أن أعود.’
ماذا لو أخبرته بالحقيقة؟ ألن يعيدها إلى هناك من جديد؟
لقد هربت فقط لتنجو بحياتها…
ارتفعت عيناها الخضراوان الشاحبتان نحوه في تردد.
‘هل… سيتفهمني؟‘
تحرّكت شفتاها وكأنهما ستنطقان، ثم انطبقتا أخيرًا دون صوت.
ظلّ يراقبها مليًا قبل أن يسأل:
“هل لديكِ مكانٌ تذهبين إليه؟“
“…لا.”
“إذًا فلنعقد صفقة.”
“صفقة…؟“
تسارعت دقات قلبها بعنف.
هل سيطلب منها جسدها كما فعل غيره؟ فهي امرأة لا تملك شيئًا يُطلب منها سواه.
وبينما أخذ خيطٌ غامض من الخيبة يتسلل إلى صدرها، ارتسم على شفتيه انحناء أنيق.
“ألا ترغبين في بدء حياةٍ جديدة؟“
رفعت ليلى رأسها.
ومن فم الرجل المستند في جلسته بطمأنينة، انساب إغراء عذب:
“سأمنحكِ تلك الفرصة.”
قالها كما لو كان يهمس بتعويذة حلوة لا تُقاوَم.
“ما رأيكِ؟ أن تصبحي شريرةً من أجلي.”
𓆟 الفصل 1 𓆝
في بيت البارون نوريس مشكلة تؤرق الجميع.
فتاة في الحادية والعشرين من عمرها في أوج شبابها، ومع ذلك لم تطأ قدمها يومًا سوق الزواج ولا حتى قاعات المناسبات الاجتماعية.
وكانت هي سبب تلك المعضلة.
اسمها ليلى نوريس.
الكبرى بين ثلاثة إخوة ولم تعرف من التعليم نصيبًا، بل اعتادت منذ صغرها على الأعمال الشاقة وأعباء البيت حتى غدت جزءًا من يومها المعتاد.
وكما هي حال كثيراتٍ في مثل وضعها، بدأت مأساتها من كراهية زوجة أبٍ.
لأنها ابنة الزوجة الأولى، ولأن ملامحها تذكّرها بامرأة لا تطيق رؤيتها.
وحين تكون سيدة البيت على هذا النحو، فليس غريبًا أن يحتذي بها أفراد العائلة، بل وحتى الخدم في معاملتها بازدراء.
ورغم أن لها اسمًا، فإنها كانت تُنادى في الغالب بـ“عديمة الفائدة” أو “عبء الطعام” أو “أنتِ هناك” و“يا هذه“، حتى صار ذلك أشيع من اسمها ذاته.
أما طريقة معاملتها، فحدّث ولا حرج.
كانت تُعامل وكأنها تستحق التوبيخ والاحتقار، لا تجلس على المائدة مع أسرتها، ولا تُساوى حتى بالماشية التي تُربّى في الدار.
ومن الطبيعي أن تكون حياتها شاقة إلى هذا الحد.
فالتعامل معها كشيء زائد عن الحاجة، والمضايقات القاسية، وسوء المعاملة، وأنواع الإهانة كافة، كانت أمرًا معتادًا. بل كان حرمانها من الطعام بذريعة الغضب أو لأتفه الأسباب يحدث مرارًا بلا تردد.
ومع ذلك، لم تتمرد يومًا.
ربما لأنها ألفت هذه الحياة منذ ولادتها حتى غدت جزءًا منها.
فالعيش تحت سقف والدين قد يتخلصان منك في أي لحظة يعني أن تعيش كل يوم بقلق، وكل لحظة بتوتر، بلا حلم ولا أمل، تكتفي بأن تتنفس وتترك الأيام تمضي كما تشاء.
ولهذا، كانت وجبة اليوم أهم لديها من أي خطة للمستقبل.
كان يكفيها أن تحصل على كسرة خبز يابسة لتبقى على قيد الحياة.
وهكذا، لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن سواه.
على الأقل، حتى اللحظة التي كانت تسحب فيها الماء من البئر.
‘أنا جائعة.’
قرقر بطنها بصوت مسموع.
كانت ليلى تدفع مضخة الماء الصدئة التي تصدر صريرًا متواصلًا، حينها شعرت كأن أحدًا يمزق أحشاءها من الداخل، فسقطت جالسة في مكانها.
يومان كاملان بلا طعام جعلا أطرافها ترتجف ومعدتها تحترق حتى عجزت عن الوقوف.
‘كان عليّ أن أذهب إلى المطبخ هذا الصباح.’
لو فعلت، لما عانت معدتها كل هذا العذاب.
ما إن تذكّرت خطأ الفجر حتى أغمضت عينيها بقوة.
كان مجرد التفكير فيه يجعل قلبها يخفق بعنف.
لم تكن تلك المرة الأولى، فلماذا حدث ما حدث هذه المرة تحديدًا…؟
تنهدت ببطء.
في الأمس، زار بيت البارون نوريس أحد كبار النبلاء بعد طول غياب. وبأمر من زوجة أبيها سابرينا، أُجبرت ليلى على البقاء محبوسة في غرفتها طوال اليوم.
ومنذ أيام، كانت سابرينا تثير ضجة بحجة تغيير أجواء المنزل، حتى إن ليلى لم تجد وقتًا كافيًا لتناول وجباتها، ثم جاء احتجازها ذاك بدافع حقدٍ صريح، فباتت معدتها خاوية حدّ الإنهاك.
ومع ذلك، لم يلتفت إليها أحد.
رائحة الطعام الدسم التي انتشرت منذ الصباح حتى المساء لم تفعل سوى تعذيب معدتها دون أن تنال منه شيئًا.
صارت وجودًا منسيًا، لا تحظى حتى بذرة شفقة من عائلتها أو من الخادمات.
ولما تجاوز الليل منتصفه وأُطلق سراحها، لم تحتمل الجوع أكثر.
تسللت إلى المطبخ كقطة سارقة، وبدأت تفتش في أكياس الحبوب علّها تجد شيئًا تخفيه الخادمات تسد به رمقها لتنجو من ليل طويل.
لكنها لم تفلت.
فقد دخلت إحدى الخادمات في تلك اللحظة نفسها وضبطتها متلبسة.
كانت قد حشرت بالكاد كرة لحم صغيرة في فمها، وحين التقت نظراتها الباردة بنظرة الخادمة، لم تعد تذكر إن كانت قد ابتلعتها أم لا.
وهكذا انتهت مغامرتها الليلية القصيرة قسرًا، وفي الصباح لم تجرؤ حتى على الاقتراب من المطبخ خشية أن تُفتضح.
حين تتذكر الأمر الآن، تتساءل لماذا فعلت ذلك، لكنها آنذاك لم تكن تفكر إلا في خوفها من أن تُساق إلى سابرينا.
ولذلك، كان الجوع أمرًا لا مفر منه.
نهضت ليلى على قدميها بجهد بالغ، تبدو كأنها على وشك الإغماء من شدة الجوع.
فالعمل في القصر يتراكم يومًا بعد يوم، وإن أضاعت وقتها هنا فستنال توبيخًا جديدًا بلا شك.
وتخيّلت صوت سابرينا الحاد:
“سمعتُ أنكِ تكاسلتِ اليوم عند البئر؟ حقًا لا حدّ لوقاحتك. أتعلمين كم من الأعمال تأخرت بسببك؟ على الأقل اجعلي ما نصرفه عليكِ من طعام غير ضائع! آه… عديمة النفع.”
ما إن ارتسمت في ذهنها عيناها القاسيتان وشفتيها الملتويتان حتى أسرعت بذراعيها الهزيلتين تضغطان على المضخة بوتيرة أعلى حتى تندى جبينها بالعرق.
كانت شمس الربيع حارقة على نحو لا تخففه نسمات الهواء.
مسحت عرقها بطرف كمّها الفضفاض، ثم تابعت الضخ وكأنها لا تملك لحظة تهدرها.
صرير المعدن الصدئ كان حادًا يمزق السمع لكنها لم تتوقف.
نظرت إلى الدلو الذي لم يمتلئ سوى إلى النصف، وعضّت شفتها السفلى.
بدا البئر المهجور شبيهًا بحالها.
عندها فُتح الباب الخلفي للقصر وسمعت همسات تقترب.
“أسمعتِ أنه دخل مجددًا الليلة الماضية؟ ماذا قال العم يانسن؟ هل سيقبضون على الفاعل هذه المرة؟“
“ليس قطًا سارقًا، بل فأرًا على ما يبدو. أكياس الحبوب مثقوبة في كل مكان.”
“حقًا؟“
“نعم. ربما دخل أثناء نقلها من المخزن. على أي حال، وضعوا سمًّا للفئران.”
“مقرف! كنت أفكر في ترك العمل بسبب تأخر الأجور. ربما أبحث عن وظيفة أخرى مثل هانا.”
“وهل سيعطونكِ رسالة توصية؟ اصبري قليلًا. رئيسة الخادمات قالت إن مبلغًا كبيرًا سيصل قريبًا… يا آنسة، ألم تنتهي بعد؟“
توقفت الخادمة عن حديثها وحثّتها بلهجة متعجلة.
دفعت ليلى المضخة للمرة الأخيرة ثم رفعت الدلو.
“انتهيت.”
“إذًا تفضلي وأفسحي الطريق. لدينا الكثير من العمل.”
تجنبت نظراتها المتعالية، وسارت مسرعة.
كانت تودّ معرفة بقية الحديث، لكنها لم تجد عذرًا للبقاء.
سارت بخطوات متتابعة، والماء في الدلو يتماوج كأنه سيفيض، لكنها لم تتوقف.
خُيّل إليها أن الخادمة التي كانت تتحدث ستلحق بها وتتهمها “أنتِ الفأر، أليس كذلك؟“
ازدادت اضطرابًا، فأسرعت إلى فتح الباب الخلفي والدخول.
“آنسة.”
كانت توشك على دخول غرفة الغسيل حين ظهرت أمامها رئيسة الخادمات دورا واتن، واقتربت بخطوات سريعة.
“أين كنتِ حتى الآن—”
لكن عيناها انخفضتا إلى الدلو في يد ليلى، فأدركت ما كانت تفعله. ومع ذلك لم يختفِ العبوس عن جبينها.
بدا واضحًا أنها غير راضية عن الوقت الذي أضاعته في البحث عن فتاة لا تساوي شيئًا في نظرها.
نقرت بلسانها باستياء ثم قالت ببرود:
“السيدة تطلبكِ.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 1"