3
……كيف كان الدوق؟
‘كان أسوأ ما يمكن أن يكون… بل أسوأ من الأسوأ.’
كادت هذه الكلمات أن تفيض من حلقي، تصعد حتى حافة الصوت، غير أنّني ابتلعتها على عجل حين التقت عيناي بنظرة مُفضَّلي المتلألئة كنجومٍ صافية في سماءٍ بلا غيوم.
أخذت أرمش مرارًا، محاوِلةً جاهدًة ألّا ينكشف ما في داخلي من مرارةٍ على ملامحي.
ابتسمي. ابتسمي. إنه ينتظر ذلك.
“……وسيم، أليس كذلك.”
لم أستطع انتزاع أي عبارةٍ إيجابيةٍ أخرى من صدري.
“صحيح! وسيم جدًّا!”
“نـ… نعم.”
لأنه يشبهك، يا صغيري.
“ألا يخفق القلب حين تنظرين إليه طويلًا؟”
“ربما…… نعم؟”
إن لم يخفق، سيموت.
بل لعلّه كان يخفق أسرع، لا من الإعجاب، بل من الغيظ المتراكم.
“إذًا… هل تحبين عمّي؟”
“……”
شعرتُ بوجهي يفسد في لحظة، كأنّ ابتسامتي تحجّرت ثم تشقّقت.
كانت عضلات وجهي، التي أُجبرت على التبسّم أمامه، ترتجف ارتجافًا خفيفًا.
“هيلين… تعبيركِ ليس جميلًا.”
“هاها…”
تفاديتُ نظره، وضحكت ضحكةً باهتة لا روح فيها.
كنت أودّ أن أقول له ما يحبّ سماعه، لكنّ مجرّد استحضار صورة الدوق كان يخنق كلمة أحبّه قبل أن تولد.
“همم…… هذا لا ينبغي.”
“هاه؟ لماذا لا ينبغي؟”
فتحتُ عينيّ على اتّساعهما أمام تمتمته المفاجئة.
“لأن…… كونكما على خلافٍ أمرٌ محزن جدًّا. أنا أتمنى أن تكون علاقة عمّي مع هيلين جيّدة. حقًّا أتمنى ذلك… هيك.”
أرخى أذنيه بحزن، وأخذ يحرّك أصابعه الصغيرة بتردّد. حتى طرفا عينيه هبطا بانكسار، كجروٍ مبتلّ تحت المطر. شعرتُ بانقباضٍ حادّ في صدري.
“سأحاول… أن أُحبّه.”
“حقًّا؟”
“نعم. أستطيع أن أعدك.”
رغم أنّني أعلم، في أعماقي، أنّ هذا الوعد لن يتحقّق.
أخفيتُ الحقيقة بابتسامةٍ عريضة، ومددتُ خنصري.
أضاء وجه مُفضَّلي على الفور، انتصبت أذناه، وعلّق خنصره بخنصري.
“هيلين! أنتِ الأفضل حقًّا! هيهي.”
“لا شيء يستحق… هيهي.”
تبادلنا ابتسامةً صافية، نتطلّع إلى بعضنا وكأنّ العالم قد اختُصر بيننا.
حينها شدّ طرف ثوبي بخفّة، وقد علا الخجل ملامحه.
“هيلين… هل أستطيع أن أقبّلكِ؟”
تجمّدتُ في مكاني، عيناي متّسعتان، ورئتاي فارغتان من الهواء.
عندها فقط أدركت أنّني كنتُ أحبس أنفاسي من شدّة الصدمة.
عاد الأكسجين إلى رأسي، ومعه عاد صدى كلماته يتردّد بوضوحٍ قاتل.
“فاي… هل قلتَ إنك تريد أن تقبّلني؟”
ارتعش آخر صوتي ارتعاشةً بائسة.
“نعم! أنتِ قلتِ إننا نقبّل هنا عندما نكون ممتنّين!”
وأشار بإصبعه إلى خدّه الطريّ، وضغطه بخفّة.
‘……لقد قلتُ ذلك بدافعٍ أنانيّ، وكذبت.’
وخزني ضميري وخزًا حادًّا، فدرت بعينيّ في فراغ الغرفة.
“إذًا…”
شدّ طرف ثوبي مجدّدًا.
“أنا أيضًا أريد أن أقبّل هيلين!”
“طبعًا، لا مانع. قبلة الامتنان يحقّ للجميع أن يمنحوها.”
وداعًا، أيها الضمير.
“هيهي.”
ابتسم مُفضَّلي كبرعمِ زهرة، ولوّح بيده يدعوني للاقترب.
جلستُ قرفصاء، وفجأةً استوعبتُ أنّه سيقبّل خدّي فعلًا، فتعطّل قلبي عن العمل.
هاه… جنون.
“أظنّ أنّني قد أنهار إن قبّلني فاي.”
من شدّة السعادة.
“هاه! حقًّا ستنهارين؟”
“نعم.”
“إذًا لن أقبّلكِ! فلا تنهاري، حسنًا؟”
ضغط فمه بكفّيه بإصرارٍ طفوليٍّ واضح.
يا إلهي… لطيف.
تسلّل خاطرٌ سيّئ إلى قلبي، فابتسمت بعينين ضاحكتين وهمست:
“لكن… إن لم أتلقَّ قبلة، قد أموت…”
“لا! لا يجوز! م… ماذا أفعل؟!”
اتّسعت عيناه، وقبض كفّيه بقلق، وبدأت الدموع تتجمّع في مقلتيه.
حسنًا… حان وقت إيقاف المزحة.
“في الحقيقة، كنت أمزح. لن أنهار. إذًا قبّلتني يا فاي.”
“نعم!”
تشوك!
“أرأيت؟ لم أنهر.”
“نعم!”
ثم قبّل خدّي الآخر أيضًا.
“لأنكِ دائمًا تقبّلينني على الجانبين.”
“……فاي.”
وضعتُ يدي على صدري المثقل، وتلذّذتُ بذلك الشعور الخانق الحلو.
يا سادة… هذا الطفل الذي يقبّل الخدّين بلا تفرقة هو مُفضَّلي.
“هيهي.”
تراجع فاي بخجل.
غمازتان عميقتان، أسنانٌ صغيرة تظهر بين شفتيه المبتسمتين، وانتفاخٌ لطيف أسفل عينيه حين يبتسم بعينيه.
تأمّلته طويلًا.
‘هو مُفضَّلي… لكنه لا يشبه مُفضَّلي.’
فـ«فاي إيغالروك» في الليلة السرّية كان نقيض هذا الطفل تمامًا.
لا يبتسم، لا يُظهر مشاعره، لا يعرف العفوية.
كان حسابيًّا، قاسيًا، لا يتردّد في ارتكاب أيّ شيءٍ ليحصل على ما يريد.
ومع ذلك… أحببته.
حين علمتُ، عبر فم وليّ العهد، أنّه فقد عائلته كما فقدتُ عائلتي، بدأ اهتمامي به.
‘نحمل الألم ذاته… لكنّ طريقه كان مختلفًا عن طريقي.’
أنا تهشّمت بعد الفقد، تعثّرت، ولم أستطع النهوض.
أما فاي… فلم يبكِ. لم يتوقّف. كان يمضي قدمًا دائمًا.
تلك الصلابة بدت لي قوّةً تُحتذى، فأصبحتُ أترقّب ذكر اسمه وكأنّ أنفاسي تتوقّف.
ومع مرور الوقت… وجدتني قد تسلّلتُ إليه دون وعي.
‘لكن…’
انكمشت أصابع قدمي، وسألت فجأة:
“فاي… هل أنت سعيد؟”
“نعم!”
“وما الذي يجعلك سعيدًا هكذا؟”
“لأن هيلين بجانبي! ولأن هيلين قبّلتني كثيرًا! ولأننا أكلنا معًا! آه! والمربية قالت إنها ستعطيني قطعتين إضافيتين من بسكويت الشوكولاتة! وآه! وكاكاو أيضًا! ثم…”
“ثم؟”
“……رأيتُ عمّي بعد خمس ليالٍ. هيهي.”
ابتسم بخجل، وعيناه الصفراء كنبات الهندباء تفيض سعادة.
“أفهم… هكذا إذًا.”
أيّ وصيٍّ بائس… ومع ذلك، هذا الطفل سعيد.
عندها فقط، وُلِد في داخلي شعورٌ واضح:
أريد أن أحمي هذه السعادة.
‘مُفضَّلي الذي عرفته كان رائعًا… لكنه لم يكن سعيدًا.’
وحين أدركتُ أنّه كان يبتسم هكذا في طفولته، تمنّيتُ أن يبقى «فاي إيغالروك» الذي عرفته حبيس الورق.
‘سأحتفظ بتلك النسخة الوقحة الرائعة وحدي.’
بل… لعلّ ذلك أفضل.
حماية سعادة مُفضَّلي، فاي.
كان ذلك أوّل هدفٍ لي… في هذا العالم الغريب.
✦ ✦ ✦
ما إن أُغلِق الباب بعنفٍ مدوٍّ، حتى رفع لوكاس رأسه ببطءٍ ثقيل، وحدّق في الموضع الذي كانت تقف فيه هيلين قبل لحظات، كأنّ الفراغ الذي خلّفته لم يكن فراغًا حقًّا، بل أثرًا باقٍ لا يُرى، ظلًّا عالقًا في الهواء، يأبى أن يتبدّد.
<لا أفهم ما الخطأ الذي ارتكبه فاي ليُكلَّم بتلك القسوة.>
لم يفهم لوكاس سبب قولها لتلك الكلمات، ولم يستطع — أكثر من ذلك — أن يشعر بثقلها أو يصل معناها إلى قلبه؛ فالأمر، في نظره، كان بديهيًّا لا يحتمل التأويل: حين يلتصق طفلٌ بشخصٍ غريب، فإن إبعاده عنه إجراءٌ طبيعيّ، بل واجب لا نقاش فيه، ولو أُتيح له أن يعود بالزمن ويختار من جديد، لفعل الشيء ذاته دون تردّد، ودون أن يرفّ له جفن.
ومع ذلك…
ظلّت عيناه معلّقتين في المكان الذي وقفت فيه هيلين، وكأنّ بصره قد خان أوامره، وكأنّ جسده أطاع العقل، لكن عينيه تمرّدتا.
حتى إنّ الحبر كان ينتشر على الورق تحت قلمه، وهو لا يشعر، ولا ينتبه، ولا يلاحظ.
‘أتراني قد أخطأت الرؤية البارحة بسبب الإرهاق؟’
في تلك الليلة، بعد عودته المتأخّرة، حين عصاه النوم، حمل جسده المُتعب وخرج إلى الحديقة، يجرّ خطواته جرًّا، لا بحثًا عن جمالٍ ولا تأمّلًا، بل فقط هربًا من السكون الخانق.
كانت السماء صافية إلى حدٍّ جارح، بلا غيمةٍ واحدة، مرصّعة بالنجوم كما لو أنّ أحدهم قد نثرها عمدًا بإفراط، وتحت القمر كانت دروب المجرّة تلتفّ حول السماء، بعض النجوم يلمع بهدوءٍ صغيرٍ متواضع، وأخرى تتّشح بضوءٍ عنيفٍ، كأنّها تحترق لتُرى.
لكنّ كلّ ذلك… لم يحظَ بنظرةٍ حقيقيّة من لوكاس.
فهو لم يكن يومًا ممّن تهزّهم المشاهد التي يسقط لها الآخرون صرعى الإعجاب، ولم يعرف في حياته أن يضطرب وجدانه أمام الجمال أو العظمة، لأنّ حياته، منذ بدايتها، لم تكن سوى سلسلةٍ متصلة من محاولات البقاء.
وحين لم يعد مضطرًّا اليوم لأن يقلق من فقدان حياته في أي لحظة، راح يمشي بلا هدف، إلى أن تذكّر فجأةً ما سمعه سابقًا.
<إن المرأة التي جلبها فاي تقيم في تلك الغرفة…>
وهكذا… رآها.
امرأة تقف عند النافذة، شعرها الذهبيّ كخيوطٍ من نورٍ حيّ، يتماوج مع نسيم الليل فيتألّق مع كلّ حركة، وملامحها الدقيقة تتشرّب ضوء القمر، فتبدو وكأنّها شيءٌ ليس من هذا العالم، شيءٌ أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.
في تلك اللحظة، كان الإحساس أشبه بصاعقةٍ ضربته وهو عارٍ؛
وقف شعر جسده كلّه، وتفجّرت داخله أحاسيس غريبة لم يعرفها من قبل، تداخلت وتصارعت كنبضٍ هائجٍ غير منتظم، إلى أن بلغ به الأمر حدّ الشلل التام.
ولمّا تلاقت أعينهما… لم يحتمل.
انسحب من المكان كما لو أنّه يفرّ، ينسلّ، يهرب من شيءٍ أخطر من السيوف.
ولو رآه أحد ممّن يعرفون لوكاس حقّ المعرفة، لتوسّعت عيناه ذهولًا من تلك الخطوات المرتبكة، غير المعهودة، التي لا تشبهه على الإطلاق.
‘لا بدّ أنّها آثار الإرهاق من السفر الطويل.’
هكذا قرّر، وبذلك التفسير السريع أغلق باب التفكير، قبل أن يسمح لذلك الحدث الغريب — الأوّل من نوعه في حياته — أن يربك منطقه أكثر.
لكن…
رفع لوكاس يده ومسح وجهه ببطءٍ شديد، وكأنّه يتأكّد من واقعيّته.
كانت حرارة واضحة تستقرّ في راحة كفّه.
وأذناه، اللتان لم تسترهما يده، كانتا محمرّتَين بلونٍ يشبه احمرار عيني هيلين تمامًا.
لم ينقصه النوم.
وحالته الجسديّة… كانت مقبولة.
إذًا، هذا الشعور لا ينبغي أن يكون موجودًا.
‘ما الذي يحدث لي بحقّ؟’
لماذا حالته اليوم هي ذاتها بالأمس؟ ولماذا، في كلّ مرّةٍ يفكّر فيها بتلك المرأة، أو يتخيّل وجودها، يشعر وكأنّ قلبه على وشك أن ينفجر؟
ظلّ لوكاس يحدّق طويلًا في المكان الذي كانت فيه، كأنّ مصدر ذلك الخفقان غير المنتظم، ذلك النبض المكسور الإيقاع، يقف هناك، ينتظره…
كأنّ قلبه نفسه يشير إلى ذلك الموضع، ويتّهمه دون صوت.
التعليقات لهذا الفصل " 3"