1
يا لها من حياةٍ بالغة الظلم، فادحة القسوة، وكأن ميزان العدالة فيها لم يُصنع ليعتدل يومًا، بل وُلد مائلًا منذ اللحظة الأولى، وكأن هذا العالم قرّر منذ الأزل أن يمنح البعض طريقًا مفروشًا بالطمأنينة، بينما يدفع آخرين دفعًا إلى حوافّ الهاوية ليتفرّج عليهم وهم يتشبّثون بالهواء.
ذلك، بلا زيادة ولا نقصان، كان شعوري وأنا أتوقّف عند نهاية الطريق المسدود، ألهث لهاثًا متقطّعًا، أنفاسي متراكمة حتى حافة ذقني، صدري يضيق بها كأنه قفصٌ صغير يحاول حبس إعصار، وكأن العالم بأسره كان يضغط عليّ بكل ثقله، لا لشيء، سوى ليرى إلى أي حدّ يمكن لإنسانٍ مثلي أن يحتمل قبل أن ينهار تمامًا.
‘هناك من يتقمّص جسدًا آخر بكل أريحية!’
اصطفت في ذهني، واحدًا تلو الآخر، أولئك الأبطال الذين تبدأ حكاياتهم في الروايات بجملةٍ بسيطة، مريحة، مطمئنة، تكاد تكون تعويذة مقدّسة تُفتح بها أبواب المصير:
‘حين استيقظت، كان السقف غريبًا’.
ثم يمضون بعدها في فهم أوضاعهم بهدوء، دون استعجال، دون أن تلطّخ الدماء أيديهم، ودون أن يكون الموت راكضًا خلفهم، يلهث عند أعناقهم ككلبٍ مسعور.
أما أنا… فلم تكن قصتي كذلك، لا من قريب ولا من بعيد.
لم أستيقظ على سقفٍ غريب، ولم أُمنح ترف الدهشة الهادئة، بل وجدت نفسي منذ اللحظة الأولى مطاردة من حفنةٍ من الأوغاد، أركض بلا وجهة، والموت يمدّ يده نحوي بلا خجل، وكأن حياته أهمّ من أي تمهيدٍ قصصيّ لائق، أو أي عدالةٍ ولو شكلية.
‘……أين أنا؟’
كنت متاكدة يقينًا لا يتزعزع أنني نمت على سريري، بعد ليلةٍ طويلة قضيتها ألتهم فصول رواية ويب دون رحمة، حتى غلبني النعاس عند الفجر. لكن حين عاد الوعي إليّ، لم يكن تحتي فراشٌ دافئ، بل أرضٌ باردة قاسية، طريقٌ حجريّ ينفذ برده إلى العظام، كأنه يذكّرني بقسوة الواقع منذ اللحظة الأولى.
وبينما أرمش بعينيّ ببطء، محاولًا لملمة شظايا وعيي المبعثر، انقبض وجهي دون إرادةٍ مني حين داهمني ألمٌ نابض في رأسي، كأن أحدهم كان يطرق جمجمتي من الداخل.
‘لماذا رأسي……؟’
رفعت يدي بلا وعي ولمست موضع الألم، فإذا بكفّي يبتلّ بسائلٍ لزجٍ ثقيل.
‘ه— هذا… ما هذا؟’
كانت الصدمة الأولى حين رأيت الدم الأحمر القاني يلطّخ يدي بلا رحمة.
أما الصدمة الثانية، فكانت حين رأيت خصلاتٍ من شعرٍ ذهبيّ اللون، عالقة بذلك الدم، كأنها دليلٌ حيّ على أن شيئًا ما في هذا العالم ليس على ما يرام.
شدَدتُ خصلة الشعر الطويل— الطويل إلى حدٍّ لا يقل عن وصوله إلى الخصر— فانفصلت عن رأسي بصوتٍ خافت، لكنه كان واضحًا وقاسيًا بما يكفي ليجعل إحساسه ينغرس في أعماقي.
‘……لكنني قبل أسبوع فقط قصصت شعري قصيرًا جدًا، وصبغته بالأسود.’
عندها فقط، وكأن صاعقةً ضربت عقلي، استيقظتُ تمامًا.
بدأت ألاحظ التفاصيل التي تجاهلتها؛ بشرتي البيضاء الناصعة التي لا تشبه سمرتي المعتادة التي لوّحتها الشمس، والمباني الغريبة خلف الزقاق الضيّق، بطرازٍ لم تره عيناي من قبل.
‘هل هذا… حلم؟’
لو حكمت على الأمر بالمنطق وحده، لكان الحلم هو التفسير الأكثر قبولًا.
لكن… أيّ حلمٍ هذا الذي أشعر فيه بالألم؟
وأيّ حلمٍ هذا الذي تزحف فيه برودة الأرض عبر ظهري فتُقشعرّ لها أوصالي؟
وأيّ حلمٍ هذا الذي يحمل رائحة الدم النفّاذة بكل هذا الوضوح؟
والأغرب، والأشدّ رعبًا… أنني كنت أفهم لغة لم أسمعها في حياتي.
‘هذا مستحيل.’
أليس التقمّص شيئًا لا يوجد إلا في الروايات؟
“خطف…… مشكلة…….”
“مات…… يجب إخفاء الأمر…….”
تلك الكلمات المبتورة، الغريبة، كانت كالمطارق وهي تهوي على عقلي، تضربه بلا رحمة، بينما كنت عاجزًا عن تقبّل ما يحدث.
‘يبدو أن هذا ليس وقت الوقوف بلا حراك……’
لا أعرف من يكون أولئك الأشخاص الذين يتحدثون على مسافة غير بعيدة، لكن حتى طفلًا في الثالثة من عمره سيدرك أن إعلان كوني حيًّا أمامهم فكرة غبية، وأن التظاهر بالموت فكرة أكثر غباءً.
وهكذا… بدأت أركض.
ركضت بجنون، دون تفكير، دون خطة، دون أي شيء سوى رغبةٍ يائسة في الابتعاد عنهم، بأي ثمن.
لكن كما يقول المثل، إن كان حظك عاثرًا، فحتى لو سقطت على ظهرك ينكسر أنفك— وها أنا ذا أصل إلى طريقٍ مسدود، كأن القدر نفسه يسدّ عليّ المنافذ واحدًا تلو الآخر.
‘أمي… ماذا أفعل الآن؟’
جسدي المصاب لم يحتمل الركض، رأسي يطنّ كأنه على وشك الانفجار، وكتفاي مثقلتان كأن صخرةً هائلة وُضعت فوقهما، حتى الوقوف صار معركة.
دب… دب…
كان الأوغاد الذين لم أنجح في التخلص منهم يقتربون ببطء، بثباتٍ مرعب.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، في محاولةٍ بائسة للمقاومة، لكن ظهري لم يلقَ سوى جدارٍ صلب.
برد الجدار تسلّل عبر عمودي الفقري، وقبض عليّ بقسوةٍ لا ترحم.
‘يجب أن أهرب… بأي طريقة.’
وبرغم تشوّش بصري، وبرغم الألم، وجدت نفسي أضحك ضحكةً باهتة، ضحكة من فرط العبث والسخرية.
هل يوجد متقمّص آخر يموت قبل أن يعرف حتى أين تقمّص؟
ليقل لي أحدهم إن هذا كله كذبة.
‘إن قُدّر لي أن أتقمّص مرة أخرى، فليكن ذلك في رواية يوجد فيها شخصيّتي المفضّلة، ولأستيقظ بأمان وأنا أحدّق في سقفٍ غريب.’
ومع هذا الفكر السخيف، استسلمتُ أخيرًا لثقل جفوني.
‘أمي… أظنني قادمة إليكِ قريبًا.’
وقبل أن أفقد الوعي تمامًا، محاطة بأولئك الأوغاد—
“غرررر.”
آخر ما رأته عيناي كان مخلوقٍ أسود، أشبه بقطٍّ هائل، تتوهّج عيناه بضوءٍ أصفر مخيف.
* * *
‘سقف غريب.’
لم أكن أتخيّل يومًا أنني سأفكّر بهذه الجملة فعلًا.
رمشت ببطء وأنا أحدّق في سقفٍ أزرق داكن.
‘على الأقل… لم أمت.’
كنت أظن أنه لو متّ، فسأستيقظ على سقف غرفتي المألوف، لكن هذا السقف الغريب، والصداع الذي يطرق رأسي بلا رحمة، كانا يخبرانني بحقيقةٍ واحدة لا تقبل الجدل.
هذا… ليس حلمًا.
“آه! فُقتِ؟”
صوتٌ طفوليّ يافع أعادني إلى الواقع، فأدركت أخيرًا وجود شخصٍ بجانبي.
أدرت رأسي بصعوبة، فدخل في مجال رؤيتي صبيٌّ صغير؛ شعرٌ أسود مجعّد قليلًا، بشرة بيضاء صافية، وعينان ذهبيتان لامعتان، وما إن التقت أعيننا حتى اتسعت دهشةً.
‘إنه… لطيف.’
طفل جميل إلى حدّ يجعلك تبتسم دون وعي، لكن—
“أذنان……؟”
“هاه!”
كانت أذناه… أذني حيوان، تشبهان أذني قطّ، تضيقان نحو الأطراف، لكن نهايتهما مستديرة لا حادّة.
“آه! ما زلت ما أتقن التحكّم بهما تمامًا!”
قالها وهو يضغط أذنيه بيديه بخجل.
بعد لحظة—
بونغ!
اختفت الأذنان الحيوانيتان، وحلّ مكانهما أذنان بشريتان.
“آه… كانتا لطيفتين.”
“حقًا؟”
“نعم.”
بونغ!
عادت الأذنان الحيوانيتان.
“……لطيفتان؟”
“إلى أقصى حد.”
رفعت إبهامي مجيبة على نظرته المتحمّسة.
حينها فقط لاحظت الغرفة؛ واسعة إلى حدّ ينافس أفخم فنادق الخمس نجوم، وأثاثها الفاخر يشي بثروةٍ لا يستهان بها.
‘هل هذا الطفل نبيل؟ وهل يجوز أن أخاطبه بهذه العفوية؟’
“ما بالكِ؟”
“كنت أفكّر إن كان من اللائق أن أتحدّث هكذا… أقصد.”
“لا بأس! أنا أسمح لكِ!”
تنفست الصعداء.
“على أي حال، أين نحن؟ ولماذا أنا هنا؟”
“هذا بيتنا الصيفي! أنا أنقذتك وجلبتك!”
“أنقذتني…؟ آه، الآن تذكّرت، قبل أن أفقد الوعي…”
تذكّرت ذلك المخلوق ذي الأذنين المشابهتين.
“ذلك القطّ الكبير… هل كنتَ أنت؟ وإن لم تكن قطًّا فأنا أعتذر، لا أعرف كثيرًا.”
“لست قطًّا! أنا وحشٌ مقدّس!”
“فهمت.”
حتى مفضلي كان وحشًا مقدّسًا.
“شكرًا لك، لولاك لكنت متّ هناك.”
احمرّ خدّا الصبي خجلًا، ولفّ خصلات شعره الناعمة— التي تشبه فراء الجولدن ريتريفر— حول إصبعه وهو يتمتم:
“لم أفعل شيئًا كبيرًا… سمعت صوتًا غريبًا فذهبت، هذا كل شيء.”
“بل فعلت الكثير. أنت من أنقذ حياتي.”
نظرت إليه بجدّية، وقلت من أعماقي:
“شكرًا لك حقًا.”
“……هيهي.”
تسلّل من بين شفتي الطفل، وقد ارتفعتا بانحناءةٍ خجولة، صوتُ ضحكةٍ صافية نقية، ضحكةٍ شفّافة كجدول ماءٍ لم تمسّه يد العالم بعد، فانسابت في المكان وكأنها نورٌ مسموع.
‘يبدو أنه يحبّ المديح.’
هيهي… هيهي…
كان الطفل، إلى حدٍّ يكاد يكون قاسيًا على القلب، لطيفًا؛ لطيفًا إلى درجة أنني وجدت نفسي أفكّر، دون وعي، أنّه لو قُدّر لمفضّلي أن يُنجب طفلًا، أو لو أتيح لي أن أرى طفولته بعينيّ، فلعلّ هذا المشهد هو أقرب ما يمكن أن يكون إلى تلك الصورة المتخيّلة، تلك الصورة التي لا يملك القلب أمامها سوى الاستسلام.
وحين بدا عليه السرور، وجدت شفتيّ ترتفعان من تلقاء نفسي، وكأن ابتسامته قد سحبت ابتسامتي معها، بلا إذن ولا مقاومة.
‘لو كان مفضّلي هو من يبتسم هكذا……’
مجرد الفكرة كانت كافية لأن تُرهق قلبي، فبادرت بالضغط على صدري بكفّي، كأنني أحاول تهدئة تمرّدٍ داخليّ. دقّات قلبي كانت صاخبة، متلاحقة، كرشاشٍ لا يعرف التوقّف.
‘آااه… كونه يملك نفس لون شعره ونفس لون عينيه يجعل الصورة أوضح… أو بالأحرى، أكثر فتكًا.’
شعرت بالخجل خوفًا من أن يسمع الطفل أفكاري.
في تلك اللحظة، يبدو أن ضغطي على صدري فُهِم على نحوٍ آخر، إذ شهق فجأة وهو يسحب أنفاسه بقوّة.
“هل… هل أنتِ متألّمة؟ لم تَشْفي بعد، أليس كذلك؟”
لم أستطع أن أسمح له بالقلق، ففتحت فمي على عجل لأبدّد سوء الفهم.
“لا، ليس إلى هذا الحدّ…….”
“ابقي هنا ولا تتحرّكي حتى تشفي تمامًا! هم؟ ماذا قلتِ للتو؟”
“كحّ… أشعر أن جسدي كله يؤلمني.”
“هاه! حقًا؟”
“نعم. بهذا الشكل… قد أموت.”
“لا يجوز أن تموتي! أسرعي، استلقي! نامي فورًا!”
امتثلت على الفور، واستلقيت على السرير دون تردّد.
ضميري ذرف دموعًا صامتة لأنني كذبت، لكن لم يكن لديّ خيار آخر.
‘ليس لديّ مكان أذهب إليه.’
سواء كان هذا عالم روايةٍ ما، أو مكانًا لا أعرفه على الإطلاق، فما الذي يمكن لشخصٍ بلا أي معرفة، بلا أي خريطة، أن يفعله لو خرج إلى الخارج الآن؟
إن لم أمت خلال يومين من التقمّص، فذلك وحده سيكون معجزة.
عضضت طرف لساني بخفّة.
‘أصبحت فجأة بلا مأوى… بلا جذور… بلا أحد.’
وكان اليأس أشدّ وطأة لأن الجسد الذي تقمّصته لا يحمل في ذاكرتي أي ذكرى.
‘لكن… أين نحن بالضبط؟’
تراصّت في رأسي، كأنها تُقلب صفحةً بعد صفحة، كل روايات الـK-رومانس التي قرأتها حتى حفظتها عن ظهر قلب، لا سيّما تلك التي ظهر فيها وحشٌ مقدّس، فاختلطت عوالمها وتشابكت في ذهني بلا نظام.
“يا صغيري، هل يمكنني أن أعرف اسمك؟”
لو كان هذا عالم روايةٍ يظهر فيها مفضّلي، فسيكون ذلك نعمةً كبرى؛ عندها يمكنني أن أستغلّ سنوات هوسي ومعرفتي بكل تفصيلٍ صغير.
‘وفوق ذلك… سأتمكّن من لقائه وجهًا لوجه.’
لكن طعم المرارة تسلّل إلى فمي؛ فغالبًا، هذا ليس العالم الذي يظهر فيه مفضّلي.
في رواية الـ19+ «الليلة السرّية»، كان مفضّلي شريرًا، وأحد أحفاد الوحوش المقدّسة، قادرًا على التحوّل إلى أحدها. ووفقًا لما قرأته في حساب الكاتبة، فقد استُلهم شكله من الفهد الأسود.
‘مفضّلي بالغ، راشد… ووقح كما يليق بشرير.’
لا يمكن لهذا الكائن الطريّ، اللين، أن يكون هو…… مستحيل.
“أنا اسمي فاي!”
“فاي إيغالروك؟”
“أمم!”
“دوق إمبراطورية كايلروما الوحيد، وتجسيد الوحش المقدّس لحاكم القمر… فاي إيغالروك؟”
“الدوق هو عمي، لكن فاي… هذا أنا!”
تجمّدت في مكاني، وفمي مفتوح لا أستطيع إغلاقه.
……يبدو أن كونه مفضّلي ليس مستحيلًا كما ظننت؟
التعليقات لهذا الفصل " 1"