الفصل 15 :
لم يكن هناك من يراه، فجلس مرتاحًا على مقعد ديليانا ليقضي الوقت، لكنه سمع فجأة صوتًا غريبًا يتردد داخل الغرفة.
“……؟”
كان أمرًا مريبًا. فالغرفة لم يكن فيها غيره، ومع ذلك بدا كأن عدة أشخاص يتبادلون الحديث.
وكأنهم يهمسون لإيكابيل، أو يمرون بجانبه وهم يتمتمون، فقد أخذت أصواتٌ منخفضة باردة تُداعبُ أُذنيه.
“يقولون إنّه الخامس. لكنه في الحقيقة لم يولد قط. هل يُقلِّد الظلال؟ إنّ الريح ماتت.”
“ويندي كذبة. لم تكن يومًا حقيقة. هل صنعها الملك الأصفر؟”
“أوه…!”
تلك الأصوات الصغيرة ارتفعت تدريجيًا حتى صارت صُراخًا يجلجل في رأسه. حاول إيكابيل أن يسد أُذنيه بكلتا يديه، ولكن بلا جدوى.
“ما هذا، إنه مجرد مُزيف.”
صوتٌ ساخرٌ اخترق طبلة أُذنه ونفذ إلى أعماق رأسه.
كانت الكلمات غير مترابطة، ومع ذلك لم يستطع تجاهلها. بدا وكأنها تُلَفُّ بأشواكٍ من الكلمات التي يكرهها، وتُغرس في دماغه عنوة.
غمرت الفوضى والمهانة والألم رأسه دفعةً واحدة، واحتلَّت أفكاره.
“من هناك! أين تختبئ؟!”
كان واثقًا أن الصوت ليس من أتباع هاستر. فلم يكن بين مَن يعرفهم مَن يقوم بمثل هذه الأفعال الكئيبة.
أخذ إيكابيل يفتش المكان بعجلة. كان يشعر بوجود أحدهم، لكنه لم يستطع تحديد موضعه.
“وجودٌ زائف.”
“لا عيون لها، فلماذا تُدعى ويندي؟”
“لأنها مزيفة، ولأن الحقيقية ماتت.”
“توقفوا……!”
كانت الكلمات الحادة كالسكاكين تتطاير نحوه. كلما استمع أكثر، ازداد تنفّسه اضطرابًا وارتجفت روحه.
أطبق بيده على صدره وبدأ يفتش الغرفة بجنون، محاولًا العثور على من يهمس في أُذنيه.
“مزيف، مولودٌ مصنوع، نسخةٌ مخدوشة، ويندي…….”
“اخرسوا، قلت اخرسوا!”
بحث تحت السرير، وخارج النافذة، وفي السقف والحمّام، لكن لم يكن هناك أي أثر لكائن آخر. اشتدّ به الذعر فصرخ نافثًا نية القتل.
“أين أنت أيها الحقير…!”
وقبل أن يُحيل الغرفة ركامًا، انفتحت ببطءٍ بابُ الخزانة الملاصقة للسرير.
وتدفّقت منها عينٌ حمراءُ كالجمر.
‘عثرْتُ عليك!’
مدّ يده نحو مقبض الخزانة. نية القتل بداخله صارت ريحًا حادّة صوب الخزانة، يحملها العزم على قتل ما يراه فورًا.
“……!”
لكن ما كان بداخل الخزانة لم يكن وجودًا يستطيع احتماله.
“ما هذا؟ هل انتهت قوتك بهذه السرعة؟ لم تَصِل حتى إلى نصف ما تعرّضت له ديليانا. يا لك من ضعيف.”
“أ– أنت…….”
تمدّدت أغصانٌ خشبية كانت تملأ الخزانة نحو إيكابيل. العيون الحمراء المغروسة في الخشب تألقت بسخرية، وانبثقت الأغصان المتشعّبة عشرات المرات كأنها مجسّات تلتف حوله.
رغم إدراكه لوجوب التخلّص منها، لم يستطع جسده الحركة كما يريد.
ولِمَ يستطيع؟ فالذي أمامه كان أعلى وجودًا منه.
“لـ… رواز السيّد…….”
رواز، تابع هاستر وأحد شظايا □□□، سيد المكر والخداع.
وإيكابيل الخاضع لسلطان هاستر لم يكن قادرًا على الإفلات من قوته.
‘سـ… سأموت……!’
غاصت المجسّات في جلده بلا رحمة. وكأنها تنوي التهام دمه وروحه، فقد مزّقت بحدّتها جلده ولحمه وقطّعت عروقه.
حاول إيكابيل التملّص، لكن المجسّات كانت تسحبه إلى داخل الخزانة بقوة.
أدرك أنه إن استمر الأمر هكذا، فسيتم امتصاصه من قبل رواز.
ورغم سيطرة الخوف عليه، اختار ما رآه الخيار الوحيد.
“آآااااه!”
“أوه؟”
نبتَ الفراء من ذراعيه وساقيه المعقودتين بالمجسّات. وانبثقت عضلاتٌ غليظة مزّقت المخالب، وانطلقت ريحٌ هائلة زعزعت قوة رواز.
بدأ إيكابيل يكشف عن صورته الحقيقية.
امتد رأسه حتى لامس السقف، وبرزت سيقانٌ أطول من الأغصان، وظهرت ذراعان عملاقتان تُساقط بردًا كثيفًا.
إنه سيّد الهضاب الجليدية، الصمت الأبيض، الكائن الذي كان يُدعى يومًا وينديغو.
وما إن أطلق قوّته، حتى تطايرت مجسّات رواز بلا قوّة.
“تشه.”
‘نجوت!’
وحين أدرك رواز أنه لا يستطيع قتل إيكابيل، تراجع بسرعةٍ غير متوقعة قياسًا بما سبّبه من رعب.
تنحى إيكابيل خطواتٍ إلى الخلف وهو ينفض ما تبقى من قوته.
“سيّد رواز، لماذا… لماذا أنت هنا؟”
“لا تسألني. أنا نفسي لا أرغب في المشاركة في هذا المسرح.”
“مسرح؟”
وقبل أن يفهم كلامه الغامض—
“يا إلهي.”
سمع صوتًا مألوفًا عند الباب.
استدار إيكابيل ببطء.
خارج باب غرفة النوم، كانت ديليانا تراقبه.
‘منذ متى…؟’
وكأنها سمعت أفكاره، رفعت ديليانا زاوية شفتيها ببراءة مزعومة.
“من البداية… كنتُ أراقب. سيد إيكابيل، لستَ بشريًا إذًا؟”
في تلك اللحظة، قفزت إلى ذهنه كلمات هاستر.
التحذير القاطع من أن تُكتشف هويّته أمام ديليانا. وكان يعرف جيدًا ما يعنيه الفشل… الموت.
“غريب، مرشّحي لحماية جسدي يتّضح أنه وحش. يا للسخرية….”
من الممرّ المظلم الذي بلا نوافذ، أطلّت برأسها نحو الداخل بابتسامةٍ مخيفة أكثر من الوحش نفسه.
“بماذا أخبر الدوق يا ترى؟ إيكابيل.”
اختفت كلمة سيد من فمها. لم تعد تنوي الاحترام.
أعاد نظره نحو الخزانة.
لم يكن فيها شيء.
لقد خُدع.
وأدرك أخيرًا أن فخ ديليانا يلتف حول عنقه.
“ه– هناك سوء فهم.”
كانت أولى كلماته… تبرير.
عاد سريعًا إلى هيئة الإنسان. لكنه لم يكن بارعًا في التحوّل مثل ميردي، لذا بدا التحول قبيحًا.
تقلّص العظم واللحم وأصدر أصواتًا مشوّهة، وخرج صوتٌ كالبلغم من حنجرته وهو يعيد صوته البشري.
“هذا… ليس كما تظنين.”
كان يتلعثم في كلامه بعد أن التُقِط متلبسًا بما لا يقبل الإنكار.
‘لا ينبغي أن يعلم هاستر……!’
كان يعرف كم هو صارم تجاه عصيان الأوامر. وبقدر ما منح لجنده من نعمة وقوة، كان عقابه أشد وأقسى.
حتى هو، الخاضع له، لن يكون استثناءً.
‘سأُقتل. وإن لم أُقتل… فسيسلب أصل وجودي.’
وأن يُجرّد من أصله ليصبح فانيًا… كان أفظع من الموت.
ارتجفت كتفاه خوفًا، فتقدّمت ديليانا نحوه بخفة.
“ما بك يا إيكابيل؟ ما الذي يخيفك هكذا؟”
‘امرأةٌ بشرية… وتتجرأ على السخرية مني!’
وأحسّ بالغضب يتصاعد في صدره.
ظهور رواز المفاجئ، وظهور ديليانا فور أن كشف عن هيئته… لا شك أن الأمر كان مدبرًا.
والمستفيد الوحيدة من كل ذلك… هي ديليانا.
كانت خطّةً محكمة.
‘هل أقتلها؟’
لكنه يعرف أن ذلك لن ينفعه. بل سيزيد العقاب عليه.
فالجميع يعلم أن هاستر يُعزّز مكانة ديليانا.
حاول إيكابيل أن يخفي اضطرابه وهو يحدّق فيها، فابتسمت.
“إيكابيل، أنا مذعورةٌ الآن… أيمكنك شرح ما حدث؟ تلك الهيئة… كيف ظهرت؟”
“……”
“هل هذه هيئتك الحقيقية؟ أم تلك الهيئة الوحشية؟”
وحش.
لو كان شخصًا عاديًا لكان مزّقه من فوره، لكن ديليانا تمشت حوله متجاهلةً غضبه.
أخذت تتأمله بفضول مرعب.
“لم يخبرني الدوق بشيء. هل الفرسان الآخرون وحوشٌ كذلك؟ أم لعل الدوق نفسه…؟”
“لا، ليس كذلك.”
لم يكن أمامه إلا الإنكار.
قبض على ذراعها وهو يحاول كبح غضبه.
“سيدتي، كل هذا… مجرّد وَهْم.”
“وَهْم…؟”
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"