الفصل 12 :
سرت في كامل جسدي قشعريرة وكأنّني أهوي إلى الأعماق، إحساسٌ مريح ومروّع في آنٍ واحد، دافئ وبارد، يتسلّل عبر الأعصاب ليخضّ رأسي.
كان نَفَسه يَسحَق دماغي كما تُسحَقُ قطعةُ بودينغٍ بملعقة.
وتنساب من أصابعه طاقةٌ تخترق الجلد وتتغلغل في الأوعية الدموية.
تصلّبت ساقاي كأنّني سقطتُ في حلمٍ بلا نهاية، والعينان اللتان تحدّقان في خُضرةٍ زاهية اسودّتا بفعل ظلامٍ لا قرار له.
كان البحرُ الأسود خلف ظهري يبتلعني ببطء.
الجسد الذي سُلِبَ منه التحكم، والعقل الذي فقد رُشده، بدأا يذوبان بلا حولٍ ولا قوّة.
“آه…….”
“ديليانا.”
“تـ، توقـ…….”
“ديليانا.”
كلّ محاولاتي السابقة للنجاة تبخّرت سدى.
محض عناقٍ واحد، لحظةُ غفلةٍ واحدة، كانت كافيةً ليقترب مصيرُ ديليانا من نهايته.
سأغرق هكذا في الظلام لا محالة.
وحين أغمضت عيني مستسلمةً للموت……
“أيتُّها الغبية، أمسكي!”
اندفع غصنٌ ضخم أمام عيني.
وما إن اقترب الغصن الذي يشعّ هالةً حمراء غامضة من رأسي، حتى انقشع الضباب عن ذهني كأنّ أحدهم صبّ عليّ ماءً مثلجًا.
“هيا بسرعة!”
وبحركة انعكاسية، مدتُّ يدي إلى الغصن.
ويبدو أنّ القيود التي كانت تكبّلني قد تراخت قليلاً، فقد ارتفع ذراعي بسهولة.
وما إن أمسكته حتى انحسرت الطاقة السوداء التي كانت تُطبق على جسدي.
ولأنّ غريزتي صرخت بأنّ هذا رباطُ حياتي، تشبّثتُ به وحاولت رفع جسدي قدر الإمكان.
“أوه……!”
تحوّل الغصن في لمح البصر إلى ما يشبه يدًا ضخمة، أمسك بخصري بقوةٍ وجذبني.
وبعكس اللحظة التي اختُطفت فيها، انزلق جسدي بسهولة خارج تلك الهالة المظلمة.
ومع جرّي بعيدًا بلا سيطرة، أدركتُ أخيرًا من الذي قدّم الغصن.
“رواز!”
كان الصبيّ رواز، بوجهٍ متبرّمٍ حتى النهاية.
وإن دقّقت النظر، بدا جذر الغصن متصلاً بكفّه.
كأنّ الشجرة كانت تنمو من جسده.
رفعت رأسي بارتباك وقد تلاشت مني كلّ قوّة.
“هل… جئتَ لمساعدتي؟”
نقر بلسانه مستاءً وهو ينهض بي.
“طبعًا! أتدرين مقدار الصعوبة في كشف جزء من الهيئة الحقيقية دون أن أُفتَضَح؟”
“……شكرًا لك.”
بصراحة، لم أتوقع أن يعود رواز.
ولعله فهم ذلك، فشهق بسخرية وقال:
“أنتِ بشرية فلا تفهمين، لكنّنا لا نتجاهل العقود. على كلّ، هيا تحركي. يجب أن نهرب.”
“آه… نعم.”
التفتُّ خلفي.
عادت هيئةُ الدوق البشرية منذ زمن، ووجهه النائم بسلام بدا لامباليًا بكلّ ما جرى.
وبينما أحدّق فيه، استعجلني رواز.
“قلتِ لنذهب. فحتى وهو كذلك، لا نعلم متى قد يستيقظ.”
“……هل كان ما حصل مجرد حركةٍ أثناء نومه؟”
“لا أعرف. اسأليه بنفسكِ لاحقًا.”
وكأنّ ذلك ممكن.
هززت رأسي لطرد الأفكار، وسرت خلف رواز.
كان عليّ العودة إلى غرفتي لأرتاح.
“لكن، أنتِ.”
تمتم رواز وهو يمسك بذراعي ويسير أمامي، ونظر إليّ بنظرةٍ مشوبةٍ بالقلق والغرابة، كأنه يرى شيئًا غير مفهوم.
“إلى متى ستستمرّين بالابتسام هكذا؟”
“……ماذا؟”
“هل… أعجبك أن تكوني على وشك أن يلتهمك؟”
……مستحيل.
رفعت يدي إلى شفتيّ.
خلافًا لما شعرتُ به، كان طرف فمي مرفوعًا قليلًا.
لم أفهم لماذا أبتسم، ولا ما هو هذا الشعور، فارتبكت.
فتنهّد رواز قائلاً:
“……أنتِ أيضًا لستِ طبيعية.”
لم أقدر على الرد.
وبقيتُ اليوم بأكمله مستلقيةً دون أن آكل.
لأنّ تجربة الانحصار في ذلك الظلام الدامس لم تفارق ذهني.
شعرت أنّني سأفقد عقلي إن لم أنم.
ولحسن الحظ، لم تتلوّث أحلامي بذلك الرعب.
هربتُ إلى النوم بسرعة.
……ولما استيقظت، كان الصباح قد حلّ.
فتحت عيني في غرفةٍ هادئة، ورفعت بصري إلى السقف.
‘لقد نجوت بأعجوبة.’
كان شعوري كمن رُكِبَ أخطرَ ألعاب الملاهي مرارًا حتى أُنهِكَ تمامًا.
لكن بعد النوم، اختفى الخوف كليًا ليحلّ محله انتعاشٌ غريب.
ومع انقشاعه، أحسست بالجوع.
‘……يجب أن أتناول الفطور.’
نهضت من السرير بعد أن ربّتُّ معدتي، وغسلت وجهي ثم وقفت أمام خزانة الملابس.
وما إن فتحت الباب، حتى اتسعت عيناي.
بدلًا من الملابس… كانت هناك شجرةٌ صغيرة داخل الخزانة.
[ما الأمر؟ الصباح؟]
“رواز؟”
الصوت الآتي من الشجرة كان صوت رواز.
“هل هذه هي هيئتكَ الحقيقية؟”
ظننت أنّه ليس بشريًا، لكن… شجرة؟
تحدثتُ بارتباك، فأجابني بسخرية:
[طبعًا لا. أنا أكبر وأعظم من هذا بكثير. لستُ بمستوى شجرةٍ تافهة. هذه مجرد هيئة للتعافي.]
“تعافٍ؟ هل أُصبتَ؟”
[لا، لكن عليّ إراحة روحي. بذلتُ طاقةً لا بأس بها حين ساعدتُكِ.]
وأضاف أنّ هذا العقاب الجانبي لظهور قوته وهو مختبئ.
كان منظر شجرةٍ تتكلم تجربةً غريبة.
فحصتها بعناية، ورأيت قرب الجذع شيئًا يشبه جوهرة صغيرة.
أدركتُ غريزيًا أنّه قلب رواز.
“لكن ألن يُكتشف أمرك؟ هذه الخزانة تُبدَّل ملابسها يوميًا من قبل غرفة الملابس.”
كانت كلّ أدوات الغرفة تُدار دون علمي.
فضولي ازداد حول وقت دخولهم، لكن نظرًا لغرابة هذا القصر كلّه، تجاهلت الأمر.
[لا تقلقي. أيّ أحد سيراها مجرد خزانةٍ عادية. ……لكن الأهم: هل ستكونين بخير؟ إن بقيتُ هنا، فلن يكون لديكِ حارس.]
“……آه.”
انشغلت بتأمّله ونسيت الأهم.
رواز هو الوحيد في هذا القصر الذي يقف في صفي.
وإن كان لا يستطيع المغادرة… فذلك يعني أنّني عرضة للخطر وحدي.
[وفوق ذلك، هاستر لا يعرف بوجودي.]
“صحيح. فالسيد الدوق يظنّ أنّك أنت الجاني.”
احتياط الدوق منصبٌّ على رواز فقط.
ولم يدرك بعد وجود طرفٍ ثالث لا نعرفه سوى نحن.
وقد نبّهني رواز مرارًا أنّ ذلك الطرف قد يستغل تلك الثغرة لمحاولة إيذائي.
لكن لا يمكنني إخبار الدوق بالحقيقة؛ سيعني ذلك الاعتراف بتحالفي مع رواز.
أي أنّ الأماكن التي أرتادها عادةً ليست آمنة تمامًا.
‘وفوق ذلك… البقاء وحدي سيكون مملًّا.’
في هذا القصر الكئيب، كان رواز تسليةً لا بأس بها.
حتى سخريته صارت لطيفة.
[أنتِ… تفكرين بأفكارٍ وقحة الآن، أليس كذلك؟]
“لا، أبدًا.”
[……كوني حذرة. مع أنكِ بلا تعابير، إلا أنّ أفكاركِ مكشوفة.]
غطّيت فمي بلا إرادة.
عندها اهتزّت الشجرة وكأنها تتنهّد.
[لذا ابتداءً من الآن، تدبّري أمركِ. يجب أن أرتاح.]
“يا لك من لا مبالٍ…… ماذا لو تكرر ما حصل البارحة؟”
[لا أعرف. إن لم ينقذكِ هاستر، فابحثي عن حارس بنفسكِ.]
“……أنا؟ أبحث عن حارس؟”
[نعم، ألا يستجيب هاستر لكلامكِ؟]
كنت على وشك أن أقول إنّ ذلك مستحيل، لكن فكرةً لمعت برأسي.
أن أختار حارسي بنفسي…… ليست فكرةً مستحيلة.
“رواز، لدي سؤال.”
طرحت عليه بضعة أسئلة ضرورية للخطة، فأجاب أنّ الأمر ممكن، ثم تابع بلهجة متشككة:
[لا تقصدين استخدام تلك الحيلة على الـ“وجودات”، صحيح؟]
“سأستخدمها.”
قهقه رواز ساخرًا، كأنه سمع أغبى شيء في العالم.
[حسنًا، لنقل إنها خطوة جريئة… أو حمقاء.]
“……ما الذي قلتَه؟”
ارتفع صوتي بلا وعيّ.
أنا لستُ جريئةً لدرجة أن أستخفّ بكائناتٍ مجرد النظر إلى هيئتها الحقيقية ينسف العقل.
بالنسبة له قد تكون مزحة…
لكن بالنسبة لي، فهذا صراع بقاء.
[وهل تظنين أنّ مثل هذه المزحة ستنجح عليهم؟ ممتع، نعم، لكن لا يمكن لأحد أن ينخدع……]
“لكن رواز انخدع.”
[……]
انقطعت كلمات رواز فجأة.
قد تكون ألعابًا بالنسبة لهم…
لكن كلّ خطوة بالنسبة لي مخاطرة بحياتي.
ويصفني بالحمقاء؟
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"