3
7
فتحتُ عينيّ. يبدو أنني غفوتُ دون أن أشعر.
حين تفحصتُ الساعة، كانت الخامسة فجراً؛ لقد استغرقتُ في النوم طويلاً.
نال مني العطش، فنهضتُ واتجهتُ إلى خارج الغرفة، لكنني تسمرتُ في مكاني بغتة.
كان والدا كيم جو-يون جالسين إلى طاولة الطعام؛ الأب في حُلته الرسمية، والأم تمسك بكوب شاي يتصاعد منه البخار.
“جو-يون، هل يمكنكِ المجيء والجلوس معنا قليلاً؟”
قالتها الأم بنبرة حانية.
وبسبب تلك النبرة التي غلب عليها الحذر، ذهبتُ وجلستُ، فلفّت هي أصابعها الطويلة حول كوب الشاي.
“لقد تلقيتُ اتصالاً من معلمكِ بالأمس. أخبرني أنكِ غادرتِ المدرسة دون علمه.. رغم أنكِ لستِ من النوع الذي يفعل ذلك…”
“تغيبتِ عن الدروس؟! ما الذي دهاكِ يا جو-يون؟”
قاطعها الأب متحدثاً بمرح.
نظرتُ إليه وإلى تلك الهيئة الواثقة التي يبديها.
كانت لحيته المهذبة الممتدة تليق به تماماً، وفوق فمه الذي افتر عن ابتسامة تظهر أسنانه، برز شاربٌ أنيق.
كان هذا هو الرجل الذي اختصرتُ كيانه بعبارة أبٌ صالح.
“أنا…”
اشتدت قبضة الأم على كوب الشاي.
“أعلم جيداً أن جو-يون لا تفعل أمراً كهذا دون سبب وجيه. ألا يمكنكِ إخبارنا؟ لماذا فعلتِ ذلك؟”
كانت نظراتهما التي تنهال عليّ تشكل عبئاً ثقيلاً، فأشحتُ ببصري بعيداً.
‘هذا ليس واقعي. واقعي أنا هو…’ شعرتُ بغثيانٍ يراودني.
‘إنها محض رواية. أحداثٌ داخل خيالٍ لا يمت للواقع بصلة.’
ولكن، لماذا تبدو هذه المشاعر حقيقية جداً؟
ولماذا هذا القلق المنبعث من عينيها العسليتين، وتلك المحاولة من الأب لتلطيف الأجواء، يبدوان بهذا الصدق؟
مضغتُ الكلمات الصادقة التي كانت تحوم في فمي وابتلعتُها.
‘في الحقيقة، أريد الموت. لكنني عاجزة عن فعل ذلك بسببكما.’
“تشاجرتُ مع صديق.”
قلتُها باقتضاب.
“كنتُ متعبة، لذا هربتُ من المدرسة.”
“أي صديق؟ هل هو معكِ في نفس الفصل؟”
“…. أجل. ليس أمراً جسيماً.”
‘لذا لا تهتما بي. أنتما مجرد حروفٍ بلا وزن، وأنا لا أريد أن أثقل كاهلي بالاهتمام بكما.’
“جو-يون. أودُّ حقاً أن أصدق أنه أمرٌ بسيط، لكنكِ لم تذهبي للمدرسة طوال أسبوع كامل، ولم تفعلي شيئاً سوى البكاء في صمت. يساورني شعور بأن هناك خطباً أعظم.”
“فعلتُ ذلك لأنه كان صديقاً مقرباً.”
“جو-يون.”
“أقسم لكِ، هذا هو السبب.”
تنهدت والدتها ثم تبادلت نظرة سريعة مع الأب.
وبعد صمتٍ قصير، قال الأب وهو يداعب لحيته:
“حسناً يا جو-يون. ولكن، إن كان هناك خطبٌ حقيقي، فعليكِ إخبارنا حتماً في وقتٍ لاحق.”
“حاضر.”
“…. حسناً إذن.”
تركني ردّه الرصين في حالة من عدم الارتياح.
نهضتُ من مكاني وكأنني أفرُّ من المواجهة.
8
“هل تناقشتِ مع والديكِ؟”
حين شدد المعلم في نبرته، ظهرت تجعيدة عميقة فوق جفنيه كأنها رسمت رسماً.
أومأتُ برأسي، فتربتَ المعلم على ذراعي قائلاً:
“حسناً يا جو-يون. أنا أعلم يقيناً أنكِ لستِ من النوع الذي يفتعل المشاكل بلا سبب. ومع ذلك، لا يجوز التغيب دون إذن، فهذا كله سيُدوَّن في سجلكِ الدراسي.”
“حاضر.”
“جيد. تعلمين أن عليكِ تنظيف غرفة الموسيقى بعد انتهاء اليوم الدراسي، أليس كذلك؟”
“…. آه.”
“بسبب غيابكِ الأسبوع الماضي، قام سونغ-وو بكل العمل وحده. لقد كان فتىً مثيراً للإعجاب. اشكريه حين تقابلينه.”
‘أشكره؟ تباً له.’
تذكرتُ حينها أنني كتبتُ مشهد غرفة الموسيقى في روايتي؛ فقد كان ذاك المكان هو المنعطف الأهم لتقارب كيم جو-يون ويو سونغ-وو، حيث سيعزف لها على البيانو لاحقاً في أحداث القصة.
وبينما كنتُ غارقةً في أفكاري، استعاد المعلم نبرته الحازمة:
“لن تفعليها ثانيةً وتهربي، أليس كذلك يا جو-يون؟”
“…. أجل.”
“سأسأل سونغ-وو عن كل شيء.”
“حاضر.”
“حسناً، يمكنكِ الانصراف.”
شعرتُ بالوهن يمتص طاقتي.
وما أن خرجتُ من مكتب المعلمين حتى التقت عيناي بشخصٍ كان يقف عند زاوية الجدار.
شعرٌ مصفف بعناية على هيئة ذيل حصان، وأنفٌ مستدير يمنح وجهها طابعاً مميزاً.
وعلى الجانب الأيمن من صدرها، استقر اسمها جونغ وو-ري بوضوحٍ تام.
جونغ وو-ري.
شخصية ابتكرتُها بلا تفكيرٍ عميق، لتكون بمثابة المساعد لـ كيم جو-يون في مواجهاتها مع الشخصيات الشريرة.
“…. مرحباً.”
ألقت جونغ وو-ري التحية بنبرة تفتقر للثقة.
أومأتُ برأسي رداً عليها.
كانت وو-ري، وهي عريفة الفصل، تحمل بين ذراعيها أكواماً من الأوراق المطبوعة.
“إمم.. هل صحتكِ بخير الآن؟”
“أجل.”
“لقد تغيبتِ طوال الأسبوع الماضي.”
“كنتُ أعاني صداعاً طفيفاً.”
تعمدتُ اختصار حديثي. فتمتمت هي بملامح يكسوها الحرج: “أفهم ذلك”.
ساد صمتٌ لثوانٍ، وعندما هممتُ بالرحيل، استوقفتني بكلماتٍ بدت وكأنها تحاول التشبث بي:
“إن كان مقعدكِ يزعجكِ.. فهل تودين أن.. أتحدث مع المعلم بشأنه؟”
ما أن نطقت بذلك حتى بدا عليها الندم، كأنها ظنت أنها تفوهت بكلامٍ لا داعي له.
وكنتُ أشاطرها الرأي تماماً.
“لا حاجة لذلك.”
لم يكن لدي أي اهتمام بحياة كيم جو-يون.
9
مرت حصص الصباح بهدوء لم أتوقعه.
طوال الوقت، كان يو سونغ-وو غارقاً في نومٍ عميق، دافناً وجهه بين ذراعيه المتقاطعتين، وجسده الضخم منحنٍ نحو الجهة المقابلة لي.
يبدو أن المعلمين قد اعتادوا استهتاره؛ لذا انسابت الدروس في سلام، ولم يستيقظ يو سونغ-وو إلا حين دوى جرس الغداء بصخبه المعهود، فنهض محدثاً جلبة، بينما ارتسم أثرٌ أحمر على جبينه من أثر النوم.
“تباً.. كم أشعر بالنعاس.”
تمتم يو سونغ-وو وهو يسحب غُرّته المبعثرة ليغطي ذاك الأثر الأحمر.
ما أن رنّ جرس الغداء حتى تجمهر حوله الفتية كالعادة؛ هذا يسحب كرسياً ليجلس بجانبه، وذاك يفتح أكياس المقرمشات التي أحضرها من المقصف.
كنتُ الوحيدة التي تبدو في وضعٍ مثير للسخرية وهي جالسة بجانبه.
لهذا السبب أكره هذا المكان.
عضضتُ شفتي؛ فرغم يقيني بأنها محض رواية، إلا أن ما يحدث حولي يبدو واقعياً لدرجةٍ مؤلمة.
نهضتُ من مكاني، فسارع أحد الفتية ممن كانوا يترقبون مقعدي بالجلوس عليه فوراً.
وحين استدرتُ لمغادرة الفصل، ناداني يو سونغ-وو:
“كيم جو-يون.”
تظاهرتُ بأنني لم أسمع وتابعتُ سيري، فارتفعت نبرة صوته مشوبة بالحنق:
“كيم جو-يون!”
أدرتُ رأسي، فإذا بعشرات الأحداق، ومن بينها عينا يو سونغ-وو، تشخص نحوي.
فكرتُ حينها أنه لا بد وأن كيم أون-تشانغ كان يشعر بهذا الثقل نفسه.
لماذا تبدو تلك النظرات وتلك التعابير حقيقية هكذا، رغم كونهم مجرد شخصيات ورقية؟
اتكأ يو سونغ-وو بظهره على الكرسي، وعلت وجهه الناعس مسحة من السخرية.
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟”
“ليس من شأنك.”
“أذاهبةٌ لتناول الغداء؟”
ارتفعت زوايا فمه بابتسامة.
يا له من فتى تافه لدرجة تثير الغثيان.
“وهل تملكين أصلاً صديقاً لتأكلي معه؟”
كان استفزازاً صبيانياً، لكنني عجزتُ عن الرد.
فأنا، في الأصل، لم أضع لـ كيم جو-يون إعداداتٍ تفصيلية لعلاقاتها وصداقاتها؛ إذ كانت أحداث قصتها مع يو سونغ-وو تدور في نطاقٍ ضيقٍ جداً داخل الفصل.
وسط ذاك الصمت، انطلقت ضحكة ساخرة من إحدى الزوايا.
كانت فتاة ترتدي قميصاً ذا غطاء رأس يحمل شعار علامة تجارية شهيرة، وقد ضاقت عيناها المزينتان بظلال حمراء وهي تضحك.
مَن هذه؟ لم أحتج لكثير من التفكير حتى كشف رفاقها عن هويتها.
“لا تضحكي هكذا علانية يا لي تشاي-إيون.”
“أوه، ولكن الأمر مضحك حقاً.”
كانت هذه هي الشخصية التي منحتُها دور المرأة الشريرَة.
وكما يليق بهذا الدور، جعلتُها فائقة الجمال في أوصافي، وقد تجسد ذلك الجمال أمام عيني لدرجةٍ جعلتني أشعر بالأسف تجاهها؛ أسفٌ لأنني جعلتُ جميلةً مثلها تقع في حب شخص كـ يو سونغ-وو.
على وقع ضحك لي تشاي-إيون، تعالت ضحكات رفاقها مجاراةً للجو العام.
أسند يو سونغ-وو مرفقه على الطاولة ووضع ذقنه فوق يده متسائلاً ببرود:
“ألا تملكين أحداً؟”
“….”
“يا للأسف، مسكينة أنتِ، لا تجد من يأكل معها.”
“لذا…”
“ما رأيكِ أن تأكلي مع أون-تشانغ؟ يبدو هو الآخر وحيداً بلا أصدقاء.”
انفجر الفتية ضاحكين على لهجته المثيرة للشفقة.
كان هناك مَن يبتسم بارتباك وهو يرقبني، لكنني كنتُ الهدف المباشر لكل شظايا ذاك الضحك.
شعرتُ بحقارة الموقف.
هذا ليس قدري، فهذه السخرية يجب أن تواجهها كيم جو-يون الشجاعة، وليس أنا.
أنا…
عاد الغثيان يراودني ثانيةً، وحين كادت لوعة القيء تبلغ مداها…
“جو-يون!”
تدخل صوتٌ جديد فجأة.
التفتُّ، والتفتت معي أعين الجميع نحو المصدر.
كان وجهاً لم أتوقعه.
جونغ وو-ري، عريفة الفصل، كانت تقف هناك بابتسامةٍ مرتبكة.
وما أن التقت عيناي بعينيها، حتى هتفت بسرعة:
“إمم.. هيا بنا الآن!”
“إلى أين؟”
ابتلعت وو-ري ريقها، وبدا عليها صراعٌ داخلي قصير لثوانٍ معدودة.
لكنها نطقت بها في النهاية:
“لنذهب لتناول الغداء.”
ترجمة Nova
Chapters
Comments
- 3 منذ 11 ساعة
- 2 منذ 12 ساعة
- 1 - الحلقة 1: أشياء لا تُهضم منذ 12 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 3"