2
4
كان حارس المدرسة يقبع عند البوابة الرئيسية مراقباً إياها بدقة.
غير أن تصميم هذا المكان كان نسخة مطابقة للمدرسة التي كنتُ أرتادها في واقعي، لذا كنتُ أعرف تماماً ذاك السور الذي يمكنني تسلقه.
لحسن الحظ، كنتُ أرتدي سروال الرياضة تحت تنورتي المدرسية.
وبعد أن عثرتُ على نقطة مناسبة على يسار البوابة، شرعتُ في تسلق السور بمشقة حتى تجاوزته إلى الطرف الآخر.
لا يزال ذاك الغثيان يراود معدتي ويزعجني.
وبما أن والديّ كيم جو-يون يعملان طوال النهار ومنشغلان دائماً، فمن المؤكد أنهما لن يكونا في المنزل في مثل هذا الوقت.
5
فتح باب الشقة.
ألقيتُ بحقيبتي إهمالاً وخلعتُ زيّي المدرسي، بينما كانت أمواجٌ من الإرهاق المتأخر تكتسح جسدي.
أحضرتُ هاتفي الذي تركته يشحن في زاوية الغرفة وضغطتُ زر التشغيل؛ فُتحت الشاشة على مصرعيها بلا أدنى مقاومة، إذ لم أكن قد وضعتُ لها رمز قفلٍ قط.
ظللتُ أحدق في خلفية الشاشة بذهولٍ لبرهة، ثم ارتميتُ فوق السرير وقد غلبني شعورٌ بالوعكة في جوفي.
سواء وشى بي يو سونغ-وو أم لم يفعل، فإن اكتشاف المعلم لفراري لم يكن إلا مسألة وقت، وكذلك اتصال المدرسة بوالديّ كيم جو-يون.
رحتُ أفتح شاشة الهاتف وأغلقها مراراً وتكراراً؛ ضوءٌ باهت ينبعث فجأة ثم يرتد إلى ظلامٍ دامس في حلقة مفرغة.
وعلى سواد الشاشة المنطفئة، انعكس وجهٌ لا يمتّ لي بصلة.
وجهٌ غريبٌ تماماً.
“جو-يون، هل أنتِ مريضة؟ أهذا هو السبب؟”
‘لا.’
“أهناك من يضايقكِ؟ جو-يون، أرجوكِ.. أخبريني بأي شيء…”
‘لا، ليس الأمر كذلك. أنا لستُ جو-يون. أنا لستُ كيم جو-يون.’
اضطربت معدتي بغثيانٍ كاد يمزق أحشائي.
شددتُ قبضتي على الهاتف، بينما كانت لوعة القيء تزداد حدة.
شعرتُ بشيءٍ يتصاعد حتى بلغ حنجرتي، وانتشر طعمٌ معدنيٌّ زفرٌ في فمي.
لقد عاودتني الحالة من جديد.
انتزعتُ حفنة من مناديل الورق ووضعتها على فمي. كان دماً قانياً.
لم أشعر بألمٍ يذكر، لكنني شعرتُ بقذارةٍ تشبه شعور التخمة والانسداد.
نهضتُ بجسدي واتجهتُ نحو الحمام.
ألقيتُ بالمناديل الملطخة بالدماء في المرحاض وسحبتُ مقبض المياه.
وبينما كنتُ أراقب المناديل وهي تغرق وتختفي، رفعتُ رأسي، فإذا بـ كيم جو-يون القابعة في المرآة تشخص ببصرها نحوي.
شعرٌ طويل، وعينان واسعتان وعميقتان.
كانت كيم جو-يون شاحبة كالأموات.
وحين فركتُ ذقني، قلدتني كيم جو-يون في الحين.
عاد الغثيان ليراودني مرة أخرى.
أشحتُ ببصري عن نظراتها.
“جو-يون.”
“كيم جو-يون!”
‘أين ذهبتْ أنا؟’
6
حين استيقظتُ هنا لأول مرة، تملكني الذعر والارتباك تماماً كما يحدث مع أبطال قصص التجسد.
ومع مرور الوقت، استطعتُ بيسرٍ استنتاج أنني في عالم الرواية التي خططتُها بيدي، غير أن التصديق والقبول كانا شأناً آخر تماماً.
رحتُ أبحثُ بجنونٍ عبر هاتف كيم جو-يون عن أي خيطٍ للمعلومات؛ ويا للعجب، لم يتغير شيء!
نفس أسماء المشاهير، نفس عناوين الأغاني، ونفس القضايا الرائجة… لكن، ثمة أمرٌ واحدٌ قد تبدّل.
لقد اختفى الحيُّ الذي كنتُ أقطن فيه.
اختفى تماماً وبشكلٍ مذهل، كأنه لم يوجد قط، وكأنما تبخر من الوجود بكل ما فيه.
في تلك اللحظة التي أدركتُ فيها ذلك، تقيأتُ الدم لأول مرة.
لم أشعر بألم جسدي، لكنني ظللتُ متشبثةً بالمرحاض لوقت طويل، ألهثُ بحثاً عن أنفاسي.
ومنذ ذلك الحين، صار قيء الدم يعاودني على فترات متقطعة.
لم أمنح كيم جو-يون في مسودة روايتي أي مرضٍ مزمن، لكن كلما شعرتُ بغثيانٍ شديد يضطرب في أعماقي، كان طعم الدم المعدني يتدفق في حنجرتي دون مواربة.
لو علم والدا كيم جو-يون بهذا الأمر، لأقاما الدنيا ولم يقعداها؛ لذا بذلتُ وسعي لإخفاء الحقيقة، خاصة وأنه ألمٌ لا يسكن الجسد بل الروح.
كان والداها في غاية اللطف؛ أناسٌ طيبون ومرحون.
لم يمارسا ضدي أي عنفٍ أو صراخ رغم رقادي الطويل على السرير وتغيبي عن المدرسة، ومع ذلك، كان مجرد تبادل الحديث معهما يشكل عبئاً ثقيلاً على كاهلي.
كنتُ أشعر وكأن وجودي قد انتُزع من جذور العالم.
ورغم أنني وصفتُ حياتي قبل التجسد بالحثالة، إلا أنني لم أكن أريد إنكار تلك الحياة تماماً.
لقد تمنيتُ الموت مراراً، لكنني لم أرغب أبداً في أن يُمحى أثري وكأنني لم أكن.
كنتُ أحيا بجسد كيم جو-يون، لكنني كنتُ ميتةً أكثر من أي وقتٍ مضى.
بين صحوةٍ غارقة في الذهول ونومٍ يملؤه الشرود، كانت فكرة الموت تهبط على رأسي فجأة وببرود؛ لكنني كنتُ غارقةً في خمولٍ جعل حتى فعل الانتحار يبدو أمراً مرهقاً لا يستحق العناء.
استوطن فراغٌ موحش في زاوية صدري، ورحتُ أبكي حتى تهرأت أجفاني، أنا التي لم أكن يوماً من هواة البكاء.
“جو-يون، أرجوكِ، ما بكِ؟ هل حدث شيء؟”
كانت والدة كيم جو-يون في غاية الحنان، لكنني كنتُ أشعر بغثيانٍ كلما رأيتها.
لم أستطع تقبل فكرة أن شخصيةً حددتُ ملامحها ببضع كلمات قد باتت الآن كائناً حياً ينبض أمامي.
وعندما رأتني أبكي بصمت، تملكها الذعر، فأمسكت بي وهي تتوسل:
“جو-يون، أتوسل إليكِ.. قولي أي شيء. هل يضايقكِ أحد زملائك؟ هل الدراسة شاقة عليكِ؟”
ثم أردفت وهي ترى دموعي المنهمرة: “لماذا تبكين بحرقة هكذا؟”
ترقرقت الدموع في عينيها العسليتين الدافئتين، وسرعان ما انهمرت على وجنتيها المحمرتين.
وأمام تلك الدموع، أفلتت مني كلماتٌ لم أستطع كبحها:
“أريد الموت.”
في تلك اللحظة، انكسر بريق عينيها.
ورغم أنني أعلم أن هذا مجرد عالمٍ روائي، إلا أنني أدركتُ فداحة خطئي.
كانت يداها اللتان تمسحان كتفي ترتجفان بشدة، ونظرت إليّ بوجهٍ ضائع لا يدري ماذا يفعل.
“…. لماذا؟”
“….”
“جو-يون، يبدو أنني كنتُ غافلةً جداً. لم أدرك أن ابنتي تعاني كل هذا الألم.. كنتُ مشغولةً جداً بعملي.. ما الذي يرهقكِ إلى هذا الحد؟”
ارتفعت يدها التي كانت تضم كتفي لتلمس وجهي؛ وبإبهامها الدافئ، راحت تمسح أجفاني المتقرحة برقة.
كانت تفوح من يدها رائحة صابونٍ زكية ومنعشة، وبعث ذاك الشعور بالأمان لوعةً في أنفي.
كل هذا القلق، كل هذا الحنان.. هو من أجل كيم جو-يون.
أما أنا، فلا وجود لي في أي مكان.
ومع ذلك، كنتُ أتوق لهذا الأمان الزائف، كنتُ في حاجةٍ ماسة لسلوانٍ حتى لو كان وهماً.
وضعتُ يدي فوق يدها المستقرة على وجهي، وانفجرتُ في نوبة بكاءٍ مريرة.
“…. أريد الموت.”
“….”
“أنا.. متعبةٌ جداً…”
في تلك اللحظة، جذبتني والدة كيم جو-يون إلى حضنها.
تيبّس جسدي من تلك الضمة المفاجئة.
كان ذراعاها اللذان يحيطان بي يشعرانني بالسكينة، فتملكني شعورٌ غريب، غريبٌ جدا.
ظللتُ هناك، مستسلمةً بكتفين هامدتين، حبيسةً داخل ذلك السياج الصغير والدافئ.
في ذلك اليوم، قررتُ إرجاء فكرة الموت.
ترجمة Nova
Chapters
Comments
- 3 منذ 11 ساعة
- 2 منذ 12 ساعة
- 1 - الحلقة 1: أشياء لا تُهضم منذ 12 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 2"