1 - الحلقة 1: أشياء لا تُهضم
1
لطالما تساءلتُ في غمرة شرودي: لماذا وُهبتُ كل هذه الدراما والمآسي، ثم لم أُمنح حق اعتلاء دور البطولة في هذا العالم؟
ولماذا كُتب عليَّ أن أهوي إلى حضيضِ دورٍ لا يرقى حتى لكونه دوراً هامشياً؟
كانت حياتي محض هباءٍ وحطام.
حين تقدمت بطلب انسحابي من المدرسة الثانوية، ربتَ معلمي على كتفي قائلاً أن من الجيد أن أمتلك هدفاً، وذلك حين أخبرته برغبتي في الكتابة؛ لكنه لم يدرك أنني كنتُ، في الحقيقة، مجرد روحٍ نالت منها المشقة.
ففي نهاية المطاف، لم تكن هناك بقعة في هذا العالم تصلح لتكون ملاذاً لي.
رحتُ أكتب.
لم تكن براعتي اللغوية بالمذهلة، ولا قصصي بمحكمة الحبكة، ولم يكن القراء يطالبونني بذلك من الأساس.
كان جلُّ ما يصبون إليه هو قدرٌ من الخيال، والرومانسية، والإثارة…
ما يكفي فقط لانتشالهم مؤقتاً من واقعهم شديد الرطوبة والقتامة؛ وكان ذلك يفي بالغرض.
ولكن، وذات يوم، وبلا سابق إنذار، وجدت نفسي في مقعد البطولة.
وليس في أي مكان، بل في دور البطلة داخل الرواية التي خطتها يداي.
“جو-يون. لماذا تغيبتِ عن المدرسة طوال الأسبوع الماضي؟”
ما أن فتحتُ باب الفصل حتى اتجهت نحوي عشرات الأحداق.
واقترب مني يو سونغ-وو بخطوات واسعة ليسألني بابتسامة لا تليق بزيّه المدرسي المهندم.
كان فارع الطول، مما منحه هيبةً طاغية..
رغم أن كل ذلك لم يكن سوى تفاصيل صغتها أنا بنفسي.
تجسد يو سونغ-وو تماماً كما حددتُ أوصافه بضبابية تلائم ذوق القراء؛ وجهٌ شديد البياض، تبرز فيه حدة أنفه كشفرة سيف.
طويل القامة، مائل المنطق، وذاك الفتى الذي لا يكف عن مضايقة كيم جو-يون في كل شاردة وواردة.
كتمتُ في صدري ضحكة ساخرة كادت تفلت مني.
‘سيقع هذا الوغد في حب كيم جو-يون في نهاية المطاف.’
“…”
بماذا يجدر بي أن أجيب؟ رفعتُ بصري إليه بعينين خاويتين من أي شعور، فأمال رأسه نحوي مبتسماً وقال:
“أنا أسألكِ.”
يا للقرف.
كان خطئي أنني صممتُ شخصيةً كهذه.
لم يكن الناس ينجذبون للقصص الغرامية السوية، لذا ركزتُ كل جهودي على ابتكار مجنون يبدو بمظهرٍ راقٍ.
والنتيجة كانت هذا الفتى الواقف أمامي، المصاب بداء التصنع والبرود.
تلك الكلمات التي كتبتها بلا معنى، والحروف التي امتدت فوق بياض الورق المربع، تتآلف عنوة لتتجسد في هيئة كائنٍ حي.
“كنتُ مريضة.”
قلتُها باقتضاب.
آلمني عنقي من كثرة التحديق فيه للأعلى.
كيف كانت كيم جو-يون الحقيقية ستجيب؟
“لماذا عليّ إخبارك؟”
.. غالباً رد طفولي كهذا.
فكيم جو-يون ليست سوى القالب التقليدي الذي صنعته أنا لـ…
“مريضة؟ أين يكمن الألم؟”
“في رأسي.”
أجبتُ بلامبالاة، فابتسم بسخرية ملتوية:
“وهل غبتِ أسبوعاً كاملاً لأجل صُداع؟”
“نعم.”
“هاه، كفي عن الكذب. ألم تكن غيبتكِ بدافع الخوف فحسب؟”
كان استفزازاً صبيانياً، لكنه أثار ضحكات صاخبة من بعض الفتية.
لم تبدُ كلمات يو سونغ-وو مضحكة بحد ذاتها، بل كان ضحكهم نوعاً من التملق و المجاراة لسطوته.
“هيا يا سونغ-وو، كف عن مضايقتها.”
“ستبكي الفتاة بعد قليل.”
تراكمت أصواتهم فوق ضحكاتهم الخشنة كدوي المدافع.
شعرتُ بإرهاق شديد.
“هاه؟ جو-يون. كدتُ أموت مللاً في غيابكِ. أون-تشانغ لا يحسن اللعب معي كما تفعلين.”
تتبعتُ حركة إصبعه حيث يشير.
هناك، كان فتىً يرقبنا بطرف عينه، سرعان ما نكس رأسه بذعر.
كيم أون-تشانغ.
ضئيل البنية، خصلات شعره الأمامية طويلة تخفي ملامحه.
هو الجسر الذي يربط بين كيم جو-يون ويو سونغ-وو.
فبداية روايتي كانت تكمن في تصدي كيم جو-يون لـ يو سونغ-وو وهو يضايق كيم أون-تشانغ.
“يبدو أن أون-تشانغ يشعر بالوحدة لعدم امتلاكه أصدقاء. أليس كذلك يا أون-تشانغ؟”
قالها يو سونغ-وو بمرح زائف.
انتفضت أكتاف أون-تشانغ ونظر إلينا.
وبينما كان يتردد في الكلام، حدق به أولئك الأتباع الذين كانوا يقهقهون قبل قليل بأعينٍ متقدة.
“يا كيم أون-تشانغ إن سونغ-وو يتحدث إليك.”
“أيها الحثالة.”
تحت وطأة تلك النظرات، أومأ كيم أون-تشانغ برأسه بحذر، فانفجر يو سونغ-وو ضاحكاً.
“أرأيتِ يا جو-يون؟ عليكِ أن تسليني كما فعلتِ في ذلك الحين. عندما قلتِ: ‘كف عن هذا، ألا تظن أنك تافه؟’.. كنتِ مذهلة بحق.”
راح يو سونغ-وو يقلد نبرة كيم جو-يون، مما جعل البقية يستغرقون في الضحك حتى الثمالة.
لم يكن الأمر مضحكاً البتة.
الرواية والواقع سيان في القبح.
مسحتُ وجهي بيدي بضجر.
“تنحَّ من طريقي.”
“ماذا؟”
“قلتُ ابتعد. أريد الجلوس.”
بدا أن كلماتي أبهجته، إذ ابتسم باتساع وقال:
“وهل تعرفين أين هو مقعدكِ أصلاً؟”
“أين؟”
“إنه بجانبي. لقد قمنا بتغيير المقاعد في الأسبوع الماضي.”
أشار إلى المقعد الأخير بجانب النافذة.
آه، لقد كان هذا من أحداث الرواية التي ألفتُها.
رفعتُ بصري إلى يو سونغ-وو المبتسم، وتلاقت نظراتنا للحظة.
عينان سوداوان يسكنهما شجن رطب، وجهٌ تكسوه الظلال، وزاوية فم ملتوية بسخرية.
‘هذه التفاصيل.. لم أضع لها إعدادات قط’، فكرتُ ببرود.
في تلك اللحظة، فُتح باب الفصل بضجيج.
“يا رفاق، المعلم قادم! اجلسوا في أماكنكم!”
“يو سونغ-وو، يكفي عبثاً واجلس!”
وسط تلك الجلبة، قطعتُ حبل أفكاري.
تجاوزتُ يو سونغ-وو دون كلمة، وألقيتُ بحقيبتي فوق المقعد الذي أشار إليه ثم جلست.
كانت خيوط الشمس تتسلل مائلةً إلى الداخل.
حقاً، كان الانسحاب من المدرسة هو الخيار الأمثل.
2.
طوال الحصة، لم يكف يو سونغ-وو عن مضايقتي باستفزازات خبيثة؛ كانت أفعاله من السخف والطفولية لدرجة أنني لم أرَ فيها ما يستحق عناء الرد.
بعد أن واجهتُه بضع مرات بردود مقتضبة، قررتُ أن ألوذ بالصمت التام.
وعلى عكس توقعي بأنه قد يستشيط غضباً، بدا يو سونغ-وو غير مبالٍ فحسب.
“آه، هذا ممل.”
أسند ذقنه إلى يده متململاً.
“هل قررتِ تجاهلي تماماً الآن؟”
“اخرس قليلاً.”
أنزلتُ قلمي الذي كنتُ أضغط على نهايته بتوتر فوق الطاولة بحدة.
في الأصل، تكمن المشكلة فيّ أنا التي كتبت هذه القصة.
لم يكن من المنطقي أبداً أن تفتح كيم جو-يون قلبها لشخص كهذا في نهاية المطاف.
ربما لأنها كانت بطلة من طراز المتفائلة دوماً، استطاعت احتواء هذه الطباع العفنة، أما أنا.. فقد كان ذلك مستحيلاً بالنسبة لي.
فأنا أكاد لا أطيق نفسي، فكيف أطيق غيري؟
“… اخرس؟”
أعاد سؤالي بملامح يكسوها الاستغراب.
“أجل، اخرس تماماً.”
انفجر يو سونغ-وو بضحكة صاخبة هزت أركانه بغتة.
كانت ضحكته مفاجئة لدرجة أنها أربكتني للحظة.
وتوقف عن الضحك فجأة قبل أن تطاله نظرات معلم الرياضيات الحادة.
دنا بوجهه مني، وكانت عيناه اللتان اتخذتا شكل نصف قمر تشبهان عينيّ ثعبان.
“هذا غير متوقع.. كنتُ أظن أنكِ لن تنطقي بلفظ بذيء حتى لو أشرفتِ على الموت.”
كانت ملاحظته، في الحقيقة، دقيقة تماماً.
فـ كيم جو-يون لم تكن لتتلفظ بكلمة نابية مهما حدث؛ هكذا كانت إعدادات الشخصية.
مثالٌ للنموذج الأخلاقي الذي لا تشوبه شائبة.
فتاة مشرقة بلا كدر.
طيبة لدرجة أنها تمنح قلبها في النهاية لشخص مثل يو سونغ-وو.
لكنني لم أكن كيم جو-يون.
أمال يو سونغ-وو رأسه وقال:
“يبدو أنكِ تكرهينني بشدة.”
“ما دمت تدرك ذلك، فـ…”
وقبل أن أتمّ جملتي، دفع مقلمتي بخفة نحو حافة الطاولة.
سقطت المقلمة المفتوحة محدثة ضجيجاً صاخباً، لتلفظ كل ما في جوفها من أدوات؛ تبعثرت أقلام الحبر والأقلام الملونة فوق الأرضية بلا رحمة.
لم تكن لدي رغبة في التدوين أصلاً، لكنني شعرت بحنقٍ شديد.
“آسف، حقاً أنا آسف.”
رفع يديه عالياً وهو يتحدث، لكن الأمر كان متعمداً بوضوح لأي شاهد.
اتجهت الأنظار نحونا، وسرى همسٌ خافت في أرجاء الفصل.
ضرب المعلم الطاولة بعصاه الطويلة صائحاً:
“أنتِ هناك! التقطيها بسرعة.”
اضطررتُ للنهوض ببطء عن الكرسي.
وبينما كنتُ أجلس القرفصاء على الأرض ألملم الأدوات التي تدحرجت بعيداً، شعرتُ بموجة عارمة من الضيق تجتاح صدري.
نعم، هذا خطئي أنا. مَن ألوم غير نفسي؟
حتى في الرواية، كان يو سونغ-وو يمارس مثل هذه الأفعال الخبيثة كلما سنحت له الفرصة.
لم أكن أفكر كثيراً حين كتبتُ ذلك؛ إذ كان استفزازه مادة جيدة لتطوير العلاقة بينه وبين كيم جو-يون.
“هناك قلمٌ آخر هنا.”
ركل يو سونغ-وو أحد الأقلام بطرف حذائه.
رفعتُ رأسي إليه، فكانت الابتسامة تملأ وجهه.
يا له من فتى طفولي بحق.
جمعتُ الأدوات بإهمال ووضعتها في المقلمة وعدتُ إلى مقعدي.
ضحك يو سونغ-وو على صمتي وقال:
“لا يزال قلمكِ الرصاص هناك.”
أشار بذقنه إلى بقعة بعيدة.
لم أرد، بل اكتفيتُ بتقطيب حاجبيّ بضجر.
كنتُ مستنزفة.
“هل تتجاهلينني؟”
ثم أردف ضاحكاً: “آه، نعم.. يبدو أنها تتجاهلني.”
ما الذي يسعده إلى هذا الحد؟ هل يموت شوقاً لاهتمام كيم جو-يون؟
نادى فتى يجلس أمامي بصفين:
“سونغ-غيو!”
“نعم؟”
“هل ترى القلم الرصاص تحتك؟ أجل، ذاك. التقطه وناولني إياه.”
كان هذا الفتى شخصية لم أحدد لها اسماً أو دوراً من قبل.
التقط سونغ-غيو القلم ومد يده به.
تناول يو سونغ-وو القلم بزهو، وراح يدوره بين أصابعه أمام عينيّ بحركات تشتت الذهن.
بدا كطفل في المدرسة الابتدائية يتضور جوعاً للانتباه.
قال بابتسامة مزعجة:
“أأعطيكِ إياه؟”
“لا أحتاجه.”
“كاذبة، أنتِ تحتاجينه.”
“سحقاً.”
“…. ماذا؟”
كنتُ أشعر بالسأم، ويغمرني شعور بالعجز، ولم أرغب في تضخيم الأمور؛ لكن لم يكن هناك ما يمنعني من نطق ما يدور في خلدي.
لقد أُحضرت إلى هنا رغماً عني، وفي عالم تحدث فيه أشياء تتنافى مع المنطق، لم يعد عليّ أن أكون شخصاً منطقياً.
“قلتُ لك كف عن البذاءة في أفعالك، أيها الوغد السافل.”
“…. أنتِ متناقضة جداً، أليس كذلك؟”
لا يهمني، فهذا المكان ليس واقعي… لا يجب أن يكون واقعي.
3
دوى جرس الفسحة، فحشرتُ كتاب الرياضيات الذي فتحتُه تظاهراً بالاهتمام تحت الطاولة.
كنتُ أشعر بغثيانٍ يراود معدتي كما لو أنني أصبتُ بتسمم معنوي.
في تلك اللحظة، هزّ يو سونغ-وو كتفي الأيمن بعنف:
“جو-يون، ألا يمكنكِ شتمي مرة أخرى كما فعلتِ قبل قليل؟”
منذ تلك اللحظة وهو لا ينفك يردد هذا الهراء.
رفعتُ يدي لأزيح خصلات شعري الجانبية المزعجة عن وجهي؛ كنتُ أعلم يقيناً أنه لا يطالب بذلك رغبةً في سماع الشتيمة ذاتها، بل كان تهكماً صريحاً وتنمراً يستهدف استثارة أعصابي.
وبينما كنتُ أبذل قصارى جهدي لتجاهله، بدأ أصدقاؤه يتوافدون نحوه، مشكلين حوله حصناً منيعاً من الأجساد.
كان يو سونغ-وو كالمغناطيس الذي يجذبهم إليه، وكان من بينهم بضع فتيات أيضاً.
“يو سونغ-وو، أيها المجنون! هل رأيتم ما فعله في حصة الرياضيات؟”
“لماذا؟ ماذا فعل هذا الوغد ثانيةً؟”
“لقد أسقط مقلمة تلك الفتاة عمداً أمام الجميع.”
وعند ذكر كلمة تلك الفتاة، جابت الأعين نحوي تتفحصني ببرود.
شعرتُ بانزعاجٍ شديد كاد يدفعني للتقيؤ.
حاولتُ تهدئة روعي بفكرة أن هذا محض حلم، لكن ذلك الغضب الذي سد صدري لم يذبل ولم يتبدد؛ كان الإرهاق ينهشني.
“وبعد ذلك جعلها تلتقط كل شيء بنفسها. كان عليك أن تضع حداً لجنونك أيها الوغد.”
دفع أحدهم كتف يو سونغ-وو بقوة، في إشارةٍ لتوثيق عرى الصداقة بينهم.
“وهل هذه هي المرة الأولى التي يجن فيها؟”
“يو سونغ-وو لا يفعل سوى ما يجيده.. أفعال يو سونغ-وو المعتادة.”
وسط القهقهات الصاخبة، استند يو سونغ-وو بظهره إلى الكرسي بميل ونظر إليّ قائلاً:
“لهذا السبب تعرضتُ للشتم من قِبل جو-يون. لقد شتمتني بأسلوبٍ مرعب حقاً.”
كانت كل كلمة ينطق بها يو سونغ-وو تجذب انتباه الفتية.
رد أحدهم بعدم تصديق:
“مَن؟ هي؟ كيم جو-يون شتمت؟”
“كيم جو-يون بذاتها؟”
“يا صاح، هل هذه أول مرة يختلق فيها هذا الوغد الأكاذيب؟”
قال يو سونغ-وو والابتسامة لا تفارق محياه:
“بلى، لقد نعتتني بالوغد السافل.”
ثم وكز كتفي بإصبعه، فشعرتُ باشمئزازٍ عارم.
“وهي الآن تتجاهلني تماماً.”
وفجأة، التفت يو سونغ-وو وسأل بصوتٍ جهوري:
“ما رأيك أنت، يا أون-تشانغ؟”
في تلك اللحظة، التفتت كل الرؤوس التي كانت تشكل حصناً حول يو سونغ-وو نحو ذلك الفتى.
تجمد وجه كيم أون-تشانغ تماماً، بينما رفع يو سونغ-وو زوايا فمه بابتسامةٍ فاترة.
‘أيها الوغد الصفيق.’
ابتلعتُ شتيمتي في صدري.
كان يو سونغ-وو يقبع في معقله المريح محاطاً بجدار من الأتباع، بينما كان ينظر إلى كيم أون-تشانغ القابع في عزلة تامة.
“أنا؟ هل تـ.. تتحدث إليّ؟”
“أجل أنت. وهل هناك أون-تشانغ غيرك هنا؟”
ضحك الفتية. الأصوات صاخبة، و معدتي تتقلب غثياناً.
في تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني كيم أون-تشانغ.
رغم أنه مجرد شخصية في رواية، إلا أن عينيه اللتين ارتجفتا من شدة الارتباك بدتا واقعيتين بشكلٍ مفرط.
لو كانت كيم جو-يون الحقيقية مكاني، لكانت قد تدخلت الآن لتوقفه عند حده؛ وحينها كان يو سونغ-وو سيحول اهتمامه إليها بشغف كما هو مرسوم له.
بصفتي مؤلفة هذا العالم الهش، أعلم جيداً أن كل تصرفات يو سونغ-وو هذه ليست إلا وسيلة لجذب انتباه كيم جو-يون في نهاية المطاف.
“لماذا لا تجيب يا أون-تشانغ؟”
وبنبرة يو سونغ-وو الناعمة تلك، قاطعه بعض الفتية بمرحٍ خبيث:
“يا رجل، ألا ترى؟ إنه يشغل عقله الصغير الآن ليبحث عن مخرج.”
“إنه يرتجف رعباً.”
“كيم أون-تشانغ، أجب بسرعة!”
بدا كيم أون-تشانغ وكأنه يختنق وسط أصواتهم.
وبوجهٍ شاحب كالموت، راح يتمتم بكلماتٍ متعثرة.
أدرتُ وجهي بعيداً.
لم أعد أحتمل المشهد.
هو مجرد شخصية على ورق، كيم أون-تشانغ هو الشخص المقدر له أن يتعرض للتنمر على يد يو سونغ-وو.
شخصية صنعتُها بنفسي ولم أمنحها حتى أهميةً تُذكر.
‘..لو كانت مكاني، ماذا كانت ستفعل؟’
راودني هذا السؤال العبثي رغم معرفتي بالإجابة.
عدتُ بنظري ببطء نحو كيم أون-تشانغ، وكان هو الآخر ينظر إليّ هذه المرة، بوجهٍ غارق في ذلٍّ مرير.
“كفى عبثاً.”
نطقتُ بها. كان اندفاعاً غير محسوب.
ورغم أنني شعرت برغبة في التقيؤ حين اتجهت كل الأنظار نحوي فجأة، إلا أنني استجمعتُ شتاتي موهمةً نفسي بأن كل هذا ليس سوى أضغاث أحلام.
أدار يو سونغ-وو رأسه نحوي وهو يبتسم:
“هاه؟”
“قلتُ لك.. توقف عن هذا.”
رفعتُ صوتي لدرجة جعلت الجميع يسمعونني بوضوح تام، حتى أن أنظار الفتية الذين لم يكونوا جالسين بالقرب منا اتجهت نحوي.
وبينما كنتُ أتأمل تلك الرؤوس التي استدارت تجاهي، شعرتُ بشيء ما؛ لم يكن الجميع يحملون وداً تجاه يو سونغ-وو.
هؤلاء الملتفون حوله كانوا، بلا شك، من طراز الأشخاص الذين يقهقهون لمجرد نطق يو سونغ-وو لأي هراء، لكن من المستحيل أن يكون الجميع موافقين على أفعاله.
جابت نظراتي تلك الوجوه الغريبة.
‘إنه حلم.. محض حلمٍ حيّ.’
رددتُ هذه الكلمات في سري مراراً، ثم فتحتُ فمي قائلة:
“بما أنك بلغتَ الثامنة عشرة من عمرك، فحاول أن تستعمل عقلك قليلاً. تصرفاتك مخجلة لدرجة أنني لا أطيق رؤيتها.”
ساد صمتٌ مطبق لبضع ثوانٍ.
بدا وكأن الجميع يترقبون ردة فعل يو سونغ-وو بحذر.
استشففتُ من تعابير وجوههم أن كلماتي لم تكن ذات مفعولٍ كبير؛ فمهما بلغت حدة نوباتي الكلامية، يظل يو سونغ-وو هو القاضي وصاحب الكلمة الفصل في هذا المكان.
كان وضع كيم جو-يون الاجتماعي، بل وحياتها المدرسية برمتها، مرهوناً بكيفية معاملة هذا الوغد لها.
لكنني نظرتُ إلى يو سونغ-وو بعينين ثابتتين.
فكرتُ بتهور أنه إن ساءت الأمور، فليس عليّ سوى الانسحاب من المدرسة ثانيةً؛ فلم يكن لديّ أي أدنى اهتمام بمستقبل كيم جو-يون.
“واااه.”
ضحك يو سونغ-وو وهو يصفق بيديه.
“يا للروعة، إنها مخيفة بحق. انظروا، جو-يون قوية جداً. ألم أقل لكم ذلك أيها الرفاق؟”
كانت كلماته تلك بمثابة إشارة الانطلاق؛ فسرعان ما انقلب هدوء الفصل إلى ضجيجٍ عارم.
أطلق البعض صافراتٍ مبالغاً فيها، بينما استغرق آخرون في ضحكٍ صاخب.
“هل كانت كيم جو-يون فتاة كهذه؟”
“هل رأيتم كيف شتمته؟”
“لا بد أن أون-تشانغ قد وقع في حبها الآن، لقد كانت فارسة شجاعة.”
“بل قُل وردةً سوداء فاتكة.”
ابتسم يو سونغ-وو في وجهي.
وفي اللحظة التي رأيتُ فيها تلك الابتسامة، تساءلتُ بصدق:
‘كيف خطر لي أصلاً أن كيم جو-يون ستقع في حب شخص كهذا؟ كيف يمكن أن تحب وغداً مثله؟ كيف؟!’
تصبب العرق في كفيّ المقبوضتين.
وعلى الرغم من أن كل ما يحدث ليس سوى أحداث في رواية، إلا أنني كنتُ أجاهد لإخفاء رعشة جسدي.
فكرتُ في حمل حقيبتي والمغادرة فوراً، رغم يقيني بأن ذلك سيجرّ خلفي موجةً أكبر من السخرية.
“كيم جو-يون.”
كانت عينا يو سونغ-وو تشخصان نحوي.
يا تُرى، ما الذي يدور في خلده الآن؟
رغم أنه شخصية من نسج خيالي، إلا أنني في الحقيقة لم أكن قد تعمقتُ في دراسة أبعاد شخصيته حين كتبتُها.
مجرد مجنون طفولي، وسيم الملامح لكنه حثالة الأخلاق، ينجذب لـ كيم جو-يون التي تملك روحاً تشبه القديسة وتناقض شخصيته تماماً.
“هل تحبين أون-تشانغ؟”
سأل بابتسامة ناعمة. كان تهكماً صبيانياً محضاً.
غير أن الفتية من حوله راحوا يهتفون لكل كلمة ينطق بها كما لو كان اتفاقاً مسبقاً.
أما هو، فقد اتكأ بجسده على الكرسي بزهو، متصرفاً كملكٍ يتربع على عرش ذاك الفصل.
‘أحمق’.
رغم أنني المؤلفة، لا يمكنني سبر أغواره بالكامل، لكنني أدرك تماماً مغزى هذا التصريح الصبياني.
فـ يو سونغ-وو الذي صممتُه، لم يكن يعرف كيف يعبر عن إعجابه إلا بأكثر الطرق طفولية والتواءً.
“لا.”
“إذن لماذا تتدخلين باستمرار؟”
“لأنني لم أعد أحتمل مراقبة تفاهتك.”
“أتقصدين أنكِ لا تحتملين رؤية شخص يلمس رجلكِ الخاص؟”
تعالت صيحات “أوووه” المبالغ فيها.
لم يعد هناك ما يستحق البقاء لأجله في هذا الجدال العقيم.
نهضتُ من مكاني وجذبتُ حقيبتي بقوة؛ كانت خفيفة لخلوّها من الكتب.
حين وضعتُ الحقيبة على كتفي، قطب يو سونغ-وو حاجبيه قليلاً.
“ماذا؟ هل ستفرين؟”
“أجل.”
“سأخبر المعلم بغيابك.”
“افعل ما بدا لك.”
أيها الوغد الكريه.
غادرتُ الفصل دون ذرة ندم، بينما تلاشت الضوضاء الصاخبة خلف ظهري كلما ابتعدت.
ترجمة Nova
Chapters
Comments
- 3 منذ 12 ساعة
- 2 منذ 13 ساعة
- 1 - الحلقة 1: أشياء لا تُهضم منذ 13 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"