لم تكن كاليبسو تَعلمُ ما الَّذي يَدورُ في ذهنِ بايير، ولكنَّها لم تُبَالِ بذلك، واستمرَّت في الثرثرةِ بلا توقُّف.
“أنا مُذهِلةٌ حقًّا، أليسَ كذلك؟”
“ليس كثيرًا.”
“آه، لِماذا؟ ألستْ مُذهِلة؟ بالطَّبع، أنا مُذهِلة،
أتساءلُ حقًا أنا أبنةُ مَن لأكونَ بهذه الروعةِ؟”
“…”
رغمَ أنَّ خَدَّي الطفلةِ التي جَلَستْ تحتَ ضوءِ
الشَّفقِ لم يبتسمَا، إلَّا أنَّهُما كانَا مُتَوَرِّدَين.
وبغَضِّ النَّظرِ عن إجابةِ بايير، كانتْ كاليبسو تستمرُّ
في الحديثِ، رغمَ أنَّها كانتْ تنظُرُ إليهِ بحذرٍ.
“ابنةُ مَن؟”
سُرعانَ ما ارتسمَتِ ابتسامةٌ جميلةٌ تتناسبُ
معَ وجهِها الَّذي تلَوَّنَ بلونِ الشَّفق.
“أنا ابنةُ أبي.”
“…”
“أبي، إنَّهُ وسيْمٌ جدًّا، ويُحِبُّني كثيرًا.”
‘… مَن هو هذا الأبُ، وأيُّ نوعٍ مِن الأشخاصِ هو؟’
بدلًا مِن طرحِ هذا السُّؤال، قامَ بايير
بتشابُكِ ذراعيه، وتحدثَ قائلًا:
“الشخص الذي لم يظهرْ ولو لمرةٍ واحدةٍ بينما يُجبِرُ طفلةً في الثالثةِ على تَّحمل كُل هذا وحدها…”
‘لماذا؟ ماذا يُمكِنُ أن يكونَ السَّببُ ليقولَ هذا فجأةً؟ لما هذا الشُّعورُ المُزعِجُ يَغْلِي بداخلي عند سماعِ كلماتهِ…؟’
“هل تغيَّرتْ معاييرُ الأباءِ ليكونَ ذلك
الأب الذي تتحدثينَ عنهُ مُحِبًّا و رائِعًا؟”
نظرتْ كاليبسو إلى بايير الَّذي جلَسَ
بجانبِها على حافةِ النَّافورة.
كانَ الأمرُ صادمًا.
‘…هل كنتَ تُدْرِكُ أنَّكَ قد رميتني؟’
لكنْ هذا الشُّعورُ تلاشى بسُرعةٍ، وبدلًا مِن ذلك، نظرتْ إلى بايير بعينينِ مملوءتينِ بالفُضولِ مثل الدلافين.
‘أوه، ما هذا؟ هل يَعْنِي هذا أنَّهُ لن يطلُبَ مني
غسلَ المزيد؟ هل انتهى العملُ الإضافي؟’
‘هل انتهى التَّدريب؟ هل يُمْكِنُني العودةُ الآن؟’
‘يَجِبُ أن أختارَ كلامي بحذر…!’
مؤخَّرًا، اكتشفتْ كاليبسو أنَّ الخادماتِ سمكات الرنجة الثلاثة بارِعَاتٌ في الطَّهيِ، ممَّا جعَلَها تَشْعُرُ برغبةٍ شديدةٍ في العودةِ إلى المنزلِ كما لو كانت موظَّفةً تَشْتاقُ إلى نهايةِ يومِ العمل.
ولكنَّها سرعانَ ما توقَّفَتْ عن التَّفكّير في هذا.
في الحقيقة، لم يكن بإمكانِها التَّفكّيرُ في شيءٍ آخرَ وهيَ ترى بايير الَّذي جلَسَ بجانبِها ينظُرُ إلى الأمامِ بصمت.
“بالطَّبع. ألا تلاحظُ ذلك منذُ أنْ بدأتُ أتحدَّثُ بهذهِ الطلاقة المُميزة؟ هل تَعتَقِدُ أنَّ هناكَ شخصًا يُمكِنُهُ التَّحدُّثَ مِثلي؟ يَجِبُ أن يكون هذا تلميذًا آخر لديكَ، ولكن لا يوجد سواي هنا، أليسَ كذلك؟”
“حتَّى الآن، قد عَلَّمْتَنِي عن قُوَّةِ الماء، صحيحٌ؟”
“وماذا في ذلك؟”
“لِنَكُنْ شُرَكَاءَ في الأعمال! سأُعَلِّمُكَ
كيفَ يُمكِنُ أنْ تَكُونَ الحياةُ مُمتِعة.”
“…إنَّ كَلِماتكِ مُحَيِّرةٌ وغَرِيبةٌ حقًّا.”
إذا كانَ مِن غيرِ المَقبولِ لشخصٍ بالغٍ أنْ يَتَحدَّثَ عن الموتِ أو فُقدانِ الهدفِ أمامَ طِفْلَةٍ في الثالثةِ، أليسَ من غيرِ المَقبولِ أيضًا أنْ تَعِظَ طِفْلَةٌ في الثالثةِ شخصًا بالغًا عن جَمالِ الحياة؟
كانتْ تَساؤُلاتُ بايير مَنْطِقيَّةً، ولكنَّهُ لم يَشْعُرْ
بالحاجةِ للتَّعبيرِ عنها بصوتٍ عالٍ.
“هل تَتَناولُ طعامَكَ بانتظامٍ يا مُعَلِّمي؟”
لم يكنْ هناكَ شخصٌ مِن قبلُ يَجْرُؤُ على طرحِ مثلِ هذا السُّؤالِ، لذا كانتِ الطفلةُ الصغيرةُ أمامَهُ هي الأُولى.
“هل تَسْمَعُني، يا مُعَلِّمي؟ هل تَتَناولُ وجباتِك؟”
بينما كانَ بايير مُذهولًا لِدرجةِ أنَّهُ فَقدَ القُدرةَ على الكلامِ للحظةٍ، لم تَتَمَكَّنْ كاليبسو من الانتظارِ، فأسرَعَتْ في طرحِ السُّؤالِ مُجَدَّدًا.
“أحيانًا.”
“أنتَ لا تُدْرِكُ أهميَّةَ الوجبات.”
ما الَّذي تُحاوِلُ هذه الكائنةُ الصغيرةُ
والمتهورةُ قولَهُ الآن؟
“انظُرْ! انظُرْ! كيف يُمكِنُ لشخصٍ بالغٍ ألَّا يتمكَّنَ من تَناولِ طعامِهِ بنفسِهِ؟ ألَا يَسْتَطيعُ تَحضيرَ طعامِهِ؟ هل هو طِفلٌ؟”
بما أنَّهُ يَمْلِكُ قُوَّةً هائلةً، لذا لم يكنْ
يَحتاجُ لتَناولِ الطَّعامِ كثيرًا.
حتَّى لو لم يكنْ لديهِ خَدَمٌ دائمون، كانَ
هناكَ دائمًا من يُحَضِّرُ لهُ وجباتِهِ.
كانَ بإمكانِ بايير الإجابةَ على كُلِّ هذا، لكنَّهُ اختارَ أنْ يَسْتَمِرَّ في مُراقبةِ كاليبسو الثرثارةِ بدلًا من الرَّد.
“همم. الغسيلُ، التَّنظيفُ، تنظيمُ الأشياء…”
من مَعرِفَتِهِ، كانَ الأشخاصُ في هذا القَصْرِ من العائلاتِ الجانبيةِ الَّذينَ يَطْهُونَ طعامَهُم بأنفسِهِم قليلينَ جدًّا.
في الواقع، كانَ عَدَدُ الَّذينَ يَتَناولونَ
وجباتِهِم بانتظامٍ قليلًا أيضًا.
ولكنَّهُ لم يَرَ حاجةً لِذِكْرِ ذلك.
“هل ستدَّعِين الآنَ أنَّ إطعامَيَّ
أيضًا جُزءٌ من التَّدريب؟”
لقد كانَ مَشهدُ هذهِ الحوتةِ القاتلةِ الصَّغيرةِ الَّتي كانتْ تَثرثِرُ وتَتَصَرَّفُ كما تَشاءُ دونَ أيِّ مبررٍ يُجْعِلُ بايير يَزْدادُ فُضولًا.
‘هل تَعرِفُ أمرًا يا سيدي…’
على الرَّغمِ من أنَّهُ كانَ يَتَوقُ لِلعيشِ بِسَلامٍ
في عُزْلَة، إلَّا أنَّهُ لم يُغْلِقْ جميعَ الأبواب.
التعليقات لهذا الفصل " 19"