“آها، حقًا؟ ولكنْ…التحْقيقُ يتطلَّبُ شهودًا، أليسَ كذلكَ؟ ويبدو أنني الوحيدةُ التي يمكنُها القيامُ بذلكَ. لقدْ كنتُ الوحيدةَ التي تستخدمُ هذا المبْنى لفترةٍ طويلةٍ.”
كانَ هناكَ طفلٌ من أحدى العائلاتِ الجانبيةِ لعائلةِ الحيتانِ القاتلةِ هنا ولكنهُ بقيَّ لفترةٍ قصيرةٍ فحسب، إذ سُرعانَ ما أخذهُ والداهُ سرًا.
نظرًا لأنَّ مثلَ هذهِ الأمورِ تحدُثُ، فقد
تُرِكتُ وحدي هنا.
آه، بالطبعِ، ذكرتُ هذا لأنني أعلمُ أنَّ الخادمَ يقصدُ:
‘الشاهدُ الوحيدُ هنا هو أنا، وإذا لمْ يُطلَبْ مني
المثولُ، فسيُغلَقُ الموضوعُ دونَ تحقيقٍ فعليٍّ.’
في الواقعِ، لا يبدو أنهمْ ينوونَ التحقيقَ بجديةٍ، بل يريدونَ فقطْ إعطاءَ إجابةٍ مقبولةٍ ليَّ.
“نعم، هذا صحيحُ. ربما سنحتاجُ إلى
مساعدتِكِ لاحقًا يا سيّدةَ كاليبْسو…”
“بالطبعِ، لا مشكلةَ لديَّ. ربما تعرَّضَ
أطفالٌ آخرونَ للضررِ مِن هذا.”
كانتْ تلكَ الخادمةُ التي تُعذب الأطفال
هنا لفترةٍ طويلةٍ قبلَ وصولي حتى.
لذا، من الممكنِ أنْ هناكَ أمورًا أخرى
قدْ حدَثتْ مع أطفالٍ آخرين.
‘بالفعلِ، لا ينبغي أنْ نتركَ منْ يعذب
الأطفالَ بلا عقابٍ.’
مرَّ كارونْ بذهني للحظةٍ، لكنني سرعانَ ما تجاهلتُ التفكيرَ فيه؛ فقد حصلَ على ما يستحقُّه.
نظرتُ إلى الخادمِ بطرفِ عيني بينما
أمسكتُ بطرفِ ثوبِ ميسيا برفقٍ.
كنتُ أودُّ الإمساكَ بيدها، لكنَّ طولي
لمْ يكنْ يسمحُ بذلكَ.
“وكما قلتُ، سأختارُ هذه كمربّيةٍ ليَّ. يمكنكَ
إبلاغهمْ بذلكَ، أليسَ كذلكَ؟”
“نعمْ…”
“يسعدني أنَّ التحقيقَ سيتمُّ منْ قِبَلِ
الأسرةِ الرئيسيةِ. سأخبرُ والدي بذلكَ أيضًا!”
“…”
عادَ الخادمُ مُنكسرًا، وكتفاهُ متدليتانِ بعد كلماتِ هذا.
‘مراقبةُ هذا المكانِ كانتْ جزءًا منْ مسؤولياتِكمْ
أيضًا. يجب أنْ تتحملوا نتائجَ إهمالِكمْ.’
***
نظرتْ ميسيا بتعبيرٍ متحيرٍ إلى كاليبْسو الصغيرةِ
التي كانتْ تمسكُ بطرفِ ثوبِها.
وبالرغمِ منْ أنَّ عينيْها وحاجبيها كانا يميلانِ قليلًا إلى الأعلى بسببِ كونها منْ فصيلةِ الحيتانِ القاتلةِ، إلا أنَّ وجهَها كانَ بريئًا تمامًا دونَ أيِّ أثرٍ للحدةِ، وكانَ واسعًا ومستديرًا.
بالإضافةِ إلى ذلك، كانتْ كاليبْسو تتمتعُ بجمالٍ أخاذٍ قدْ لا تتاحُ الفرصةُ لرؤيةِ طفلةٍ مثلها مرةً أخرى في الحياةِ.
ولكنْ، ما كانَ مُذهلًا حقًا هو مدى طلاقةِ حديثِها…
‘قيّل إنها عبقريةٌ، أليسَ كذلكَ؟’
كم شعرتْ بالدهشةِ في اليومِ الأولِ عندما
رأيتُ هذه الصغيرةَ تتحدثُ بوضوحٍ ودقةٍ.
ولقد كانتْ الآنَ تراقبُني.
“بما أنَّ الأمورَ صارتْ هكذا، فأنا
أعتمدُ عليكِ يا ميسيا.”
“…”
شعرتْ ميسيا بشيءٍ غريبٍ، وكأنَّ هذه
السيدةَ الصغيرةَ تعرفُها منْ قبلُ.
ولكنها سرعانَ ما أزاحتْ هذه الفكّرةَ
منْ رأسها بتفكّيرها:
‘لا بدَّ أنني أتوهمُ.’
فكيفِ يمكنُ لفتاةٍ لمْ تتجاوزِ الثلاثَ سنواتٍ
أنْ تكونَ قدْ التقتْ بها منْ قبلُ؟
هزتْ ميسيا رأسَها نافيةً أفكّارها و أوهامها هذه.
“نعمْ، سيّدتي الصغيرةَ. سأقومُ
بخدمتِكِ بأفضل ما لدي.”
الأمرُ المهمُّ هو أنَّ هذه السيدةَ
الصغيرةَ اختارتني لخدمتِها.
قررتْ ميسيا أنْ تركزَ على هذا الأمرِ وحدهُ.
كانتْ وظيفتها في هذا المبنى هي رعايةَ أطفالِ الحيتانِ القاتلةِ، ولكنْ، للأسفِ، كاليبْسو هي الوحيدةُ المتواجدةُ هنا الآن.
علاوةً على ذلك، لمْ تردْ ميسيا أنْ تفوتَ
الفرصةَ لتصبحَ مربّيةً لهذه الطفلةِ الرائعةِ.
‘أوهْ، كما هو متوقع يبدو أنها سريعة البديهة.’
لاحظتْ كاليبْسو أنَّ ميسيا ليستْ فقطْ
شخصًا طيبًا بل هي أيضًا ذكيةٌ.
وفي الواقعِ، البقاءُ على قيدِ الحياةِ في الحربِ ليسَ بالأمرِ السهلِ لمنْ ليسَ لديهمْ هذه الحاسةُ والقدّرة.
رغمَ أنَّ ميسيا لمْ تكنْ ضمنَ وحدتِها المُباشرةِ في حياتِها السابقةِ، إلا أنها بقيتْ على قيدِ الحياةِ لفترةٍ طويلةٍ، مما يدلُّ على أنها كانتْ جيدةً في التعاملِ معَ الأمورِ.
ورغمَ أنَّ كاليبْسو لمْ تكنْ تنوي أنْ تصبحَ رئيسةَ الأسرةِ مرةً أخرى كما في حياتِها السابقةِ، إلا أنها غيّرتْ رأيَها بعد أنْ التقتْ بتوأمِ الحيتانِ البيضاءِ اليوم.
‘تذكَّرْتُ الآنَ. لو كنتُ قدْ حصلتُ على دعمِ عائلةِ الدلافين البيضاءِ في الحياةِ السابِقَةِ، لكانَ كلُّ شيءٍ أسهلَ.’
ومن بينِ أنواعِ الحيتانِ، كانت الدلافين
البيضاءُ معروفةً بذكائِها الشديدِ.
ولكنْ، قبلَ أنْ تعودَ كاليبْسو إلى العائلةِ، وقعَ
حادثٌ أدى إلى مقتلِ مُعظمِ أفرادِ هذه الفصيلةِ.
وكانَ الجاني هو ابنُ عمِّها بايونْ.
ولهذا السببِ، غادرَ الناجونَ من الدلافين
والحيتان البيضاءِ هذه الأرضَ.
‘على الأقلِّ، لنْ أحتاجَ إلى جمعِ المواهبِ
للعائلةِ أو للحربِ كما في حياتي السابِقَةِ.’
ولكنَّها شعرتْ بأنَّ هناكَ حاجةً لوجودِ مواهِبَ بجانبِها حتى بلوغِ سنِّ العاشِرةِ، وهوَ العمرُ الذي ستغادرُ فيهِ هذا المكانَ.
…رغمَ ذلكَ، لمْ يكنْ مزاجُها سيئًا عندَ التفكيرِ في أنَّ المكانَ الذي عادتْ إليهِ قدْ أصبحَ أكثرَ حيويةً بسببهنَّ.
***
وبعدَ عدةِ أيامٍ.
عندَ عودتي من الأكاديمية، بدأتُ
أراجعُ بجديةٍ ما مضى.
الحياةُ في الفترةِ الأخيرةِ ليستْ سيئةً.
حقًّا، ليستْ سيئةً على الإطلاقِ.
ومعَ ذلكَ…
‘هلْ من المفترضِ أنْ أعيشَ بهذهِ الطريقةِ؟’
كنتُ أفكرُ في ذلكَ وأنا أراقبُ
أكوامَ الملابسِ المتراكمةِ أمامي.
أيامي الحاليةُ بسيطةٌ جدًا.
أذهبُ أولاً إلى الأكاديمية الأبتدائية، وبعدَ
انتهاءِ جميعِ الدروسِ أعودُ إلى المنزلِ.
ومن ثم أتوقفُ قليلاً في المنزلِ لتناولِ وجبةٍ خفيفةٍ أعدتها الخادماتُ، ثم أذهبُ إلى منزلِ بايير لرؤيتهِ ‘أو ما يمكنُ أنْ يُسمَّى بالعملِ’.
كانَ هذا هو روتينُ حياتي.
أمرٌ رائعٌ أنَّ هذه الفترةُ أكثرُ سلامًا من أيِّ فترةٍ سابِقَةٍ! هادئةٌ! والأفضلُ من ذلكَ، أنا الأعلى في الفصلِ!
كلُّ شيءٍ هنا يُرضيني تمامًا.
“معلمي.”
لكنْ هناكَ شيءٌ واحدٌ فقطْ ناقصٌ.
“ألمْ تكنْ تعيشُ بمفردِكَ في هذا المبنى؟”
“وماذا في ذلكَ؟”
حينها أصبحَ وجهي عابِسًا قليلاً.
لمْ أستطعْ فهمَ الأمرِ. ولسببٍ ما. سألتهُ بفضولٍ:
“ولكنْ، منْ أينَ جاءتْ كلُّ هذه الملابسِ؟”
“تُخصَّصُ كميةٌ معينةٌ من هذه الملابس
للخادماتِ والخدمِ لكلِّ مبنى.”
“أهذهِ هي الملابسُ التي تتحدَّثُ عنها؟”
عدمُ وجودِ إجابةٍ من بايير
كانَ يعني غالبًا الإيجابَ.
يبدو أنَّ جميعَ الملابسِ ذاتُ
شكلٍ مألوفٍ ولونٍ أسودَ.
“هلْ يجبُ أنْ أغسلَ كلَّ هذهِ الملابسِ حقًا؟”
…نظرًا لعدمِ وجودِ إجابةٍ مرةً
أخرى، يبدو أنَّ الإجابةَ هي نعم.
‘هلْ من الممكنِ أنَّ التدريبَ يصبحُ أكثرَ جنونًا
يومًا بعدَ يومٍ، أم أنَّ هذهِ مجردُ أوهامي؟’
𖣠··=·.·=❉=فقرة الشروحات𖣠··=·.·=❉=
سمكة الرنجة هي نوع من الأسماك البحرية التي تعيش في المياه الباردة من شمال المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ.
تتميز سمكة الرنجة بجسمها الصغير والمتطاول، ولونها الفضي اللامع. وهي معروفة بكونها من أكثر الأسماك التي يتم صيدها واستهلاكها في العالم، خاصة في الدول الأوروبية حيث تُستخدم في العديد من الأطباق التقليدية، مثل الرنجة المخللة والمدخنة.
تعد سمكة الرنجة أيضًا ذات أهمية اقتصادية كبيرة، حيث تشكل مصدرًا رئيسيًا للزيوت والأسماك المعلبة، وتعتبر جزءًا مهمًا من النظام الغذائي البحري.
التعليقات لهذا الفصل " 17"